حين التقيته أول مرة، أواخر العام 1972م، كان يجلس خلف مكتب بمجلة «البيت». كان ببدلته وربطة عنقه شاعراً «كلاسيكياً حديثاً»؛ كما كنا نطلق تصنيفاتنا المراهقة على البشر بمظاهرهم في تلك الفترة من عمرنا الثقافي. ذاك التصنيف كان كفيلاً بأن يجعلني أرى أنني طرقت الباب الخطأ، وأن الذي أمامي لن يتعامل مع نصوصي التي كنت أحمل، والتي كنت أتصور أنها تنتمي للحداثة والعصر، إلا بمنظار الكلاسيكي المتحجر، وسيلقي بها في وجهي رافضاً حتى قراءتها.
إدريس بن الطيب، أو «ابن الطيب» فقط كما كان يوقع على معارضاته الشعرية وقصائده كلاسيكية الشكل، لم يلقِ نصوصي في وجهي، بل أخذ يقرأ أولاً، ثم أخذ قلماً وأخذ يصوب أخطائي النحوية، ثم زحافات موسيقتيّ. كان يقلب ما كتبت بحرص معلم، ويشير بقلمه ولمعان بصيرته إلى بعض المقاطع: «هذه الصورة حلوة».
إدريس لم يكن يكبرني إلا بعام واحد أو عامين، ولكنني اكتشفت في تلك اللحظات أنه يكبرني معرفياً بكثير. كان ابن الطيب قد تكوّن في المعاهد الدينية ورضع اللغة والشعر مباشرة من ضرعها الأصلي؛ كان يقف على أساس متين، وكنت أقف على أسس انفصلت عن التراث، عن الضرع، ورضعت معارف مصنعة معلبة.
شرعت بعد تلك المقابلة الفاصلة في دراسة بحور الشعر وحاولت حفظ ما أستطيع من منتخباته، اكتشفت أن الشعر بعد الموهبة «عدة للصنعة»، علينا أن نتعلمها ونتقنها وقد نطورها إن اكتسبنا المعرفة والموهبة. إدريس بن الطيب كان بعد ذلك الداعم لي في نشر إنتاجي بالمطبوعات الليبية في تلك الفترة، حتى كنت برعاية إدريس أحد كتاب «الفجر الجديد» في صفحتها الثقافية.
إدريس قفز بعد ذلك ومن على أسس صلبة لكتابة الشعر الحديث أو شعر التفعيلة، لينتج نصاً متماسكاً لا يعوره التفكك الذي صاحب تجارب لم تتأسس بشكل صحيح؛ أعني لم تمتلك حتى «القادومة» لتدخل على الجبل.
إدريس بن الطيب، ابن المعاهد الدينية «الجغبوب»، ثم شاعر ومثقف الحداثة ومشروع النهضة، كان - وكما كان علي مصطفى المصراتي الذي مثل جيلاً من الآباء المؤسسين للأدب الليبي الحديث- قد تأسس على تراثنا ليدخل ثقافة الحداثة واعياً وواثقاً. وكما كان التليسي، الحديث للغاية وصاحب الذائقة المتفردة في إرثنا الليبي الحديث، متبحراً في التراث وفي ثقافة أوروبا الحديثة. كان كما الشلطامي؛ حافظ القرآن وخبير الشعر الشعبي وعاشق كازانتزاكي ونيرودا وطاغور، الأصيل في غنائيته والمتفتح في أيقوناته ورموزه الإنسانية.
كان إدريس بن الطيب جيلاً من المتوثبين للعبور بثقافة الرعي إلى ثقافة الصناعة، من مجتمع القبيلة إلى مجتمع المؤسسة، من قصيدة العادة إلى قصيدة التجديد؛ تجديد القديم وليس بناءات العدم. جيل أبناء الآباء المؤسسين الذين كان عليهم أن يكملوا رحلة التجديد التي أسس لها أولئك الآباء العظام. ولكن السياسة والأنظمة الغبية، وبدل أن تساند وتكمل مشروع بناء النهضة الوطنية، قفزت قفزتها العدمية وأضاعت الجيل ونفسها أيضاً.
كانت عصا الفاشية الوطنية، بكل أسف، لا تضرب إلا الوطنيين الذين يحاولون النهوض بالبلاد؛ الطلبة والكتاب والشعراء والسياسيين الوطنيين، وتتحالف مع ببغاوات الشعارات والخراب. لم يشنقوا يمينياً رجعياً كما لا تزال ببغاوات الغباء تردد، بل شنقوا عمر دبوب المناضل التقدمي. لم يشنقوا عميلاً أو جاسوساً بل شنقوا محمد بن سعود المناضل الوطني القومي. لم يسجنوا حزبيين متآمرين كما لا يزالون بوقاحة يرددون، بل سجنوا طلبة وصحفيين وكتاباً وشعراء.
سجنوا جيلاً من الطموحات الوطنية للنهضة والاستقلال والحرية، جيلاً ورث معارف الآباء المؤسسين للمشروع الوطني المستقل وحاول المشاركة. وورث حكام اليوم إرث الأمس الفاشي بكل تفاصيله وزادوا عليه من ملحهم أطناناً من التكفير والتخوين والعمالة لنفس الضحايا، لنفس الجيل، أعني جيل ابن الطيب؛ التيار المدني الحقيقي المؤمن بالديمقراطية وإقامة دولة القانون، لا دولة الفقيه ولا دولة العسكري؛ كي يكون الأمر واضحاً.
ملاحظة: ابن الطيب وجيله من السجناء الطلبة والصحفيين والكتاب لم يأخذوا مليماً واحداً كتعويض من «فبراير» كما يروج الكثيرون؛ القليل منهم رفعوا قضايا تعويض أيام النظام السابق وحكمت لهم المحاكم واستلموا تعويضات، أما البقية فلم ينالوا من الجديد إلا الإلغاء والتهميش والنكران، وكل ذلك غير مستغرب من حكامنا الجدد، ورثة ورعاة الفساد والتبعية للأجنبي
منصور بوشناف







