الأربعاء، 23 أبريل 2025

" على قرن الكركدن "

 


      رواية للكاتبة الايطالية والباحثة بمجال الانتربولوجيا " فرنشيسكا بيلينو " ، تروي قصة لقاء جمعها صدفة على متن القطار مع فتاة تونسية " مريم " ، التي تجيد الايطالية بعد اقامة سبع سنوات في الغربة بحثا عن فرصة للعيس لم تجدها في احضان بلادها ، تتطور العلاقة الى صداقة حميمة ، فرضت عليها مرافقتها اثناء العودة لزيارة الاهل بمسقط رأسها مدينة " القيروان " بتونس ، بعد طول امد .

الراوية تنقل لنا صور متعدد للحياة اليومية اثناء تنقلاتها بين تونس العاصمة والقيروان ، تصف مشاهدات لرحلتها الاولى تلك ، ورحلتها الاخيرة بعدما قررت " مريم " العودة للبلاد ، وانقطع الوصل او كاد ، لينقل لها شقيق مريم نبأ وفاة صديقتها ، ما اضطرها للسفر على عجل الى تونس ، ومن مطار العاصمة الى القيروان ، وحواديث سائق التاكسي ، ومختنقات الطرق ، وتظاهرات تندد بنظام الحكم ، فقد تزامن موت " مريم " مع انبلاج الانتفاضة التونسية ضد حكم " بن علي " .

      عيون مشدوهة تخفي اسرار مبهمة ، تائهة في الفراغ المطلق ، تحدق بالمارة من على ناصية مقهى عتيق ، ترتشف فناجين قهوة بائسة ، وغبار يكتم الانفاس ويكاد يحجب الرؤية ، يعانق سحب دخان السجائر ، وأجساد هزيلة مكتئبة صعبة المراس ، متعطشة لالتهام شيء ماء ، اموات احياء يحاصرهم صمت رهيب ، وإحباط وضيع ، تستغيث بحثا عن كوة تنفس عن مكنونات مضمرة اثقلت الصدور كمدا ، شلل الفراغ ارهق المسير ، هناك شيء ما ، " انا متأكدة انني قرأت شيء عنه ، ان يلهت شعب الى حد تفجير ثورة ، لا يكفي ان يكون مقموعا ، مجوعا ومستغلا من طرف السلطة ، ولكن ، من الضروري ان يكون واعيا بظروفه ، وغير قابل لتحملها اكثر ، وان يرى في القمع والحرمان والاستغلال اشياء غير طبيعية وغير مقبولة ، وبشعة ، وبالتالي يجب رفضها ".

       لا زلت لم اتمم القراءة ، وأظن انني سأعود لصياغة شيء ما اكثر تفصيلا ، ومن باب التشويق ودعوة لقراءة الرواية استوقفتني قصة اعجبت " مريم " اثناء مطالعتها كتب الأدب الايطالي ، ذكرتها بـ " الكركدن " ، ورمزية الاسم لدى اهل تونس ، تقول : " يحكى ان " كركدن " عوضا عن الانهماك في اكل العشب ، ظل يراقب غزالة بعجب شديد وهي تحضن صغارها وتقضي الساعات الطوال مختبئة وراء اجمة ، ما اضطرها لتفسير ذلك له قائلة " اخاف ان تجدنا الاسود فتلتهمنا " ، فاستنكر الكركدن ذلك قائلا : " كيف لا اصدق ؟ ، حيوان جميل وقوي مثلك ، بقرنين مستقيمين وحادين ، يخاف من اسود حقيرة ! ، سيعتقد الجميع بأنك جبانة ، يجب ان تلقني درسا لتلك الشرذمة من البراغيث . ولسوف اساعدك على ذلك " ، وهكذا اتجه الكركدن نحو السنوريات ، وما ان رأها حتى صاح غاضبا : " ايتها الهررة المقيتة والمتسلطة ! انكم وصمة عار على الحيوانات ! تتسلطون على الضعفاء . تعالوا هنا ان كانت لديكم الشجاعة ! " . نظرت اليه الاسود باستغراب دون ان تقول شيئا ، ثم انتقلت بعيدا . فعاد الكركدن راضيا عن نفسه الى الغزالة ، وقال لها : " هل رأيت ؟ لم يكن الامر بالصعب ، لا يجب ان نتركهم يدوسوننا بأقدامهم : يجب ان نرفع اصواتنا ، وان تكون قوية وواضحة في الدفاع عن حقوق آكلي العشب " . فتشجعت الغزالة ، وانتصبت صارخة في وجه الاسود : " اتركونا وشأننا ، ايها المتعجرفون ! " . إلا ان الاسود بدلا من التراجع هجموا عليها ، وبضربتين من قوائمهم ، قتلوا صغار الغزالة ، وبينما كانت الاسود يستمتعون بالوليمة ، مر بهم الكركدن ، فرفع زعيم السنوريات خيشومه الملطخ بالدم ، وسأله : " ماذا دهاك قبل قليل بأن تهيننا بتلك الصفة ؟ انت تعرف انه ليست لدينا نية في مشاجرتك . انت لا تهمنا " . فأجاب الكركدن : " لم افعل ذلك من اجلكم ، كنت اريد ان يبقى العشب كله تحت تصرفي " .

     وفي حواديث الطريق تسأل سائق التاكسي عن الاخبار بالمذياع ، يجيب نقاش حول قرطاج يندد بفعلة " الكركدن " ، لقد اقدم على تشييد اقامته على سفح الموقع الاثري . انه الرئيس السابق " بن علي " . ولماذا يلقبونه بالكركدن ؟ " بسبب انفه ، وكذلك للحديث عنه دون التفوه باسمه " ، وتسأله ثانية لماذا ؟ لانه غادر تونس ، ويمكن التحدث عنه بحرية !قبل الان كان الاعلام خاضعا للرقابة " .

     ومرة اخرى عن هروب جماعي من سجن المهدية ، وشب حريق في سجن المنستير .. " لابد انهم رجال حزب بن علي هم الذين انشبوا الحرائق في السجون لاطلاق السجناء وبث الهلع والدعر في المدن حتى لا يخرج الناس للتظاهر في الشوارع ، انها عملية ابتزاز : اما الامن واما الحرية " .. لكن لا تقلقي ، انهم سجناء سياسيون ، ليسوا مجرمين ، لا يقتلون العباد ، سينهبون فقط .. .

عابد

 

 الاستاذة سارة سليم من الجزار في قراءتها للرواية . تكتب :

     لطالما شكلت الثورات مادةً خصبةً ومهمة للأعمال الروائية العالمية منذ ظهور هذا الفن الأدبي قبل أكثر من قرنين. لذا، نرى أن الثورات العالمية مثل الثورة الفرنسية والثورة الأميركية والثورة الروسية عام 1917 وكذلك ثورات أميركا اللاتينية ، ثيمة اجتذبت وما زالت الكثير من الروائيين. فهي بالنسبة إليهم ليست تحوّلاً في شكل نظام الحكم السياسي، بل تغيّر كامل في الواقع الاجتماعي والتاريخي والإنساني. لا يختلف هذا الأمر بالنسبة إلى الروائيين العرب. فقد شكلت الثورات كالثورة المصرية والجزائرية والثورة العربية الكبرى ثيمةً قيّمة لعدد كبير من الأعمال الروائية. جسّدها على سبيل المثال لا الحصر الأديب نجيب محفوظ في «ثلاثية القاهرة».

      ونال الربيع العربي هو الآخر حصة جيدة من الأعمال العربية الروائية آخرها رواية «على قرن الكركدن» للكاتبة الإيطالية فرانشيسكا بيلينو. ولكن ما يميز هذه الرواية التي تناولت انتفاضة تونس أنها إيطالية، ما شجعنا كثيراً على قراءة العمل الذي ترجمته أخيراً «منشورات المتوسط» (2020). السؤال الأساسي الذي يتبادر إلى الذهن: إلى أي مدى يمكن أن يوفّق الآخر في التعبير عنّا من الداخل؟

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

هرطقات القذافي