الثلاثاء، 22 أبريل 2025

تلك العتمة الباهرة

 

 


 

    ( شرق المتوسط )  للروائي   عبد الرحمن منيف .. رواية تنتمي إلى أدب السجون عبر فيها عبد الرحمن منيف عن وضع سياسي محتقن تعيشه شعوب العالم العربي ويقع ضحيته شباب الوطن المتحمسين للحرية. وهي تواصل رحلة عبد الرحمن منيف في سجون العالم العربي بعد رواية شرق المتوسط التي نشرها من قبل 15 سنة وكأنه يقول أن مرور الزمن في هذا المكان من العالم ليس له تأثير على العلاقة بين السلطة والمواطنين. وكما في شرق المتوسط فالمكان والزمان غير محددين بل انهما مموهان حيث يخترع منيف دولتين (عمورية وموران) هما صورتان لواقع تعيشه شعوب الوطن العالم العربي عامة

اقتباسات من الرواية

“أدركت أن تبديد وجع لا يتم إلا بتخيل وجع أشد ضرواة منه وأشد هولاًء

لكن هذا لا ينفي كون الرواية رائعة بالفعل، خاصة انها اتسمت بالأسلوب الإبداعي، لم تكن توثيقاً للأحداث فقط !

      في العتمة الباهرة ينمو العذاب ليضحي عذابات وجراحات وانكسارات إنسان متقوقع في غياهب الظلم والظلمات من جرّاء انعتاقات فكر، وانسحابات آراء، وأنهار كلمات... تداعيات وأحداث تتموضع في ذهن الكاتب لتدعه في استرسالات روائية تخبر عن أحداث واقعية مستلهمة من شهادة أحد معتقلي سجن "تزمامارت" .

      صمتُ الدم الذي يجري متباطئًا .. . لفرط ما لَطمتُ رأسي تورم ، لكنه صار اخف لأنه أُفرغ من ذكرياتٍ كثيرة .. إن الإنسان مذهل، لديه من الإرادة ما لا يُحسب له حساب .. آه من رائحة القهوة الصباحية والخبز المحمص، آه من وثر الشراشف الدافئة و شعر امرأة ترتدي ثيابها،

آه من صياح الاولاد في ملعب المدرسة، و رقصة الدواري في كبد سماء صافية، ذات عصر !

            كم هي أشياء الحياة بسيطة وكم هي مرعبة حين لا تعود هنا، دونها المستحيل الى الابد ! . ‏"قال لي إني أتألم من الداخل. أعاني حَصراً يُثقل على قلبي وصدري. أقرأ الكتاب العزيز أبتهل إلى الله ورسوله ثمَّ أجدني عند نقطة البدايه وحيداً متروكاً ألتفُّ حول نفسي وأكاد أموت شرقاً بسيولٍ من الكلمات أشعر بألم في أحشائي إني أحدثك اليوم عن الأمر لأني لا أرى مخرجاً سوف أموت قبل أن ألمح الشمسَ والنور مجدداً" . وسوف يبقى ذلك اليوم تاريخيا في حياتي : ففيما كنت أستلقي على كرسي طبيب الأسنان المتحرك ، أبصرت شخصا ما فوقي . من كان ذلك الغريب الذي يحدق بي ؟؟ كنت أرى وجها معلقا بالسقف. يكشر حين أكشر ، يقطب حين أقطب. كان يهزأ بي . . إذ أقلعت الاطمئنان الى الصور التي تزيف الواقع، فالضعف يكمن في أن تأخذ المشاعر على أنها الواقع؛ في أن تصبح متواطئا مع كذبة تنطلق من ذاتك لترتد الى ذاتك ، فتحسب أنك ، بذلك ، خطوت خطوة للأمام . لكي أتجرَّع ما أمكنَ من الضوء؛ لكي أتنشَّق الضياء وأختزنه في داخلي، وأحفظه ملاذًا لي فأتذكره كلَّمت أطبقَتِ العتمةُ ثقيلةً فوق جفنيّ. ‏"أبعد عني الحقد .. تلك النزعة المدمّرة، ذلك السم الذي يدمّر القلب والكبد. أعطني القدرة على أن أنسى، أن أستنكر، أن أرفض الرد على الحقد بالحقد.".. . '' كنت أردد ذكر الله بأسمائه الكثيرة فأغادر الزنزانة ولا أشعر بقدمي تدوسان الأرض . أنأى عن كل شيء حتى لا أرى من جسدي إلا غشاءه الشفيف . أكون عارياً ، لا ما أستره ، ولا ما أظهره . ومن كنف تلك العتمات يتبدى لي الحق بنوره الساطع . لا أكون شيئاً . حبة حنطة في مطحنة هائلة تدور على مهل ، وتسحقنا واحداً تلو الآخر . فتعاودني سورة النور وأسمعني مردداً{... ظلمات بعضها فوق بعض إذا اخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نور فما له من نور }.. " كيف لنا ألّا نحقد برغم كل ما نكابده ؟! كيف لنا أن نكون أكبر و أنبل من أولئك الجلّادين البلاوجوه ؟ و كيف لنا أن نتخطى مشاعر الثأر تلك و مشاعر التدمير ؟ "  .. ولكن ما جدوى العقل، هنا حيث دُفِنّا، اقصد حيث وورينا تحت الأرض وترك لنا ثقبٌ لكفاف تنفسنا، لكي نحيا من الوقت، من الليالي، ما يكفي للتكفير عن ذنبنا، وجُعِل الموت في بطئه الرشيق موتاً متمادياً في تأنيه، مستنفداً كل وقت البشر، البشر الذين ما عدنا منهم، وأولئك الذين ما زالوا يحرسوننا، وأولاء الذين حللنا في نسيانهم التام  .. "الإيمان ليس هو الخوف. الانتحار ليس حلا. المحنة تحد. المقاومة واجب وليست فرضا. والحفاظ على الكرامة هو الشرط المطلق" .. هذه العتمة تلائمني: إذ أرى أفضل في داخلي، وأبصر وأوضح في تشوش ما أنا فيه. ما عدت من هذا العالم، وإن كنتُ ما زلت أطأ بقدمي المتجمدتين أرضية الإسمنت الرطبة هذه. .. كان الموت محوِّمًا في الأرجاء. كان هناك. ولكن ينبغي ألّا نعرف لا من أين سيضرب ضربته، ولا كيف، ولا بأي سلاح. ينبغي أن نبقى تحت رحمة ما لا نراه. ذاك هو العذاب، وفذكلة الانتقام. .  " لكن إذا تمكن الجنود من محو آثار المعتقل ، فإنهم أبدا لن يتمكنوا من محو ما كابدناه من ذاكرتنا ، آه ذاكرتى صديقتى كنزي شغفى يجب أن تصمدي إياك و الوهن أعلم التعب وعاديات الزمان آه ، ذاكرتى يا طفلتى التى ستحمل هذه الكلمات إلى ما وراء الحياة ، ما وراء المرئي إذا إهدموا اكذبوا موهوا و ارقصوا فوق رماد الرجال ، سوف تصابون بالدوار وبعد ذالك لن يكون سوى العدم "  .

 

رابط تحميل الرواية 

الاديب التونسي حاتم الجباهي كتبفي قراؤة لرواية :

 

   كتاب  من المغرب أجمل من أهداف أشرف حكيمي ومراوغات سفيان بوفال .. هو عبارة عن شهادة السجين عزيز بنين استعارها منه الكاتب المغربي الطاهر بن جلّون وأخرجها بصنعة وأدبية متقنة ..  كتاب ينجح في أن يجبرك على القراءة بلهفة وانتظار ما سيؤول إليه مصير الأفئدة المعذّبة السجينة  وتتساءل عن حقيقة ماحدث في معتقل تازممارت السرّي عقب فشل محاولة انقلاب قصر الصخيرات عام واحد وسبعين ..رواية ممتعة رغم  أنّ تصنيف الكتب ضمن " أدب السجون " يجعلها تباشر التأثير السلبي على نفسيتك قبل بداية القراءة .. تتهيّأ وتتأهبّ للمرور بأشدّ أنواع الفظاعة التي تتفنن الأنظمة في ابتكار ألوانها وأهوالها  للتنكيل بالبشر .. ثم بعد تلك البداية المبكّرة تجد نفسك مع بدايات أخرى وتساؤلات لابد من الإجابة عليها في مراحل عديدة متوغّلا في بقية الفصول .. لا ليس العنوان ..لأنّ التلاعب بتضاد العتمة والابهار يستحق ان تحمله معك ليرافق قراءتك مثل ضوء كاشف سينير فهمك في فترات لاحقة  وستجد له تفسيرات متعددة ..بوّبت التساؤلات إلى خمسة لتكون مثل جروح المسيح الخمس التي يتوّهم النصارى ويتعلقون بفكرة  أنّها جروح تكفّر عن الخطايا .. لست آمل أن تشفي تساؤلاتي حيرة ولا استفهاما ولا دهشة ..هي فقط مفاصل اجترحتُها لتناول هذا الكتاب الذي كتب بجوارح حساسة للألم والجروح ووجبت له قراءة تشريحية تليق به .. التساؤل الأوّل تاريخي ..عن حقيقة  انقلاب الصخيرات وهل أنّ الانقلابيين كانوا بالفعل أبرياء غُرّر بهم ..وصلوا من ثكنة "  اهرمومو"  إلى تشريفات القصر بأسلحتهم ونارهم وذخائرهم  دون معرفة مسبقة بنوايا قادتهم " أعبابو والمذبوح "  .. يشير الراوي كلّ مرة إلى تلك الأحداث ويؤكّد براءته وحسن نواياه وأنّه وصل في شاحنات العسكر بقصد مناورة ما ثم محاولة انقاذ للملك .. لكنّه ينزلق أحيانا إلى ذكر بعض أمانيه  في مقتل والده الجليس الذليل المتذيّل والمهرّج الأوّل للحسن الثاني ..لا يكشف الكثير من شهادات ونوايا المساجين بهذا الخصوص ولا يبدي رأيه صراحة في عسكرة الأوطان لكنّه يفشي بعض التلميحات الفضفاضة عن فظاعة حكم العسكر وينتقد التجارب التي عرفها الوطن العربي في تلك العقود ..يصف المحاكمات الصوريّة بكل شجاعة ويفضح الكثير من الجرائم التي ارتكبها النظام الملكي .. التساؤل الثاني فكريّ يطرح مع بن جلّون من خلاله ويستدعي الفكر الوجودي لالبار كامي وسارتر .. تحدّث كثيرا عن عبثية الحياة وأطال شرح فقرات كاملة من رواية الغريب من خلال حوارات السجناء ..في الحقيقة ربّما قرر أن يدحض كلّ تلك الأطروحات بجعل الراوي يتقلّد ويعتنق التصوّف والروحانيات التي تنجح بالفعل في أن تكون جسر خلاصه وتجاوزه لنفق مظلم دام عقدين من الزمن .. أطنب وأجزل وأحسن إخراج صورة الزاهد المتعبّد الذي اقتنع بزوال وفناء العالم الدنيوي القذر .. تساؤلات بن جلون الفكرية تجاوزت الحسّي إلى الروحي والنفسي فعمل على دراسة أمثلة كثيرة من التحاليل السيكولوجية للمساجين من خلال كوابيسهم وردود أفعالهم وتعاملهم مع محيطهم .. تقبّل بعض و انتحار بعض اخر ..جنون كثيرين وتقلّب أخلاقهم وسلوكياتهم.. ..تراوح كلّ ذلك بين العقل والجنون ..بين الصبر والانهيار .. بين الخير والشر ..بين القبح والجمال  .. أخرج لنا بن جلون بانوراما ثرية وباقة متنوعة بتصوير كل تلك التفاعلات البشرية .. التساؤل الثالث فنّي لغوي ..تساؤل عن كتابة هذه الرواية واستعارة تجربة " عزيز بنيين " الذي كان ملازما سجينا ناجيا من المعتقل الجحيمي تازمامارت بعد قضاء عقدين من حياته في ظلام متواصل .. لم ير النور إلا عند دفن الموتى من المساجين .. التساؤل الفنّي عن الكتابة بالوكالة .. كيف يمكن للطاهر بن جلّون أن يبدع وينقل كل تلك الأحداث والمشاعر والأفكار التي اختلجت عقلا غير عقله وروحا غير روحه .. العمل يشبه ما نسميه بلهجتنا " ياتاج " يعني أن السجين الناجي كلّف كاتبا بنقش وتدوين تجربته الخاصة بالفرنسية ونشرها واتفقا أن يكون العائد المادي والفكري لهما بالتساوي .. ترجمة الكتاب  إلى العربية ممتازة وأمينة ولغتها الفصحى دقيقة ومتقنة جدّا .. تجربة تازمامارت حدثت لعزيز بنين ..كتبها بن جلون وترجمها بسّام حجّار وهو ما يزيد في أهميّة التساؤل الفنّي اللغوي لأنّه ليس من السهل الوثوق في نسخة ثالثة لنفس الأحداث إلا ان تكون عملا عظيما وجدّيا  فعلا ..قرأت أن السجين أعاد كتابة تجربته بنفسه لكنّ ذلك لم ينجح في أن يكون عملا أدبيا متكاملا مثل " العتمة الباهرة " .. أبهرنا بن جلون بصنعته وتمكنّه من بناء حبكة مشوقة للكتاب .. راوح فصوله بين تأملات وذكريات وجعل أقوى الفصول تلك التي يخصّصها لقصص انهيار المساجين وموتهم وتساقطهم .. جعلها فصولا تتخلل نصوصه المشوقة فكأنّه يرمي بورقة جديدة كلّ مرة إلى الموقد لتتأجج النار ويبقى تدفّق الرواية وتوزيع مفاجآتها بهندسة متكاملة طوال المائتي صفحة .. جعل القارئ يتخيّل كل شخصية ويتمكن من تمثّلها وتشبيهها ومقارنتها بغيرها والتعاطف معها وتذكّرها بالاسم والرقم والتسلسل والتأثير في نفسية الراوي .. أجبرنا بن جلون أن نسمع القصص ونقتسم الأحلام ونفرش لها بسطا من خيالنا علّها تتحقق ..لم أذرف دمعا مع القراءة لكنّ الكثير كان يستحق النواح وكثير استحقّ الإشادة والتهليل والإكبار  أيضا .. التساؤل الرابع ثقافي مجتمعي فالكتاب يحدّث عن الشعب المغربي وعن كثير من أسراره التي لا يعرفها الناس في مشارق الوطن العربي أو لا يعطونها أذنا سامعة منتبهة مثل الانتماء والهوية المركّبة ..مجتمع عربي أمازيغي .. مجتمع يتكلّم لهجات كثيرة .. مجتمع تنخره هينات  وتزينه مآثر .. يتطرّق بن جلون مثلا إلى التماسك الأسري ودور الأمّهات الجبّار ووفاء العائلات والقبائل لمنتسبيها  ويذكر أيضا  صفحات قاتمة كأمثلة من وصفات الشعوذة والسحر وكيف تنخر تلك الممارسات وترهب البسطاء والمتعلمّين في نفس الوقت .. التساؤل الأخير سياسي لا يغفل عنه أحد وهو طبعا الملكية وقداستها التي تحكم المغرب باسم الانتماء إلى العائلة النبوية الشريفة .. الحقيقة انّ هذا الكتاب قال أكثر مما يمكن أن تهديه قراءة واحدة ..حقيقة هذا الكتاب أنّه ليس كبقية ما قرأت من أدب السّجون .. ربّما لأنّني كنت في فترة التسعينيات من متابعي قضية تازمامارت وكيف تفجّرت في الصحف العالمية .. ربّما ذلك تساؤل إضافي وهو عن حقيقة تدويل القضايا المحلّية هل هو خير أم شر أريد بالناس.. يعودني القول هنا والمقارنة مع لعبة كرة القدم في المغرب الأقصى فهي أيضا مرهونة بأقدام الأوروبيين والمحترفين ولا أمل يرجى أن يتحقق  للمغرب  دون أهداف حكيمي وزيّاش ..

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

هرطقات القذافي