الاثنين، 7 أبريل 2025

نزيف الدهر

 


 

 

       خطرات قلب اضناه الالم ، تنهش بأظافرها ذكريات كليمة لسبعة عشر عاما خلف القضبان ،  تمزق احشاء الزنازين والجدران ، تستدعى اسماء رفاق الدرب ، ممن تجرعوا سقم المأساة ذاتها .. يطلق العقال لزوابع من الاحاسيس تتفجر ينابيع من المشاعر الدفينة في ركام الذاكرة .

        أود ببساطة أن يُسمح لي أن أقول ما أفكر به في هذه الحقبة من تاريخنا .. أريد أن أشارك ما خبرته مع أولئك الذين لم يختبروا ذلك .. يحتاج الناس إلى القراءة ، ومحاولة فهم ما حدث .. قصتي كشاهد وضحية .. آمل أن يفعل الآخرون ما فعلت ، حتى يكون هناك في النهاية نقاش جاد يعري الحقيقة ، وحجم الالم لعقود من الزمن المر .

         نزيف الدهر ، سجل لعمر انقضى خلف القضبان ، قرابة العقدين ، تجرعت فيها اسوأ صنوف الاذى ، وامتهان الكرامة ، وتقييد الحرية .

    اما ذلك الجلاد ، فقد كان لديه نصيب وافر من السادية ، والميكيافيلية السياسية الشاذة . وهذا هو ما تسبب في انزلاق وطن نحو هاوية التاريخ .

        غرب الجلاد ، واصبح الصبح حقا ، او هكذا ينبغي ،  وماذا بقي بعد كل هذا النزيف .. صرخات المحنة الكأدة ، هل لا يزال يسمعني ، اريد ان ازف اليه صرخات الرفاق ، واهاتهم المقبورة لدهر .. تنزف هذه المرة بدفق حر ، لقد رحل الجلاد .. " ان المصائب يجمعن المصابينا .. وكنا جميعا مصابين ، وايضا .. الوطن كان ينزف اكثر منا جراء طعنة العقيد الباسلة "(   )

       " لقد ألفت حالة الذبول والأرق ، وعصفت بي الأنواء والرياح السوداوية حتى لم تبق أيامي إلا عبثا ، وأطبقت ضروب الألم والعذاب ، واستولى الضجر والاكتئاب ، وكأنه انحدار لابد منه ولا مرد له سوى الموت ، وبت لا أرى في الغد ما يغريني البتة ، أتنهد بغير إرادة مني . حال من لحقه اليأس من فرص السلام . وفي الأفق ضباب وغيوم . فيا أيتها الأوقات الغوالي التي طالما أسفت عليها ، أعيدي إلى مجراك وأسعفيني بتذكر ذلك المعتزل الموحش لأربعة عقود مضت " (   ).

 


 

         خفقان اجنحة داخل قفص ، لوحات مجتزاة من حركة الاحياء الاموات ، السجان والسجين ، الجلاد والضحية .. والوطن ليبيا ، ويوم تلاوة الحكم ( غير القضائي ) .. تعالت خفقات قلبه بتسارع شديد ، حتى كاد ان يهتف بأعلى صوته ( يحيا العدل ) .

       " . ثمة فرق بين جلاد وأخر .. الروائح النتنة الكريهة ، اكتظاظ المكان ، وتوالي الرواد ، في سؤال سجين جرئ " لماذا اخذت كمية الطعام التي تمنحونها لنا تتناقص ..؟  رد العريف .. بهدوء ، وهو يضرب الغارف مكفيا على الصحن : كثرت امة محمد ! " (   ). 

            

      تعتصره المساحة الضيقة ، يتفحص الجدران الكالحة الواجمة ، بحثا عن اثار من سبقوه . يقتفي في كتاباتهم ، سجل المكان الآسن .. والوطن الاسير . " عودنا انفسنا على توقع المساوئ ووطناها على تقبل اخبار المصائب " (   ).

    " اقدر قيمة الحصول على فرصة بأن تقول وداعا .. نظرت حولي ، وبدا كل شاهد قبر كأنه غلاف كتاب اغلق الى الابد .. هناك الكثير من القصص التي لن تروى ابدا .. ما اخر شيء فكروا فيه قبل ان تغادر ارواحهم اجسادهم ؟

         شلال الذكريات الحزينة .. حين لم تستطع ان تنسى كان الحل في ان تتذكر .. تجارب حبيسة ذهن موجوع بأثقال المحنة  .. من حقهم ان يعرفوا اين دفن رفاقهم  ، ومن حقه ان يدفن في قبر لائق " (   ).

      لا يمكنني الصراخ ، فلا يوجد هواء كاف في رئتي .. رائحة الغبار احرقت انفي ، كتمت انفاسي كي لا اسعل .. ان السحب المظلمة سوف تنقشع قريبا  .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

هرطقات القذافي