ازاحة الستار عن حقبة زمنية من تاريخ الوطن ، وكشف واقع القمع للسلطات الحاكمة وانعدام الافق ، وإزاحة الحجب عن واقع سجوننا الليبية ، ودراسة التشوه الذي اصاب شريحة من البشر ، سقطوا في مستنقع الجريمة السياسية والأخلاقية ، وانعدام الضمير لديهم ، وقد جردتهم المؤسسة من ادميتهم وتركتهم اشبه بالوحوش الضارية ، مستخدمين التعذيب وسيلة ، والكرباج اداة .
في مقارنة ما بين زمنين ، يستشهد بعبارة تنم عن سخرية مرة من كتاب " هوامش على دفتر الايام " ، للسجين ابراهيم الهنقاري الذي سجن ابان العهد الملكي ، ومرة اخرى بالعهد الجماهيري ، تقول العبارة " " كان اعتقالي في عهد الملك باعتباري ثوريا ، وفي عهد سبتمبر باعتباري رجعيا " .
يشير الى تدفق شلال القهر المكبوت مع انبلاج فجر فبراير 2011 ، اذ انطلقت الحناجر والاقلام ، ترصد وتكتب ما ظل مسكوتا عنه من عذابات والام ، واختراقات امنية ، وتجاوزات انسانية ، وانتهاكات للحقوق ، فغصت المكتبات بالتجارب توثق ما حدث طيلة اثنين واربعين عاما من العسف .. وثقوا تجاربهم لكي لا تستمر المأساة ، ولكي لا تعود الدكتاتورية ، كانت اقلامهم موجهة الى الاجيال القادمة ، لأخذ العبرة والعظة . الاجيال الشابة التي لم تعش اللحظة ، ولم تعرف الشيء الكثير عن تلك المرحلة ، وعن نضالات الاجيال السابقة ، وما عانوه وقاسوه من ويلات .
يستعرض ابرز الكتابات العربية في ادب السجون ، ( شرق المتوسط - عبدالرحمان منيف ) ، ( تلك الرائحة - صنع الله ابراهيم ) ، ( العسكري الاسود - يوسف ادريس ) ، ( الكرنك - نجيب محفوظ ) ، ( وراء القضبان - احمد حسين ) ، ( العين ذات الجفن الواحدة - شريف حتاتة ) ، ( القطار - صلاح حافظ ) ، ( الحقد الاسود - شاكر خصباك ) ، ( السجن - نبيل سليمان ) ، ( القوقعة - مصطفى خليفة ) ، ( القلعة الخامسة - فاضل العزاوي ) ، ( الوشم - عبدالرحمان مجيد الربيعي ) ، ( المستنقعات الضوئية - فهد اسماعيل ) ، ( الكراديب - تركي الحمد ) ، ( السجينة - مليكة افقير ) ، ( تزمامرت - احمد المرزوقي ) ـ ( تلك العتمة الباهرة - الطاهر بن جلون ) ، ( درب مولاي الشريف جواد مديدش ) ، ( رسائل السجن - عبداللطيف اللعبي ) .
يستعرض صورة السجان موضوع الكتاب ، في كتابات سجناء ليبيين ، ابرزها : ( كانك معي - صالح القصبي ) ، ( القرية السجن - صالح الدعيكي ) ، ( ذكراة معتقل - صالح الغزال ) ، ( قساوة القيد وصلابة الروح - عبدالعظيم قباصة ) ، ( صدع في الجدار - ابراهيم الزليتني ) ، ( طريق جهنم - علي العكرمي ) ، ( بين الالم والامل - عمر مختار الوافي ) ، ( في معتقلات القذافي - طاهر الدويني ) ، ( وراء جدار السنين - محمد المفتي ) ، ( في السجن والغربة - جمعة اعتيقه ) ، ( سجنيات - عمر بلقاسم الككلي ) ، ( غابة القضبان الحية - احمد الفيتوري ) .. الخ .
يرصد الكتاب تنقلات السجناء الليبيين بين السجون والزنازين ، وانواع التعذيب والتنكيل والترهيب ، ومشاعر السجناء خلال تلك الرحلة المقيتة خلف القضبان ، في غياب المحاكمات ، وحيث لا مكان للقانون ، انما ما تقره ادارة السجن ، وما يصدر عن السلطة السياسية من اوامر اليها .
الكتاب رسالة لنيل دجة الماجستير ، ولعلها اول دراسة تتناول التجربة السجنية الليبية طوال عهود معاقبة ، العهد الاستعماري الفاشي ، العهد الملكي ، العهد الجماهيري ... يتتبع ليس فقط صورة السجان بل وايضا علاقة السجان بالسجين ، واصناف السجانين من خلال تعاملهم مع السجناء .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق