كلمة رئيس مجلس الادارة بالجمعية الليبية لسجناء الراي
مقالات النشطاء بالمناسبة
ليست مذبحة واحدة.. بل ست مذابح
عندما تُذكر #مذبحة_سجن_بوسليم .. يتبادر إلى الذهن أنها جريمة واحدة وقعت في يوم واحد.. لكنها في الحقيقة لم تكن مذبحة واحدة.. بل ست مذابح متعاقبة.. لكل واحدة ضحاياها وطريقتها.. وكأن الهدف لم يكن قتل السجناء فحسب بل والحقيقة.
بدأت المذبحة الأولى بالمرضى والجرحى.. أناس لا يقوون على الدفاع عن أنفسهم.. أُجلسوا مكبلي الأيدي.. معصوبي الأعين.. ثم أُطلقت النار على رؤوسهم من مسافة الصفر.. كانوا أضعف من في السجن.. فكانوا أول من قُتل.
ثم جاءت المذبحة الثانية.. حين انتقل القتل إلى بقية السجناء بعد انتهاء المفاوضات.. فلم تعد هناك مواجهة.. ولا تمرد.. وإنما تصفية جماعية لمن بقي حيًا وفي هذه قتل العدد الأكبر من السجناء وهي الأشهر عند الناس.
أما المذبحة الثالثة.. فكانت لمن نجا من الثانية.. جرى تفقد الجثث.. ومن ظهرت فيه بقية حياة أُجهز عليه.. حتى لا يبقى شاهد.
ثم جاءت المذبحة الرابعة.. جرحى بداية الأحداث لم يُسعفوا.. ولم يُعالجوا.. ولم يُتركوا حتى يموتوا متأثرين بجراحهم.. بل أُعدموا عمدًا بطلقات في الرأس.
أما الخامسة.. فهي من أبشع صور التوحش.. ستة سجناء نجوا مؤقتًا واختبأوا.. ثم قُبض عليهم.. ولم يُقتلوا بالرصاص بل صبراً.. طُرحوا أرضًا وسُحقت رؤوسهم بحجارة إسمنتية (برادورة).
وأما المذبحة السادسة.. فكانت بحق سجناء لم يشاركوا أصلًا في الأحداث.. جيء بعدد منهم من مجموعة المائة.. ومن بينهم #أحمد_الثلثي.. فصُفّوا وقُتلوا.. لا لذنب اقترفوه في ذلك اليوم.. وإنما لتصفية حسابات قديمة.
ثم بدأ فصل آخر من الجريمة.. إخفاء الأدلة.. دُفنت الجثث في مقابر جماعية بعد سكب مادة «أتشدو» الكيماوية عليها لإذابتها.. ثم نُبشت القبور لاحقًا خوفًا من افتضاح الأمر أمام لجان حقوق الإنسان.. فاستُخرج ما تبقى من العظام.. وأُحرق.. ثم نُثرت البقايا في أعماق البحر.. في محاولة لمحو كل أثر للجريمة.. وكأن المطلوب لم يكن قتل الضحايا فقط.. بل قتل الحقيقة معهم.
لهذا فإن اختزال أبو سليم في كلمة “مذبحة” لا ينقل حجم الفاجعة.. لم تكن ساعة واحدة.. ولا طريقة قتل واحدة.. بل ست مذابح متتابعة.. تدرجت من قتل المرضى.. إلى قتل الأصحاء.. إلى قتل الجرحى.. إلى قتل الناجين.. إلى قتل من لا علاقة لهم بالأحداث.. ثم انتهت بمحاولة قتل الحقيقة نفسها.
ولهذا ستبقى أبو سليم أكثر من مجرد ملف جنائي.. ستبقى شاهدًا على أن الجريمة لا تبلغ ذروتها عندما يُقتل الإنسان.. وإنما عندما يُراد محو أثره.. ودفن الحقيقة معه.
رحم الله شهداء أبو سليم.. وجبر الله قلوب ذويهم.. وأظهر الحق في هذه الجريمة.. وأقام العدل فيها.. فإن الدماء قد تُوارى في التراب.. لكنها لا تغيب عن عدالة السماء في الدنيا والآخرة.
#المستشار.
**********
أبو سليم.. عندما ابتلع المتهمون الضحايا
في الجرائم الكبرى ينصرف اهتمام الناس عادة إلى الجناة.. من أمر؟ ومن نفذ؟ ومن حرّض؟ ومن يستحق الإدانة؟ ثم تنتقل القضية إلى ساحات المحاكم.. فتغدو دفوع المتهمين.. وأحكام القضاء.. والطعون.. والنقض.. هي محور الحديث.
وهذا طبيعي.. فالعدالة لا تقوم إلا بمحاسبة المسؤولين.
لكن في مذبحة سجن أبو سليم انشغلنا سنوات بالمتهمين.. حتى كاد الضحايا يغيبون عن المشهد.
انشغلنا بمن أطلق النار.. ومن أصدر الأمر.. ومن شارك.. ومن أُدين.. ومن بُرئ.. ونسينا أن وراء كل اسم في قوائم الضحايا أمًّا تنتظر الحقيقة.. وزوجةً تبحث عن يقين.. وأبناءً يريدون أن يعرفوا كيف قُتل آباؤهم.. وأين انتهت أجسادهم.. ومن الذي باشر قتلهم.
قد يصدر حكم بالإدانة أو بالبراءة.. وقد يؤيد أو يُنقض.. لكن هناك حقًّا لا تمنحه الأحكام وحدها.. ولا ينبغي أن يبقى رهينًا بها.. إنه حق الحقيقة.
فالحقيقة ليست ترفًا إعلاميًا.. ولا نبشًا للماضي.. بل هي أول حقوق الضحية.. وأول طريق العدالة.. وأول خطوة نحو مصالحة حقيقية.
إن الجريمة لا تنتهي عند إطلاق الرصاص.. بل تستمر كل يوم يُحرم فيه أهل الضحايا من معرفة الحقيقة.
ولعل الوقت قد حان لإعادة ترتيب الأولويات.. فلا يكون المتهم هو محور القضية.. بينما يتحول الضحية إلى هامش فيها.
فالعدالة تبحث عن الجاني.. أما الضحية وأسرته.. ففي كثير من الأحيان.. يبحثون عن شيء قد يكون عندهم أهم من العقوبة نفسها.. إنهم يبحثون عن حقيقة ما جرى لأبنائهم.
Abdulrazag Aradi .. عبدالرزاق العرادي



















































