الاستاذ عمر النامي ، استاذ جامعي احد رجال ليبيا الافذاد ، من مدينة نالوت ، تعرض للاعتقال ثم اطلق سراحه ، فاعتزل بالجبل وكل اهتمامه حفنة صغيرة من الماعز ، تفرغ لرعيها ، وعيش الكفاف ، بعدما ترك الوطيفة ، لكن ابتعاده لم يغفر له ، خصوصا بعدما داع صيت قصيدته ( يكفي اباك ) ، فاعتقل مرة اخرى ، تعرض للتنكيل ، وكانت الاعتقال الاخير ، فقد تم تغيبه ، ولا خبر عن النهايات ، ولا اين دفن .واشيع انه قضى حتفه تحت التعذيب . كل ما هناك ، انه عام 1981م انقطعت اخباره عن اهله واصدقائه ، وغاب في الابدية خلف القضبان . تقول القصيدة :
يكفي أباك لكي يعيش مكرما
عجفاء ثاغية وتيس اجرب
ونعيش في قنن الجبال تظلنا
ويحيطنا بالحفظ قفر سبسب
جيراننا وحش الفلاة فلا يرى
فيها سوى سبع يسيح وثعلب
وهناك لا نخشى سوى ذئب الفضا
يعدو على تلك الشياه فينهب
والوحش وحش لا يلام لبطشه
هو في طبيعته يغير ويغضب
فلقد نعيش هناك عيشة هانئ
ولقد يسالمنا الشجاع المرعب
عمرو النامي.. من النخب الوطنية الليبية في فترة الستينات والسبعينات , فهو كاتب وشاعر وصاحب فكر وثقافة واسعة. قضى زهرة عمره مضطهدا , منفيا أو مسجونا جراء آراءه وكتاباته .
إعتقل في سنة 1973م , ثم أعتقل مرة أخرى في سنة 1981م فبقي في السجن حتى قضى نحبه تحت التعذيب.
أغلب قصائده تتناول محنة السجن وما تحمله من آلام جسدية ونفسية , يقول في قصيدة " القيد والقدر" :
قد ضقت بالأحلام والفكر .. وشجيت من هم ومن كدر
لو تعلمون شجون قصتنا .. كبلتم الألحان بالوتر
تلك الحياة دروبها عبر .. ولقد نضيق لقسوة العبر
لا تسألوا عني وعن خبر .. فستفصح الأيام عن خبر
إني ألفت القيد أحمله .. في كل منطلق بلا ضجر
فالقيد في أوطاننا قدر .. عشنا نكابده على العصر
من حطم القيد القديم رمى .. قيداً جديدا غير منكسر
أو هدم الجدران شيدها .. لنعيش رهن القيد والجدر
يا من يذيب القلب من كمد .. يقتات من ألم ومن سهر
دع عنك حزن القلب فهو ردي .. والحزن لا ينجيك من خطر
وانهج سبيلك غير مكترث .. واهجر خطى المتردد الحذر
ظلمات حزنك إن طغت حقباً .. فستنجلي في لمحة البصر
وفي قصيدة "خواطر سجين" نجد الأمل في الخلاص والإنعتاق يحذوه بقوة أكبر ، يقول :
سيزهر روض الحياة العشيب
وتسعد بالزهر فوق الكثيب
وتسطع شمس الرضى في رياض
اضر بها ليل كيد عصيب
وينفرج السجن بعد انغلاق
وينزاح ظل الضلال المريب
هنالك خلف الجدار الكئيب
تباشير فجر منير قريب
وانفاس صبح وضيئ السمات
وانسام روح رخي الهبوب
نالت قصائد الدكتور النامي مبلغا من الإنتشار ، وخاصة قصيدته " أماه لا تجزعي " ألتي تعتبر من أشهر قصائده حيث جعل من خطابه لأمه متنفسا له عن همومه وآلامه وأحزانه ، يقول:
أماه لا تجــزعي فالحافظ الله .. إنا سلكنا طــريقا قد خبــــرناه
في موكب من دعاة الحق نتبعهم .. على طـــريق الهــدى إنا وجدناه
على حفافيه يا أماه مــرقـدنا .. ومن جماجـــمنا ترســو زواياه
ومن دماء الشهيد الحـر يسفحها .. على ضفافيه نسقـــي ما غرسناه
أماه لا تجزعي بل وابسمي فرحا .. فحــزن قلبك ضعف لست أرضاه
إنا شمخنا على الطاغوت في شمم ..نحن الرجــال وهم يا أم أشــباه
نذيقهم من سياط الصــبر محنتهم .. فلم يروا للـذي يرجــون معــناه
أماه لا تشعــريهم أنهم غـلبوا .. أمـــاه لا تسمعـيهم منــك أواه
أرضعتني بلبان العــز في صغر .. لا شيء من سطـوة الطاغوت أخشاه
أماه رؤياك في القــلب مسطرة .. ونبـــع حــبك أحـيا في ثنايـاه
ومـر طيفك يــا أماه يؤنسنـي إنــي وإن صفـت القضبان ألقـاه
أماه هذا طـريق الحـق فابتهجي .. بمســلم بــاع للرحمــن دنيـاه
هزأت بالأرض والشيطان يعرضها .. فــي زيفها ببــريق الذل خـلاه
عشقت موكب رسـل الله فانطلقت .. روحي تحــوم فـي آفــاق رؤياه
لا راحـة دون التحليق بساحـتهم .. ولا هـناء لقـلبـي دون مـغــناه
عشقت ركب الهدى والنور يغمره .. عشــقت حسنا عليه الوحـي أضفاه
أماه باعـيت ربي واعتصمت بـه .. فــلا يســوؤك كأس إن شـربناه
لا تجزعي لفتى إن مـات محتسبا .. فالمـوت فــي الله أسمـى ما تمناه
أماه لا تجـــزعي فالحافظ الله .. وهــو الوكــيل لنا بالغــيب أماه
ما كنت أعرف درب الخير لولاه..
رحم الله الدكتور الشهيد عمرو النامي .. كان رمزا للنضال ضد الظلم والقهر والإستبداد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق