محمد البرغتي .. احد عرابي العصر الهمجي ، وابقونة مكتب الاتصال باللجان الثورية ، وصاحب القلم الدافق اخضرارا ، وقد نال منصب سفير ليبيا بالاردن ولا زال ، مدى الحياة على مايبدو ، في محاولة لجلد الذات ، يعيد نشر مقالات سابقة عن احد سجناء الراي ، عندما كان في مهمة احتوائه بعد محنته ، لكنه لم يأتي على ذكر ما انتهى اليه الدكتور المفتي اليوم ، انه طريح الفراش فيما تعج الاردن بالمرتادين لاغراض العلاج مجانا من ذوى المعارف والتوصيات ، فما جدوى هذا الرثاء للاحياء ، كتب يقول .
الدكتور محمد المفتي ،
الطبيب المثقف والسجين السياسي ،
- الدكتور محمد محمد المفتي ، شخصيةٌ من بلادي ، شخصيةٌ جديرة بالاحترام والتقدير ، ولد الدكتور المفتي فى مدينة درنة سنة 1943 ، أوفد فترة العهد الملكي لدراسة الطب فى بريطانيا ، درس فى كلية الطب بجامعة ليدز ، وتخرج منها سنة 1968 ، تخصص فى مجال الجراحة العامة ، وعمل عقب تخرجه مستشاراً للجراحة .
- تميز الدكتور المفتي باهتماماته الثقافية والسياسية المبكرة ، لم تقف دراسة الطب عائقاً امام متابعته للشأن العام ، ورغم وجوده فى بلاد الغربة إلا أن الوطن كان حاضراً معه بكل تفاصيله ، كان طبيباً ومثقفاً حالماً بوطن ينشده ، عاد شاباً وطنياً مُتحمساً للعمل والعطاء ، كان ذلك فى فترة شهدت فيها ليبيا تغييراً سياسيا كبيراً ، حيث أنتهى النظام الملكي ليحل محله نظام جمهوري ، فى ظل حالة من المد الثوري أجتاحت المنطقة العربية .
- عمل الدكتور المفتي طبيباً فى مدينة البيضاء بالجبل الأخضر ، لم يمضى وقتٌ طويل ، حتى غدا الدكتور أسماً له حضوره فى مجاله التخصصي ، واحترامه على الصعيد الاجتماعي ، فتح الرجل حوارات وطرح تساؤلات واتسعت دائرة تواصله الاجتماعي ، بل كان جريئاً فى طرح تساؤلاته الوطنيةالشجاعة عندما أتيحت له فرصة اللقاء بالقيادة الجديدة ، هذا الأمر بعث الشكوك ، بل وضعه فى دائرة التصنيفات السياسية المعادية ، ليُتابع أمنياً ، ويُتهم سياسياً وليُلقى عليه القبض ، ويُودع السجن لسنوات طويلة .
- لقد تم الإفراج عن الدكتور المفتي فى منتصف الثمانينات وعن ذلك يقول : " فى منتصف الثمانينات عشتُ ميلاداً جديداً ، فقد خرجتٌ من ( الهيلتون ) كنتُ كالعائد من أزمنة سحيقة إلى بنغازي ، شئ شبيه بعودة أهل الكهف ، الذين وجدوا الناس والحياة والعملة قد تغيرت فى مدينتهم ، كانت بنغازي تبدو غريبة بسبب موجة التأميمات وإغلاق الدكاكين والمقاهي ، كان الناس يتعاملون مع الجمعيات التى رغم الطوابير ، كانت توزع السلع التموينية بسعر أسمي بالمجان تقريباً ، لاحظتُ أن المدينة قد أتسعت وأحياء جديدة قد ظهرت ، بفضل برنامج التطوير العمراني ، وأن نسبة عالية من النساء تقود السيارات . كان المناخ والزمن خارج دائرة الواقع ، كان شيئاً شبيهاً بمخاضات العولمة اليوم ، تجدد هنا وارتباك هناك "
- يتابع الدكتور المفتى وصفه للمناخ العام فى تلك الفترة قائلاً : " كان هناك أيضاً جو من الخوف والتوجس والحيرة ، مشاعر أنضبت النفوس من كل رأي أو مبادرة ، لكن عدم الإكتراث كان السلوك الغالب ، ليس فقط بسبب شرود الأذهان ، وإنما لأنه لم يكن للمرء فى يومه سوى المداومة صباحاً فى الشركات العامة الجديدة ، مع المفارقة أن صاحب الدكان أمسى موظفاً ، وفى المساء يعودون لمشاهدة ( محطة تلفزيونية ) واحدة ".
- الدكتور المفتي العائد من سنوات العزلة ، يحاول أن يرصد سلوك الناس ، بعد غياب طويل عنهم ، يقول : " لاحظتُ بعض الناس يتعاملون معي بكيفتين ، بعضهم يعاملني بفضول كما لو كنتُ قادماً من المريخ ، خاصة وأنني كنت ألبس رباطات العنق ، دون قصد ، فقط وجدتها مخزنة فى الدولاب من أيام عملي كطبيب فى بريطانيا قبل عقد ، بعض من يعرفني للأسف عاملني بتحاشي وابتعاد من باب الإيحاء بأن لا علاقة تربطنا ، لم أكترث بدوري ، لأنني كنتُ مشغولاً بإلتقاط ما تبقى لدي من حيوية ، كالسمكة التى عادت الى البحر ، مشغولة بتحريك زعانفها والتأكد من أنها لم تنس السباحة فى الماء ، وكان هناك آخرون ممن امتلكوا تماسكاً وسخاءاً فى العواطف ."
- حاول الدكتور المفتي عقب خروجه من السجن ، أن يستأنف حياته الطبيعية ، رغم معرفته بصعوبة ذلك ، ولكن ليس أمامه من خيار ؛ إلا أن يحاول ، عليه أن يبدأ بتحديد أولوياته ، وعن ذلك يقول : " فى تلك الفترة ، بصحتي المُنهكة وجسدي النحيل بعد أن تراجع وزني الى 55 كيلو جرام ، سيطرت على ذهني أولويات قليلة : أن أرى أولادي الذين أمسوا على الضفة الآخرى من العالم واقد كنت دون جواز سفر ، وأن أستأنف ممارسة الطب والثالثة قناعة تنامت لدي فى سجن الكويفية ، منذ أواخر السبعينيات ألا وهى ضرورة توطين العلم فى ثقافتنا العربية كمخرج وحيد من حالة الضعف والتخلف التى نعيشها " .
- لقد عرفتُ الدكتور محمد المفتي عقب خروجه من السجن مباشرة ، كنتُ أسمع عنه ، اللقاء الأول هو أساسٌ لأي علاقة أنسانية ، كان اللقاء ودياً ، الاحساس الذى سرى لدى الطرفين ، أن ثم علاقة قديمة تربطنا ، وكأننا نستكمل حديثاً قد بدأناه منذ زمن ، تعددت اللقاءات وطالت الحوارات ، أتفقنا وأختلفنا ، وبقي الاحترام بيننا قائماً ، وعن بداية تلك العلاقة يتحدث صديقي الدكتور المفتي قائلاً : " فى لجة هذه التقاطعات الغريبة ، تعرفتُ على محمد حسن البرغثي رئيس تحرير مجلة الثقافة العربية ، شاباً واسع الاطلاع متسامحاً مُتقبلاً لإختلاف وجهات النظر ، يلفتُ انتباهك بميله للحديث بالفصحى ، وهى مقدرةٌ نادرة عندنا نحن الليبيين ، وحتى أئمة المساجد منا ، محمد أيضاً لمن لا يعرفه ، سريع البديهة ، ويمتلك موهبة على إبتكار صياغات دقيقة ، وإستحضار مفردات مُكثفة ومعبرة ، شخصيةٌ جذابة مهما أختلفت معه " .
- فى تلك الظروف الاستثنائية التى كانت تمر بها بلادنا ، كان اللقاء والتواصل مع سجين سياسي سابق ، أمرٌ ينبغي أن يُحسب بعناية ، وقد أثار الدكتور المفتي هذا الأمر معي ، وكان ذلك من باب الحرص عليّ ، وقد كانت المفاجأة حين دعوته لزيارة المجلة بل ودعوته للنشر فى المجلة ، بل تعدى الأمر الى دعوته لإلقاء محاضرة ضمن برنامج المحاضرات الاسبوعي الذى تنظمه مجلة الثقافة العربية ، وعن ذلك يقول : " ان تعرفي عل محمد حسن كرئيس لتحرير مجلة الثقافة العربية ، شجعني على إستكمال ما كنتُ أطمح الى كتابته ، وكانت المجلة قد نشرت ليّ فى سنة 1976 دراسة بعنوان ( العلم والتقنية ومستقبل الوطن العربي ) حين كان رئيس تحريرها الأستاذ محمد على الشويهدي ، الصديق زميل الدراسة الابتدائية ، والمفارقة أن المقالة نٌشرت بينما كنتُ قابعاً فى الكويفية " .
- لقد أتسعت صفحات مجلة الثقافة العربية لنشر كتابات الدكتور المفتي ، كما أتسعت لكتابات عدد من المثقفين الآخرين الذين خرجوا من السجن ، ولقد أثرى الدكتور المفتي مكتبتنا بالعديد من الاصدارات ، والتى ركز جُلها على رصد وتحليل تاريخنا الاجتماعي ، حيث صدر له : هدرزة فى بنغازي : هوية المكان ، غمق زلة ، هدرزة فى السوق ، الأيام الطرابلسية ، سهاري درنة التاريخ الاجتماعي للمدينة ، هذا الوطن الذى يسكننا : روافد الهوية الوطنية ، كما صدر له : توطين العلم أولاً ، توطين العلم والتقنية الطموح والمعوقات .
- ليس بالإمكان فى هذا السرد المختصر أن تتم الإحاطة بكتابات صديقي المفتي ، ولا بالجلسات والحوارات الطويلة التي جمعتنا . أعتزُ كثيراً بالصداقة التى ربطتني بالدكتور ، والتى عبر عنها قائلا : " وتتواصل صداقتي مع الدكتور محمد حسن البرغثي ، الذى يعمل الآن سفيراً لدى الأردن ، وقد نلتقي فى الشارع بعد بضعة أشهر ، فنتوقف وسرعان ما نتجاوز السلامات ، لندخل مباشرة إلى دائرة الثقافة ، مثل طلبة يقارنون إجاباتهم " ، يبقى الدكتور المفتي بالنسبة ليً ذلك الانسان المثقف الداعي الى الاصلاح والتعايش والتسامح ، له مني كل التقدير والاحترام .









