" سجنيات " .. للاديب عمر الككلي .. خطرات قلب اضناه الالم ، تنهش بأظافر كليمه ذكريات تسع سنوات خلف القضبان ، تمزق احشاء الزنازين والجدران ، تستدعى اسماء رفاق الدرب ، ادباء وكتاب ليبيين ، تجرعوا سقم المأساة ذاتها .. يطلق العقال لزوابع من الاحاسيس تتفجر ينابيع من المشاعر الدفينة في ركام الذاكرة . " خفقان اجنحة في القفص ، .. حبكة القهر في لعبة غير ممتعة تفرضها الجدران المحيطة بالجميع ، وذلك الزمن المجتزأ من الحياة " ، كما يصفها صديقه ، الاديب سالم العوكلي .
بأسلوب ادبي راقي ، مفعم بعبق السخرية البادخة ، التورية ، الاستعارة ، الكناية ، ينصرف الككلي بادواته المتعددة المتنوعة في رسم الكلمات ، ينحت لوحات مجتزاة من حركة الاحياء الاموات ، السجان والسجين ، الجلاد والضحية .. والوطن .. ليبيا.
التهكم سلاح اخر ، ينال مقت الجلاد وقسوته حد المدح ، " يمارس التعذيب بضمير تكنوقراطي !. إذ يقوم بوظيفته دون ان يوجه الى الضحية .. أي نوع من الايذاء المعنوي ، انما ينكب على عمله في عناية وإخلاص وصمت ، الى ان تلين المادة وتستوي ، وتصير جاهزة لأن تستلمها جهة اخرى " . ثمة فرق بين جلاد وأخر ، او لكأن عقدة "ستوكهولم " اصابت بعض الضحايا مع طول الامد والعشرة ، فأشفق على حال الجلاد وبؤسه .
الروائح النتنة الكريهة ، اكتظاظ المكان ، وتوالي الرواد ، في سؤال السجين الجرئ " لماذا اخذت كمية الطعام التي تمنحونها لنا تتناقص ..؟ رد العريف .. بهدوء ، وهو يضرب الغارف مكفيا على الصحن : كثرت امة محمد ! .
ينال منه العجب لحال صديقه وهو يكتم صراخه عندما يأتي دوره في وجبات الفلقة والإذلال ، حارما اياهم من التشفي به ، وعندما صاح به السجان ان يتوقف ، وقد همس مغمغما " قد تقف الاسود للهررة " . ويوم تلاوة الحكم ( غير القضائي ) : حكمت المحكمة بالسجن المؤبد .. تعالت خفقات قلبه بتسارع شديد ، حتى كاد ان يهتف بأعلى صوته ( يحيا العدل ) .
تعتصره المساحة الضيقة ، فيتفحص الجدران الكالحة الواجمة ، بحثا عن اثار من سبقوه . يقتفي في كتاباتهم ، سجل المكان الآسن .. والوطن الاسير .
وفي حلقة نقاش تعالت اصوات رفاق الدرب .. هم السجان بنهرهم .. وسؤال : " شن كنتوا تقولوا ؟ عم الصمت ، تقدم صديقه بجرأة ، مسافة معقولة من الكوة .. كنا ، يا سيدي نتناقشوا في انبجاسات الهيمنة السديمية المقترنة باضطرابات ارتجاعية في المجتمعات ذات البيئة المتراكزة حول الانسداد القيمي .. قال الحارس بهدوء : باهي : غير تناقشوا بالشوية ." .
ستة عشر شخصا في زنزانتين خاليتين من الاسرة ، حشايا على البلاط ، وكالعادة في مواجهة الغزاة .. لا يتخلف عن مشاركة زملائه في مذبحة جماعية لسحق الصراصير بالنعال .
ألمه صفع السجان لزميله كفين ماكنين دونما سبب ، وقد بلغ من الكبر عتيا ، العجز لم يسعفه بردة فعل .. ضحك .. " ثارت ثائرة العريف الارعن وعلا جؤاره : تضحك ؟ٌ! .. ايش تبيني ندير ، بيكي ؟. دمعتنا مش لك . دمعتنا غالية داسينها للاحباب !.
صباح يوم 3 . 3 . 1988 .. سمح لذوي السجناء بزيارتهم .. اخ رفيق له ، يحتضنه مجهشا بنوبة بكاء .. تعالت عبراته .. خامرته شكوك .. ثم يلتقي بأخيه ..علامات الاسى والحزن تعلو وجهه ، يسأله : " عودنا انفسنا على توقع المساوئ ووطناها على تقبل اخبار المصائب " هات ما عندك .. ينفي .. وفي الداخل يبادره اخ الرفيق " شد حيلك يا عمر .. والدك اعطاك عمره " .
تمر الايام ، وتأتي لحظة الخروج من الاسر ، اربع سنوات لم تكتحل عينيه برؤية امه ، الشيخوخة امتصت تألقها ، ينحني .. يحتضنها .. الدوام لله .. تجيبه بصوت يصارع الارهاق والهموم .. عظم الله اجركم .. انا امك يا عمر .
" سجنيات " للاديب عمر الككلي .. رحلة الالم المضني .. ذاكرة شعب .. مأساة اجيال .. كتاب يفرض على المرء قراءته .
عابد


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق