الاثنين، 7 أبريل 2025

القرية السجن




     الان ، الوقت متأخر من الليل ، ولا زلت أتصفح رواية " القرية السجن "  ، اجدني اشبه بمحقق منهك يحتسي كوبًا من القهوة المرة ليخفف وطأة الحزن ، وداوني بالتي هي الداء ، اتجرع مرارة الاحداث واستشفي بمرارة القهوة في الأن عينه ، عيناي تتمرد لطرد النعاس ،  في تظاهرة نقابية صاخبة على حواف السرير ،  تستدعي تظاهرة " نقابة سجناء الرأي الليبيين " ، الذين اهملوا وابعدوا عن المشهد حال تحقق الحلم الذي راودهم يوما ما ، ودفعوا ثمنا غاليا لاجله ، الحلم بزوال المستبد ،  حلم الانعتاق ، انعتاق وطن من اصفاد الزنازين ، وشراسة الجلاد .

     يصعب تجاهل هذا الحلم بعد طول انتظار  ، اجدني وانا  اجوب " قرية صالح " كمن يرقص في الظلام ، احيانا ، استرخي قليلا عند ضفاف الجمل والعبارات  ، لارى بوضوح اكثر عواصف  الهجاء الثوري الجارفة لسجين حكم بالمؤبد ، وفي احيان اخرى ، تتجسد امامي صورته ، متكئا على الجدار ، خذه لا يفارق صحن كفه ، يسحب نفثة قصيرة من سجارة مهربة ، ثم يطفئ بقية غليونه ليوم الغد ، وعيون مشدوهة تتأمل المزلاج الحديدي ، ومتى موعد فك القيد ، والخلاص من الاسر  ، وفي احيان اخرى انصت اليه عن قرب وينتابني شعور بالاضمحلال ، وهو يتمتم بكلمات متمردة في صمت ، ساخرا من كل القواعد التقليدية المؤطرة لعفن الاستبداد .

   رواية " القرية السجن " ، او " قرية صالح " الظالم اهلها ، بعدما عقروا ناقة الوطن ،  يصعب سبر اغوارها لمن لم يعتاد تسلق القمم  ، انه التحدي ، لكن لا مجال لليأس   ، سوف اقارع السطور لأتجاوز المحنة .

    قرية صالح " سجل لتاريح وطن حقبة عصر الحماقة ، وشتاء اليأس ، رواية تفرض على المرء قراءتها ، وفي قراءتها تكتشف انها  تقرأنا  عن قرب ، وتقرأ اثر كدمات الدهر على سحنة وطن كليم ، ليبيا العزيزة .. التي هي وطننا وقدرنا .

      ما الذي جرى ، لا شيء سوى انه ذات يوم ،  تجرأ " صالح " على كتابة منشور يعبر عن امتعاضه من افتراس الوطن ، فوقع ضحية الوشاة الذين اراد تحريرهم ، شيء اشبه بمحنة سقراط عام 399 قبل الميلاد ، لقد دافع سقراط امام المحكمة عن نفسه ، حجته ان مشروعه الفلسفي  مفيداً للمدينة ،  لكنه سجن وأُعدم بتهمة " متمرد خطير " . غير ان محنة صالح كانت اشد وطأة ، اريد له ان يظل حبيس الجدران مدى الحياة . الحمد لله على السلامة يا صديقي صالح السقراطي الدعيكي .




      إن أسوأ يوم من العيش في مناخ الحرية ، أفضل من أفضل يوم في السجن . ” القرية السجن ” ، رحلة في حارة الذكريات ، تخيل أن كل أحلامك وطموحاتك تنهار مع سقوط تلك المطرقة ، تخيل أنك ستفتقد هذا العالم ، فقد باتت أجنحتك مقصوصة ورجليك مقيدة داخل أربعة جدران ، وقد حكم عليك بالمؤبد ، تلك هي قرية المناضل صالح الدعيكي ، عاد ليروي زمن اليأس من بقائه على قيد الحياة .

     القرية السجن ، سجل حافل بالتضحيات الجسام ، قصة وطن كليم اضناه وجع السنين ، سجين رأي يلعق جروحه التي لم تنذمل بعد ، رغم خلاصه من اصفاد القفص .

     من الصعب للغاية تقديم إجابة كاملة تلخص ما جرى ، فبالنسبة لشخص قضى فترة طويلة في السجن ثم أطلق سراحه ، لا شك انه لا زال يعاني اوصاب الصدمة الثقافية ، الأمر اشبه بالطيران عبر الفضاء لسنوات ، ثم الهبوط أخيرًا على كوكب غريب ، اظنه لا زال في حالة ذهول ، وعندما يتحول الوطن الى سجن كبير ، وعندما يتم نقل شخص من سجن إلى آخر ، يتعين عليه التكيف .

       المؤبد ليس من عمرى ، أنه من عمر النظام الذى لن يستمر طويلا ، سنة او سنتين او شهورا . هكذا يواسي الدعيكي نفسه ، يبعث التفاؤل لحظة اليأس من فرص السلام .

      لا يستطيع أي إنسان أن يتخيل كيف تتم التحقيقات في تلك القرية الظالمة ، إلا عندما يختبرها ، او ان يقرا عنها في اثر بصمات انامله .

       الرتابة عنوان المحيط باسره ، ذات الجدول الزمني ، فإذا لم تكن تعاني من مشاكل عقلية قبل دخولك السجن ، فمن المؤكد أنك ستعاني من ذلك بعد تجربة الجحيم ، اضطراب ما بعد الصدمة ، اذ الظلم الذي تراه من الحراس ، لا يستحق أي إنسان أن يُعامل بتلك الطريقة .

      القرية السجن لا تروي لنا يوميات السجن والرفاق فقط ، ولا انين وجعهم ، انها ايضا سجل يحتفظ باسماء اولئك المناضلون العظام ، من رحلوا في ظلام الزنازين ، ومن كتب لهم النجاة بعد طول امد .

     يخبرنا الدعيكي عن توجهاتهم الفكرية ، وانطباعاتهم ، ردود افعالهم ، ومدى تأقلمهم مع ذلك الواقع المر . لقد كان الأمر مهينًا ومذلًا ومثيرًا للتحديات وصعبًا ولا يُنسى .

      يخبرنا عن رفقة عميد سجناء الرأي ، ثلاثون عاما ، علي العكرمي ، الاستاذ والمعلم ، وعن المه لواقع الفتى مسعود من صحراء الجنوب الشرقي ، الكفرة ، عمره سبعة عشر ربيعا ، تهمته الكتابة على الجدران ، وكيف ادرك مع مرور الوقت ، – بتعبير الدعيكي – ان الكتابة على الرمال ليست كالكتابة على الجدارن ، فما يكتب على الرمال تدروه الرياح .

     يخبرنا عن قسم ” المحقرة ” حيث الامعان في الامتهان ، ومعايشة القوارض والحشرات ، تفترش الرطوبة ، وتستنشق الغبار ، وانعدام التهوية .

وعن صرخة رفيق ” ونخلة في السهل احنتها المخاوف ، وقصيدة الطبيب المفتي :

ثري أنا

وبعض زادي عنادي

ما تجود به كوة في الجدار

تضيق في كل عام علينا

     انين الرفيق عبد الرحمن الشرع ، كيف لي وطن ولا من عاصم فيه من النيران ، ولا من وردة تحنو على جرحي ، والرفيق شنابو وقد اختلط عليه صوت رنين اساور الحبيبة الغائبة ، وصوت المزلاج يشاكى وحشة اليها ، تهايا بو دبلج في ليد ..وآن ترقيد .. قفزت لقيته باب حديد .

      الرفيق الغرابلي وهو يتتبع مسارات النمل .. حتى النمل صار مخبرا في القرية ، يقوده الى حيث اخفى زميل قطعة خبز .

     كثيرة هي المنعطفات المؤلمة التي فاض بها معين الدعيكي ، دموع القلم لفقد الاحبة الرفاق ، حسرة حارقة تترجمها سطور خالدة تنثر العبر للاجيال القادمة .

    عندما أسمع كلمة “سجن” يخطر ببالي كلمة الفخ ،  شخصيًا لا أحب هذه الكلمة ، لقد كانت لي تجربة مماثلة ، وان كانت اقل وطأة  ، شعور رهيب ينتابني كلما ذُكرت هذه الكلمة لأي سبب كان.

    " القرية السجن " تحفة ادبية مذهلة .، هي باختصار ، قصة معقدة لمناضل سلاحه الكلمة ، بل وتسور ذات يوم على كتابة منشور خطي ، عزم على توزيعه بغية تنوير ذويه عن الخطر الداهم الذي حاق بهم ، رصدته اعين الحراس  ، وانتهى خلف القضبان ،  قبل ان يشرع في توزيع ورقة واحدة .. لذا ، خففت العقوبة الى عشر سنوات فقط .

     لم يكن يعرف متى سيعود إلى المنزل أو المدة التي سيقضيها خلف الابواب الموصدة  .. وكان عدم المعرفة أحد أصعب المنغصات التي تعكر مزاج الاوقات ، عدم اليقين والخوف من أنه سيضطر إلى قضاء بقية العمر هناك ، غمامة معتمة تعبر صباح مساء امام ناظريه .

      استهلالية الرواية ، لا يطمح الكاتب الى الانتقام من أولئك الذين حرموه ظلماً من مباهج الحياة  ، وأرغموه على قضاء عقد من الزمان  في زنزانة بائسة .

      بالتأكيد ، الرواية تستحق الوقت والجهد المبذول في قراءتها ، .وإنها بالتأكيد واحدة من أهم الأعمال الأدبية التي كُتبت عن السجون الليبية  ،  أنها أقرب إلى قصيدة ملحمية ، أو سجل للأحداث التاريخية في عصر الاسى الماضوي .. ولتحري تفاصيل كل ما حدث ،  ربما يجب عليك أن تقرر بعد قراءة الرواية .. انها رواية تفرض على المرء قراءتها .    يجب ألا يخاف الناس من حكوماتهم .. الحكومات هي من تخاف شعوبها ..  تحت هذا القناع توجد فكرة ... والأفكار مضادة للرصاص ..  أنت ترتدي قناعًا لفترة طويلة ، وتنسى ، الكلمات هي أكثر مصادر السحر التي لا تنضب .. قادرة على إحداث الأذى وعلاجه.

      بعض الأشياء محزنة جدًا لدرجة ، تشعرك أن روحك فقط هي التي يمكنها أن تبكي من أجلك .. ومن لا ظهر له يندب حظه - بتعبير الدعيكي - فقد سقط اسمه من قائمة المختارين لدورة تعليمية في بريطانيا ، بعدما حزم امتعته ، وانتابه احباط وضيع اضطره الى ترك تلك المدرسة هربا من تشفي زملائه به ، ويوم ان جاء منتشيا لاستلام ثمرة انجازاته على طريق تحرير وطن اسير ، فوقع اسيرا ، حتى سيارته الخاصة لم تكن  تؤازره ، وهو يفر من مطارديه ، اصطدت ببواقي النفايات التي سدت احدى الازقة ، ثم توقفت وتحطمت لتحيله هو الاخر الى حطام ، اسير سجن محكوم بالمؤبد . كانت لحظة القبض مترعة بالصفعات وقمع الهراوات ، ومع ذلك ، بينما كانوا يمعنون في ضربه ضربا مبرحا ، ويرددون  " هو ميت ميت " ، تجلى له الحظ عندما اوقف احدهم جلاديه وقال ، وهو يطفئ عقب سيجارة في عنقه ، اتركوه  نريده حيا ، نريد ان نعرف من معه اولا .

    الحظ العاثر يقوده مرة اخرى الى حفلات تعذيب تتكرر ،السبب هذه المرة ، صورة جمعته براعي اغنام افريقي بمنطقة سوف الجين ، كانت صورة عفوية ، عثروا عليها اثناء تفتيش منزل الاسرة ، لكنها اوحت لهم مدي خطورته ، اذ يبدو انه على علاقة بتنظيمات افريقية تجوب الصحراء وتضمر الشر .. فنال اضعاف ما ناله مسبقا من عذابات .

      المكافأة الكبرى في معظم الأحيان تأتي من فعل الأشياء التي تخيفك أكثر .. ربما ستحصل على أكثر مما كنت تتخيله .. من يعرف اين ستأخذك الحياة .. الطريق طويل وفي النهاية كل

خطوة في الرحلة هي وجهة في حد ذاتها ... حزين لأنني ، في أعماقي ، لم أتوقف أبدًا عن حبهم .

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

هرطقات القذافي