‏إظهار الرسائل ذات التسميات رثاء. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رثاء. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 19 يونيو 2026

رثاء المناضل حسن علي يحي معمر

 

يئِس الرحيل من الرحيل وأقبلتْ .. أخـــبـارُ فـقـدٍ أشـعـلـت أحزاننـا

      الاثنين 15 من شهر يونيو   2026م ، رحل المناضل الوطني حسن علي يحي معمر ، عن عمر ناهز ثمانون عاما ، بعد مسيرة حافلة بالعطاء والتضحية ، بعدما ذاق ويلات السجون وعتمة الزنازين طوال ثمانية عشر عاما ، لمجرد انه كان يحلم بدولة المواطنة ، وحق الليبيين في الحرية والكرامة .

 رحل المناضل الفد ، سليل اسرة ارتبط تاريخها بالنضال والتضحية لاعلاء كلمة الحق ، ورفض سياسات القمع والاستبداد ، قال ذات مرة : الحياة قصيرة! وقد تكون الحياة قاسية احيانا .. ألا ينبغي لنا أن كما لو كان آخر يوم في حياتنا ؟

 

     انه نجل شيخ الجبل ،العالم الجليل الشهيد علي يحي معمر، وشقيق شهداء معركة " باب العزيزية " ، خالد علي يحي معمر ، ويحي علي يحي معمر ، ، الذين قدموا أرواحهم في سبيل قضية آمنوا بها ودافعوا عنها بإخلاص وتفانٍ ، ولم يسلم شقيقهم محمد من ملاحقة ضباع القذافي وقد اغتيل في منفاه الاختيار خارج الوطن . وكان قد سجن مع والده بادئ الامر ، وقد اقدم القذافي على هدم منزل الاسرة  بمدينة " نالوت "، واعتقل بقية ابنا الشيخ  (حسن، وفريد، وعبد الله، وعيسى ). وهكذا قدمت هذه العائلة الكريمة ، الغالي والنفيس من اجل ولادة وطن ينعم بالمساواة والحرية والسلام .

     حدث ذلك عقب أحداث 1984م التي كان اشقائه ( خالد ، يحي ) ابطالها ، قبض عليه واودع السجن ، ولم يفرج عنه سوى عام 2002م ، بعدما ذاق مرارة الفقد وعذابات السجن ، ورعب الجلادين .

    عمل والده بالتعليم ، والدعوة، والتأليف ، اسس لبناء مسجد الفتح بطرابلس، وكان منبرا لدروسه ومحاضراته ، لكن ضباع القذافي لم تتركه وشأنه ، فمع اعلان القذافي عن ما يسمى بالثورة الثقافية ، قبض على الشيخ في مايو 1973م ، واعتقل مدة عام في سجن الحصان الاسود ، ، تعرض لابشع انواع التعذيب ، حلق الجلادون لحيته ، واكثر من ذلك ، تم هدم منزله والمسجد الذي اشرف على بنيانه بطرابلس  ،  كتبت زوجته تنعي رحيله : " رحلت جسداً تاركا في القلب لوعه وفي المقل دمعه تروي الروح ظمأ الوجد إليك والتوق إلى لقياك والأنس بك عند رب واسع الجود والعطاء. تمر الأيام ويمر معها طيف ذكريات خالدة ملؤها حلو الزمان ومره  "  .

 


     اطلق سراح حسن ورفاقه ، واجتمع القذافي بهم ، قدم لهم اوراق بيضاء ليكتب كل واحد منهم ما يراه يليق بتعويضه عن سنين الحجز والغياب ، اعاد حسن الورقة كما استلمها ، سأله شقيقه لما فعلت هكدا ، اجابه : اراد ان يجعل لنضالنا ثمن ، دراهم معدودة .. ومع بزرغ فجر فبراير ، كان احد الاعضاء المؤسسين للجمعية الليبية لسجنا الراأى ، وابرز اعمدتها .

   غيابه جرح لن ينذمل .. لقد انطفأ سراج في فضاءات الوطن المعتمة .. من سيسقي شجرة النضال في صحاري أرواحنا .. لقد رحل حسن .. فيا من أطلقت العنان لكلمات النعي والرثاء ،  إجعلها بلسما مطهرا للقلوب المنهكة ، ترفع ظلما ، وتمسح دمعا ، وتدوي فزعا في قلوب الطغاة

، وحروفا تنشر الامن السلام في وطن اضناه وجع السنين .

 رحم الله حسن ورفاق النضال

الجمعية الليبية لسجنا الراي 


 

 

الثلاثاء، 10 مارس 2026

جاسوس بالصدفة .. ليبيا زمن القذافي

   ” جاسوس بالصدفة ” رواية للكاتب د .” جاكلين جورج ” مهندس نفط عاش في ليبيا لمدة سبع سنوات ،  1990 – 1997 ،  في التعريف بروايتة يقول : ”  استخدمت ليبيا كخلفية ، وهو تمثيل جيد جدًا لما كان عليه العيش هناك .. باستثناء التجسس بالطبع .. لا أعتقد أنني قابلت أي جواسيس أجانب من قبل ، لكنني اختلطت بالتأكيد مع مخبرين محليين ” .

  عن الحياة في ليبيا تلك الفترة : ” عندما تكون أجنبيًا ، يمكنك البقاء وتمرير الوقت يومًا بعد يوم في الغالب ، الشيء الذي وجدته أكثر إزعاجًا هو افتقار الدولة للحكومة ، تفشي الاهمال ، يمكنك أن تقود سيارتك في أي مكان ، وان تتوقف عند حاجز طريق ” بوابة ” يديرها مراهقون غير متعلمين يرتدون زحافات ويحملون رشاشات  AK47، سيكون عليك تقديم بطاقة هويتك لذاك الرجل الذي يتفحصها  ولا يمكنه قراءتها ، وإذا أراد أن يسطو على سيارتك ، فسيأخذها ويتركك لتجد طريقك إلى المنزل (حدث هذا لي 3 مرات في 6 سنوات) .

     لا يمكنك شراء الكحول ولكن يبدو أنه سُمح لك ( من يدري ؟ ) بتخمير أو تقطير الكحول الخاص بك .. وسمح للشرطة بالدخول بالقوة إلى منزلك وأخذها لحفلة تخصهم .

     تم اقتحام مكتبنا مرة ، وقضيت الصباح مع وكيلنا المحلي يقدم تقريرًا إلى الشرطة ، اضطررنا الذهاب إلى المتجر لشراء ورقة وقلمًا لتسجيل الحدث ،  طلب للإبلاغ إذا اكتشفنا أي شيء عن السطو ، سألت المصلح عن سبب إزعاجنا للإبلاغ ، قال إنه من الضروري ، وإلا فإن الأشخاص الذين لديهم اتصالات سيفترضون أننا قمنا بالاقتحام بأنفسنا.

   كان حقل النفط يديره أجانب لأن السكان المحليين لا يمكن إزعاجهم .. كان الرجال في الصحراء في مأمن من اعمال السطو  اليومية ، لأنه كان هناك عمل شاق وخطير يتعين القيام به .

    ليبيا بلد تاريخي رائع الجمال ، التقيت ببعض الناس هناك لأكون ودودًا ، لكن الليبيين حشد من الناس  خطير  في الواقع.

    شاحنة توقفت خارج إحدى المصافي الكبيرة .. أثار بعض السكان المحليين غضب الرجل العظيم ، واختفت القرية ، لا أعرف ما حدث للناس ، ولكن أعتقد أن معظمهم انتقلوا إلى مكان آخر .. ما زلت أستيقظ مع أحلام سيئة من وقتي هناك.

   احتفظ القذافي بالسيطرة ، لكنه أمسك بزمام الأمور بغير إحكام ، حتى تم تجاوزه . لم يكن أي من السكان المحليين غبيًا بما يكفي للتحدث ضده .، كانوا جميعًا قد حضروا مراسم الشنق  في الملعب الرياضي المحلي .. كان الحضور إلزاميًا لأطفال المدارس .. والسجون مكتظة بالمعارضين .. حكم قبلي يعتمد دعم الأسر الموالية  .

    على الرغم من جمال المكان وتاريخه ، كان الأمر صعبًا للغاية بالنسبة للأجانب ، وكنت سعيدًا بالمغادرة ،ما زلت أعاني من الكوابيس .

       كان من بين الحشد الجالس على الهامش آباء مسنون يسافرون إلى الخارج لتلقي العلاج الطبي غير المتوفر في ليبيا .. والحكومة تدرك الأهمية الاجتماعية لمثل هذه الرحلات ، وسمحت بتحويل مبالغ كبيرة من الدنانير إلى العملة الصعبة ، كل دينار في السوق السوداء ، قيمته حوالي ثلاثين سنتًا على قارعة الطريق ، أن العديد من المرضى قد استعادوا عافيتهم بأعجوبة بمجرد وصولهم إلى تونس .

  كان العنصر الأخير من الحشد عدد قليل من الأجانب الذين يعودون إلى منازلهم لقضاء فترات الراحة بالتناوب ، عمال حقول النفط في الغالب ، أيادي منصات الحفر من الفلبين وتايلاند ، موظفون من كندا ، متخصصون متنوعون من أوروبا ، كتيبة من الكروات عند المصفاة ، ارتدى الجميع نظرة قلقة قليلا ، تم إرجاع عدد كبير جدًا من الأشخاص من رحلاتهم الميدانية في اللحظة الأخيرة .

  بطاقة الصعود في متناول اليد ، وكان الطابور التالي للهجرة ، كانت ليبيا واحدة من الدول التي تعاني من جنون العظمة ، والتي لا تسمح لأي شخص بالمغادرة بدون تأشيرة خروج ، يبدو أن قسم الهجرة والأمن قد تم تدريبهما من قبل الروس .

  عندما أغلقت الأبواب وعلا هدير المحركات ، شعرت بنوع من الااسترخاء ، كانوا في طريقهم ؛ لقد هربوا أخيرًا ، لقد فشل الأخطبوط البيروقراطي في خنقهم هذه المرة ، كانت الحضارة على بعد رحلة قصيرة فقط ، لقد شاهدت المناظر الطبيعية البنية وهي تنزلق من تحتها ، وسرعان ما تفسح المجال للأزرق الصافي للبحر الأبيض المتوسط ، لقد حققت بالفعل تحولًا ثقافيًا ، سيكون هناك وقت لشرب الجعة وشطيرة قبل جزيرة كريت .

  اللجنة الاعلامية بالجمعية 

الاثنين، 30 يونيو 2025

رحل الاستاذ عيسى زغدود


 

     تنعي الجمعية الليبية لسجناء الرأي أحد أعضائها الكرام ، السجين السياسي السابق ، الأستاذ الفاضل عيسى ساسي امحمد زغدود ، الذي وافاه الأجل عن عمر ناهز السادسة والثمانين عامًا ، بعد حياة حافلة بالبذل والعطاء ، والصبر الطويل على الظلم ، والثبات في ميادين الحق ونصرة الدين.

    إننا إذ نُعزِّي أنفسنا في هذا المصاب الجلل ، نسأل الله أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته ، ويجزيه عن صبره ومواقفه خير الجزاء.

    وُلد الشيخ عيسى زغدود بمدينة نالوت سنة 1939م، وعُرف بإسهاماته في الدعوة ونشر التراث رفقة مشايخ نالوت الكرام ، وعلى رأسهم خاله الشيخ علي يحيى معمر ، الذي لازمه ورافقه في كثير من رحلاته الدعوية والعلمية. وكان الشيخ عيسى من الشخصيات البارزة التي تحفظ لنا سجلًا حيًّا لذكريات ومواقف وأخبار تلك النخبة الصالحة من أهل الجبل.

     وقد تعرّض رحمه الله للاعتقال ضمن مجموعة من العلماء والدعاة في سنة 1984م، وقضى أربع سنوات كاملة خلف الزنازين المغلقة دون أن يُسمح له بالخروج منها ، في واحدة من أقسى صور الانتهاك والمعاناة.

      نسأل الله أن يتقبله في الصالحين ، ويسكنه فسيح جناته ، ويبارك في ذريته ويجعلهم خير خلف لخير سلف.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

الأربعاء، 25 يونيو 2025

الأمل بوطن مزدهر


 


إلى السيد الفاضل المناضل

 صالح شتيوي الدعيكي

     (سجين نظام القدافي لعشرة سنوات قضاها بين معتقلي  الحصان الاسود وأبوسليم وسطر ذكرياتها في كتابه القرية السجن ... )

حاج صالح ( كما أحب أن ادعوه )

لقد قرأت كتابك وفي كل كلمة قرأتها تمثلت لي فيها نظرتك التي تحمل الألم والأمل معاً وشخصك الوقور وشعرت بصدق كل  ما قلت وتقول،

      لقد قرأت كل سطر فيه لأتعلم عظمة أن تنسى آلمك أمام  الإحساس بألم  الآخرين والتسامح  مع من وشى بك ومع السجانين،

     قرأته حتى لا أحرم من معرفة تجارب وعزم الرجال والصبر والثقة في العزيز الرحمن،

وانا اقراء غلبتني الدموع في أكثر من موقف ولعل أبلغها مكالمة الأهل ليلة إطلاق السراح كان موقفا يذيب الحجر .... واحتضانك لشقيقتك في قاعة المحكمة كم تمنيت ان اكون هناك لأتعلم الإحساس، ومع أنها رحلة لم تخلو من الدعابة والابتسامات ولكنها كانت دروس في النخوة ونكران الذات .

    انت كما خبرناك حكيم وبعيد النظر لقد اتيحت لك الفرصة في أن لا تمتثل  للاستدعاءات وطلبات الحضور  وتختفي كما فعل كثيرون ولكنك اخترت في كل مرة أن تواجه مصيرك بشجاعة أكاد أجزم أنك أردت أن تجنب أهلك وأسرتك عواقب ذلك،

جزاك الله كل خير عن كتابة هذه الصفحات حتى تبقى شاهداً على طاغوت حكم هذا البلد اكثر من اربعة عقود وظلم شعبه وضيع مقدراته، وحتى يعرف هذا الجيل ومن بعده أن حرية الفكر وحرية التعبير عند الأحرار وأصحاب الضمير تأتي قبل الخبز بل قبل حتى التفكير فيما قد تجري به المقادير، عوضكم الله خيراً وثبت أجركم وجزاكم خير جزاء عن وطناً قدمتم من أجله التضحيات

مع كل التقدير والاحترام

اخيكم عبدالرحيم الشيباني


الجمعة، 20 يونيو 2025

ذاكرة معتقل


«ذاكرة معتقل» لصالح الغزال: شهادة تاريخية تكشف تجربة الاعتقال في السجون الليبية

     يسرد صالح الغزال في كتابه «ذاكرة معتقل» (منشورات مجموعة الوسط – 2021)، أعوام اعتقاله التي قاربت العقدين من الأعوام (1970 – 1988) في سجون القذافي٬ تجربته الذاتية ويعرضها كشهادة حية للتاريخ٬ خشية من تكرارها٬ وما أصعب من أن نقع في التجربة المأساوية ذاتها مرتين.

 

     يكتب المؤلف في الإهداء: «إلى والدي ووالدتي.. اللذين رحلا عن هذه الدنيا بحسرتهما، وهما يتشوقان إلى رؤيتي..إلى زوجتي وأبنائي واخوتي الذين تجرعوا معي مرارة الفراق..

 

    إلى كل من قاسمنا قهر الاعتقال ووحشة الزنزانة..

 

    أهدي ما استطعت تدوينه من ذاكرة المعتقل»

 

     كتب المؤرخ الليبي سالم الكبتي مقدمة الكتاب وجاءت بعنوان: “طريق نحو الشمس”. يقول فيها: «هذه صفحات ليست عادية.. لقد كتبت بدم القلب، وهي قطعة من تاريخ المعاناة وتجربة سنوات الاعتقال التي حاولت تدمير النفوس لكنها عجزت عجزاً كاملاً عن هزيمة روح الرجال».

 

     ويتابع الكبتي: «مضى السجان إلى ظلام التاريخ، وبقيت التجربة ماثلة في الضوء والنور، وظل صاحب التجربة والمعاناة شاهداً يروي بأمانة وينقل الصور والظلال والألوان لكي تبقى واضحة تحت توهج الشمس ولا تزول من تفاصيل التاريخ».

     وتنتهي المقدمة بفكرة إن ذاكرة المعتقل موازية تماما لذاكرة وطن بكامله٬ وستبقى قطعة ثمينة من تاريخه على الدوام.

       في مقدمته يكتب الغزال: «طلب مني العديد من الأصدقاء والأقارب ضرورة تدوين ما علق بذاكرتي من أحداث عشتها وعايشتها خلال فترة اعتقالي التي امتدت لثماني عشرة سنة بسجون القذافي، والتي كانت أشبه بكابوس مفزع مخيف، ولا أخفي عنكم ترددي في البداية للتصدي لهذه المهمة، ولم أجد في نفسي القدرة والجرأة على الكتابة التي لم يسبق لي أن مارستها أو فكرت فيها، ونزولاً عند رغبة هؤلاء الأحبة، قلت في نفسي، وما الضير في ذلك، فأنا لا أود الكتابة في عمل فني إبداعي يتطلب أدوات لا املكها وأخشى الخوض فيها، ولكني فقط سأتناول استرجاع بعض الأحداث الحقيقية، التي تمت معي أو مع غيري خلال فترة زمنية محددة، وبواسطة أطراف معروفة ومحددة».

       ويضيف المؤلف: «أذكر إني عثرت على كتاب بعد صدور الحكم لكاتب سوري، لا يحضرني اسمه، بعنوان (حصاد السجن) شدني العنوان فقرأته بنهم، إلا أني فوجئت بعد الفراغ منه، أن تجربته العظيمة تلك، التي عاني فيها ما عانى، وقاسى فيها ما قاسى، كانت لمدة شهر واحد، إبان عهد الانتداب الفرنسي، فكان من ضمن ما شجعني على خوض هذه التجربة، فإذا كان هذا الرجل لم يتردد في الكتابة عن تجربته التي لم تتعد الشهر، فكيف أتردد في الكتابة عن تجربة طالت مدة ثماني عشرة سنة  كاملة».

          يبدأ المؤلف في الفصل الأول من الكتاب في سرد الأحداث بطريقة “الفلاش باك” أي أن المفتتح يبدأ من اليوم التالي لعودته إلى البيت بعد ما يقارب عشرين سنة من الاعتقال. ثم يعود بنا بالذاكرة إلى يوم الاثنين٬ الأول من سبتمبر من عام 1969 وهو اليوم الذي وقع فيه الانقلاب على النظام الملكي في ليبيا، موصلاً سيره في مسار الحياة عبر سنوات الطفولة وإعلان الاستقلال والدراسة في بلدة الأبيار والانتقال إلى بنغازي، ثم الانقلابات العسكرية.

        الفصل الثاني جاء بعنوان: “مفاجأة غير متوقعة” يستعرض فيه عن التنظيمات داخل الجيش الملكي ليلة وقوع الانقلاب، أولى المحاولات الانقلابية ضد القذافي، ثم تشكيل الحكومة برئاسة القذافي لتكشف بعدها القضية وتبدأ الاعتقالات، والتحقيقات المرافقة لها والزنزانة الانفرادية، والمثول أمام المحكمة، لتشن السلطة تالياً حملة اعتقالات جديدة، ثم يعرج على الخروج من زنزانة الحبس الانفرادي.

      في الفصل الثالث يتابع المؤلف سرد تفاصيل أخرى منها، صدور الأحكام، النقل للسجن المدني في مدينة بنغازي، العودة إلى سجن طرابلس العسكري، وانطباعات وروايات عن شخصيات عديدة داخل وخارج السجن، محاولة انقلابية أخرى على نظام القذافي عرفت بمحاولة “ضباط 1975” أحوال سجن الحصان الأسود، والهجوم على باب العزيزية.

        يعدد الغزال في الفصل الرابع من الكتاب تنفيذ حكم الإعدام بقادة الانقلاب على نظام القذافي “آدم الحواز وعمر الواحدي” والنقل إلى سجن أبو سليم، ابن أخي بجواري بالمعتقل، المعاملة بالسجن، الرضيع المعتقل، قضية اغتيال أحمد مصباح، تفشي الأمراض ووفاة البعض.

        يروي المؤلف في هذا الفصل عن اعتقال طفل رضيع: “ضحى ذات يوم من شهر السابع من عام 1986، وبينما كنا بالغرفة الثامنة بالقسم السادس بسجن بوسليم، المطلة على ساحة القسم الرابع، وإذا بنا نسمع صوت بكاء طفل رضيع، ويمكنك تصور وقع هذا الصوت على نفوسنا، والذي نكاد نكون قد نسيناه فلم يشنف آذاننا منذ زمن طويل. كانت الكوة المطلة على الساحة عالية لدرجة لا يمكن الوصول إليها لمعرفة مصدر الصوت، أوقفنا أحد الأسرة وصعد أحدنا يصل بالكاد إلى تلك الكوة، ويا لهول ما أخبرنا به، كانت هناك سيدة مرضعة تجلس بالساحة تحت نافذة الغرفة التي نقطنها، يظهر أنها معتقلة لأمر ما وبحجرها طفلها الرضيع. صاح صاحبنا: “يا جماعة، رأيت أصغر سجين سياسي على وجه الكرة الأرضية”. تأثرنا كثيراً لهذا المشهد الذي لم نتعود رؤيته في ليبيا من قبل، ولم نعد نرى تلك السيدة أو نسمع عنها شيئا ولكن هذه الحادثة ظلت محفورة في الذاكرة.

      في الفصل الخامس يتناول المؤلف عملية الإفراج عنه ومغادرة السجن، والظروف التي مر بها بعد زيارته مدينته لأول مرة، ثم الاستدعاء مجدداً للأمن الخارجي٬ وسفره للعمرة.

    خاتمة الكتاب كانت تحت عنوان: “لن تخرس التاريخ” كتب المؤلف: “سبق أن ذكرت أنني كنت من بين من عارضوا القذافي منذ ساعاته الأولى وكانت معارضتي لنمط الحكم الذي أعلن عنه، والطريق الذي سلكه للوصول للسلطة، وليس لشخصه الذي لم يتضح بعد لاختفائه خلف إدعاء الفضيلة والبساطة والورع والتقوى، وما أن تمكن حتى كشر عن أنيابه وأسفر عن وجهه الحقيقي ورغبته الجامحة في التسلط واختزال الوطن في شخصه فبدا عهده بتعطيل الدستور والقوانين وحل كافة المؤسسات التشريعية والرقابية ليطلق ليده العنان في اتخاذ ما يراه من إجراءات ظالمة تعسفية، تأميم الشركات والممتلكات الخاصة، ومصادرة الحريات وإغلاق الصحف وتكميم الأفواه”.

     ويختتم الكتاب بخلاصة ما تعرض له المعتقلون خلال تلك الفترة، والتركيز على الأهم دون المهم، مشدداً على إنه كفى ووفى ولم يترك شاردة ولا واردة ألا وذكرها وتطرق إليها.

يضم الكتاب أيضاً ملحق صور يحوي بعض الصور الشخصية للمؤلف وعائلته، وكذلك صور وقصاصات صحف ليبية تحمل عناوين وصور المتهمين في قضايا المؤامرات٬ وتتطرق للتحقيقات والمحاكمات والنطق بالحكم في تلك القضايا.

     لم يكن المؤلف بعيداً عما حدث، لم يكن مجرد متفرج صامت، كان في قلب الحدث وجزء رئيسياً من معاناة صعبة استمرت سنوات ثقيلة بطيئة، في تجربة تجعل المتلقي يتعاطف معه بشكل كبير، بعد أن سردها بطريقة جعلت من الكتاب وثيقة دامغة لسنوات داخل السجون الليبية لأصحاب رأي، ولآخرين حاولوا تغيير النظام بنفس الطريقة التي قفز بها للسلطة.

    هنا يبرز سؤال ملح، وهو: هل كان ضرورياً ممارسة كل هذا العنف والتعذيب لأشخاص عزل، ليس في قدرتهم فعل شيء وهم في داخل معتقل عالي الأسوار؟

     مع نهاية قراءة هذا الكتاب – الوثيقة، الذي يدوّن فيه المعتقل السابق في سجون القذافي٬ صالح الغزال مذكراته، نكتشف الواقع الأليم، والحياة داخل المعتقل القريبة من الموت. يمضي القارئ متتبعاً الأحداث من دون أن يغيب عن ذهنه بأن ما يقرأ ليس خيالاً٬ بل هو واقع مأساوي ليس في السجون والمعتقلات الليبية فحسب٬ بل في جميع السجون العربية.

 

عبدالسلام الزغيبي: كاتب ليبي

رابط  تحميل الكتاب

 

 

الأربعاء، 18 يونيو 2025

صورة السجان في السيرة الليبية

 


 

    ازاحة الستار عن حقبة زمنية من تاريخ الوطن ، وكشف واقع القمع للسلطات الحاكمة وانعدام الافق ، وإزاحة الحجب عن واقع سجوننا الليبية ، ودراسة التشوه الذي اصاب شريحة من البشر ، سقطوا في مستنقع الجريمة السياسية والأخلاقية ، وانعدام الضمير لديهم ، وقد جردتهم المؤسسة من ادميتهم وتركتهم اشبه بالوحوش الضارية ، مستخدمين التعذيب وسيلة ، والكرباج اداة .

   في مقارنة ما بين زمنين ، يستشهد بعبارة تنم عن سخرية مرة من كتاب " هوامش على دفتر الايام " ، للسجين ابراهيم الهنقاري الذي سجن ابان العهد الملكي ، ومرة اخرى بالعهد الجماهيري ، تقول العبارة " " كان اعتقالي في عهد الملك باعتباري ثوريا ، وفي عهد سبتمبر باعتباري رجعيا " .

   يشير الى تدفق شلال القهر المكبوت مع انبلاج فجر فبراير 2011 ، اذ انطلقت الحناجر والاقلام ، ترصد وتكتب ما ظل مسكوتا عنه من عذابات والام ، واختراقات امنية ، وتجاوزات انسانية ، وانتهاكات للحقوق ، فغصت المكتبات بالتجارب توثق ما حدث طيلة اثنين واربعين عاما من العسف .. وثقوا تجاربهم لكي لا تستمر المأساة ، ولكي لا تعود الدكتاتورية ، كانت اقلامهم موجهة الى الاجيال القادمة ، لأخذ العبرة والعظة . الاجيال الشابة التي لم تعش اللحظة ، ولم تعرف الشيء الكثير عن تلك المرحلة ، وعن نضالات الاجيال السابقة ، وما عانوه وقاسوه من ويلات .

  يستعرض ابرز الكتابات العربية في ادب السجون ، ( شرق المتوسط - عبدالرحمان منيف ) ، ( تلك الرائحة -  صنع الله ابراهيم ) ، ( العسكري الاسود - يوسف ادريس ) ، ( الكرنك - نجيب محفوظ ) ، ( وراء القضبان - احمد حسين ) ، ( العين ذات الجفن الواحدة - شريف حتاتة ) ، ( القطار - صلاح حافظ ) ، ( الحقد الاسود - شاكر خصباك ) ، ( السجن - نبيل سليمان ) ، ( القوقعة - مصطفى خليفة ) ، ( القلعة الخامسة - فاضل العزاوي ) ، ( الوشم - عبدالرحمان مجيد الربيعي ) ، ( المستنقعات الضوئية - فهد اسماعيل ) ، ( الكراديب - تركي الحمد ) ، ( السجينة - مليكة افقير ) ، ( تزمامرت - احمد المرزوقي ) ـ ( تلك العتمة الباهرة - الطاهر بن جلون ) ، ( درب مولاي الشريف جواد مديدش ) ، ( رسائل السجن - عبداللطيف اللعبي ) .

 

     يستعرض صورة السجان موضوع الكتاب ، في كتابات سجناء ليبيين ، ابرزها : ( كانك معي - صالح القصبي ) ، ( القرية السجن - صالح الدعيكي ) ، ( ذكراة معتقل - صالح الغزال ) ، ( قساوة القيد وصلابة الروح - عبدالعظيم قباصة ) ، ( صدع في الجدار - ابراهيم الزليتني ) ، ( طريق جهنم - علي العكرمي ) ، ( بين الالم والامل - عمر مختار الوافي ) ، ( في معتقلات القذافي - طاهر الدويني ) ، ( وراء جدار السنين - محمد المفتي ) ، ( في السجن والغربة - جمعة اعتيقه )  ، ( سجنيات - عمر بلقاسم الككلي ) ، ( غابة القضبان الحية - احمد الفيتوري ) .. الخ .

   يرصد الكتاب تنقلات السجناء الليبيين بين السجون والزنازين ، وانواع التعذيب والتنكيل والترهيب ، ومشاعر السجناء خلال تلك الرحلة المقيتة خلف القضبان ، في غياب المحاكمات ، وحيث لا مكان للقانون ، انما ما تقره ادارة السجن ، وما يصدر عن السلطة السياسية  من اوامر اليها .

   الكتاب رسالة لنيل دجة الماجستير ، ولعلها اول دراسة تتناول التجربة السجنية الليبية طوال عهود معاقبة ، العهد الاستعماري الفاشي ،  العهد الملكي ، العهد الجماهيري ... يتتبع ليس فقط صورة السجان بل وايضا علاقة السجان بالسجين ، واصناف السجانين من خلال تعاملهم مع السجناء .

قصة من رعب الطغاة

    زمان كنت بمعرض دمشق الدولي للكتاب ايام الهارب بشار.جلست صحبة اصدقاء من الكتاب والناشرين السوريين بمقهى بأرض المعرض قبيل الغروب قالت ناشر...