27 نوفمبر 2024 .. رحل كاجيجي ابن مدينة هون العريقة مساء اليوم ... رحل الإنسان الوطن .. رحل وفي قلبه غصه.. عن احلام تبعثرت خلف زنازين السجون .. وثلاثون عاما خلف القضبان .. يا لوقع المأساة .. كم هي قاسية .. حد العظم .. رحمك الله .. ستذكرك الاجيال ذات يوم .. ستروي قصص صبركم وجلدكم .. وروايات اخرى لرفاق الدرب .. سجناء الرأي.. رهان المخاطرة باللمز والكلام زمن الصمت المطبق .. رحمك الله ايها الجبل .
رحل .. ووطن يسكنه .. وحرقة في القلب كلما عادت به الذكرى .. لزمن التغييب .. زمن القحط .. واحلام وئدت وراء زنازين الجلاد.. كنت تتألم وما كان لنا ان نسعفك .. ولا أن نتحسس صدى صرخات مضنية .. صرخات الالم المقيت.. رحمك الله ايها المناضل الرمز .. شكرا ايها الوطن .
رحل سجين الرأي المهندس " علي محمد احمد كاجيجي " .. رفيق المحنة الطويلة ، زمن الزنازين والأصفاد والأحقاد ، وقد طال الأمد ، ثلاثون عاما .خلف القضبان ، كم هي صعبة الهضم ، وفي يوم رحيله ، كتب احد رفاق القضبان ، عميد سجناء الراي ، الاستاذ علي العكرمي ، رثاء يبكي حرقة الفقد والفراق. ، رثاء رفاق النضال زمن الاسى الماضوي ، قال فيه :
هذا هو المهندس " علي محمد احمد كاجيجي " الذي عرفت . ونحن نودع رفيق دربنا إلى مثواه الأخير عصر هذا اليوم الأربعاء ، ليلتحق بكوكبة من رفاقه الشهداء ، " محمد مهذب حفاف " حسن أحمد كردي " " عبدالله بالقاسم المسلاتي " " صالح علي النوال " " عبدالله محمد حمودة " " عبدالرحمن بيوض " ماجد القدسي " " خليفة الكميشي " " فتح الله العريبي " وغيرهم من شهداء ليبيا ، أجد لزاما علي تقديم نبذة عنه ، لتعرف أجيالنا الصاعدة حجم التضحيات التي بذلت , والأرواح التي ازهقت , والدماء التي اريقت في مواجهة الإستبداد طيلة سنوات الجمر الأربعين التي مرت بالبلاد .
فهو لا ازكيه على الله ، يتجاوزنا بمراحل رفعة وصلاحا ، وهو من أنبل وأصدق وأشجع من عرفت . عاش طيلة حياته السجنية التي امتدت لثلاثة عقود ، صادعا بالحق ، تعرف صولاته مجالس التحقيق المرعبة ، وقاعات المحاكم ، وكان لا يخشى في الله لومة لائم .
كان طيلة محبسه صابرا محتسبا ، لا يشتكي ولا يتشكى ، رغم ما كان يعانيه من مرض الربو المزمن ، وهو يعيش لعقود في زنزانة مقرورة بائسة ، ينعدم فيها الهواء صيفا ، وتصل فيها درجة الحرارة للأربعين ، حتى يبلغ المرء ، المعافى فيها ، حد الإختناق . وكنا نضطر عندما تنتابه نوبات ضيق التنفس ، لنقع بعض الملاحف بالماء ، ثم نفردها وننفضها بقوة وسط الزنزانه بالقرب منه علها تصله منها بعض نسمات الهواء .. ومن النوادر المضحكات المبكيات ، أننا كنا عند الضرورة القصوى ، نطرق باب الزنزانة ونطلب من الحرس إسعافه ونقله إلى المستشفى . فيسألنا الحرس عن المريض : " هل هو الألماني "أحمد كوبسل " السجين الذي كان يقتسم معنا نفس الزنزانة ويشكو من نفس المرض ؟ فإذا قلنا له إنه " الكاجيجي " فيكون جوابه ، غدا ، إن شاء الله يموت . أما إذا قلنا له بأن المريض هو الألماني ، فإنه يهرع إلى الإدارة ويبلغها ، ويتم نقله فورا إلى المستشفى لأنه في زعمهم وراءه دولة .
لقد تردد اسمه كثيرا ، و ذكرت العديد من مواقفه الشجاعة في رواية " طريق جهنم " . ولطالما مازحته قائلا : " أنت شفيعنا في الآخرة " فيتقبل مني هذه الدعابة خافضا رأسه باستحياء .
اتمنى ان تتاح الفرصة يوما ما للكتابة عن سيرته العطرة ، وعن تضحياته الجمة ، ومواقفه الجليلة في مواجهة الطغيان ، ويكفي أنه زميل دراسة للشهيد بإذن الله " محمد مهذب حفاف " ورفيق دربه في أقبية السجون . لقد عاش في الظل ، ولكن الله يعرفه ، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء .
كان من نعم الله علي أن شرفني بأداء فريضة الحج معه في نفس العام . ولن انسى الوعكة الصحية الشديدة التي ألمت به في يوم عرفة ، حتى كاد أن يفقد الوعي . ولكن من بركات الله عليه في ذلك اليوم ، يوم الحج الأكبر ، أن تماسك ، واستعاد أنفاسه ، وادى المناسك كاملة غير منقوصة .
أسأل الله العظيم ، رب العرش العظيم ، أن يستجيب لدعاء الآلاف من احبابه ، وان يتقبله بقبول حسن ، وان يلحقه بالأنبياء والصالحين من عباده ، وأن يلهم أهله وذويه جميل الصبر والسلوان ، وأن يبارك في زوجه وذريته ، وإنا الله وإنا إليه راجعون .


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق