تحت عنوان ( المفكر والشاعر الراحل عبدالعاطي خنفر.. ضياء فى مواجهة العتمة ) كتب الاستاذ مفتاح الشاعري بصحيفة نبض الوطن .
عندما كنا تقرأ للشاعر محمد الماغوط وهو نزيل
سجنه القائل ” في السجن أحسست أن بداخلي شيئا تحطم، ولم تنفع كتاباتي في المسرح
والشعر والسينما والصحافة لترميم هذا الكسر”
فأنك بذلك
تتلمس مواطن الحزن و مدى الوجع فيه
..
وعندما
تستشف الم السجين بفعل تركه لأبناء صغار خلفه ستتذكر قول الشاعر الحطيئة : -
ماذا تقول لأفراخٍ بذي مرخ
زغب
الحواصل لا ماء ولا شجر
وستتوالى
الصور تباعا . فهذا علي بن الجهم وقد انشد فى حاضرة سجانه معان لعلو همة رغم كل
شىء :
وللسجن أحراس قليل هجودها
فلا تجزعي إما
رأيت قيوده
فإن خلاخيل
الرجال قيودها
وسيكون
هناك ثمة خطاب لنفس ابية للسان حال الانفة والعزة رغم قسوة السجن كأبي فراس
الحمداني القائل
:
أراك عصي
الدمع شيمتك الصبر
أما للهوى
نهي عليك ولا أمر
بلى أنا
مشتاق وعندي لوعة
ولكن مثلي
لا يذاع له سر
والامثلة
كثيرة .. فهنا كانت فينا ذاكرة وطن وثمة شخصيات ظلت فى اوج تألقها وعزت نفسها .. اصبحت عنوانا فى ذاكرة كفاح رغم ان الموت قد
غيبها بحكمة فى سنة الاولين والآخرين
من هولاء
كان المرحوم بأذن الله تعالى عبدالعاطي خنفر الذي ابصر النور فى منطقة الغريقة
اوائل اربعينيات..القرن الماضي .. ثم الخريج من معهد المعلمين وكلية الآداب فى
الستينات والسبعينات .. ثم المعلم العاشق للغة العربية والمدرس لمادتها .. ثم كان
صاحب الفكر الوطني والشخصية الوطنية المتفاعلة مع معطيات الفكر .. ليتحول من باحث
فكرى ومفكر تنويري الى معتقل بمطلع السبعينات صحبة شقيقه “عبد الغني” بفعل منظور
خطابي راى فيهما نوع من خطاب فكرى مغاير ومقاوم ..خاصة وانه كانا فى تضاد مع
نهج ثورة
ثقافية لم تكن فى استعداد لاستقبالهما لتناقص الاسس واختلاف المنظور.. وواجه عقوبة
الأعدام .. ثم لينتقل الى المؤبد ثم ليفك الله اسره اواخر الثمانينات
.
هذا
المناضل عاد ولكن كان فى مواجهة سقم غزا جسده والم سكن روحه فكان فى مواجهة
النهاية حيث انتقل الى رحاب الله عام 2007
نعم ..
الرجل لم يكن وحده لكن الغريب ان النهايات له ولرفاقه كانت متشابهة.. تماما …
وكأنها بذلك ان النهايات وان كانت مؤلمة الا انها تظل تروى سيرة نبلاء عقل وضمير
أرادوا الضوء رغم العتمة
******
في رثاء صديقه يكتب ابراهيم الزليتني قصيدة بعنوان " الغائــب الحاضــــر " :
ماذا أقولُ اليومَ
في ذكراكَ يا جُرحي
وماذا ترسمُ الكلماتُ
في الذّكرى
أعودُ اليوم للسجنِ
لأرحلَ في ابتسامتكَ النّديةْ
حينَ كنَّا
نقاتلُ الأحزان بالفرحِ
ونرسمُ ليبيا وطناً
على الجدرانِ
يحضُننا
بنظرتهِ الطفولية
يُظللنا
كسنبلةٍ من القمحِ
تغوصُ بُذورها فينا
فتُنشينا
وتُدمينا
نشدُّ الكفَّ بالكفِّ
ونُعلي هامةَ الحرفِ
ونشعلُ في رمادِ الليل
ناراً مِن أغانينا
فتحرق خيمةَ الجلادِ
والقُضبان والمنفى
وتولدُ سهرةٌ نشوى
من الإنشادِ والرقصِ
فأجلس قربهُ وحدي
يُحدثني
عن الأولادِ والجبلِ
يقولُ أبوكِ " يا مينا "
بأنَّ الصيّفَ في البيضاءِ
أجملُ من قصائِدنا
وأنَّ شتائها لغةٌ
من الأمطارِ والثلجِ
تمسُّ مشاعرَ البطّومِ
والصفصافِ والشيحِ
فتولدُ غابةٌ بكرٌ
من الأشجارِ والأعشاشِ
والعشبِ
تظمُ رٌفاتَ صاحبنا
الذي استلقى
على سفحٍ من الزعترْ
يرسمُ جدولاً يسري
بقلبِ الأرض
نحو ربيعِنا الأكبرْ
***
يُطلُ ربيعُ " فبراير "
فيصحو صاحبي
المسكون بالتفاحِ واللوزِ
يُبارك فتيةً من ليبيا
صعدوا لبارئهم
أناروا ظُلمةَ التاريخِ والوطنِ
أراهُ الآنَ
فوق جِبالنا قمراً
يعانقُ موكبَ الشهداءِ
يحضُنهم
يُشاطُرنا
رغيفَ الخبزِ والثورةْ
ويبقى بيننا روحُ
تضئ بقمة الجبلِ
***
فيا وطني
خرجتُ اليوم من سجني
فخُذني في ذراعيكَ
وفجّر من دمي نبعاً
من الثوار
يزحفُ في صحاريكَ
لندفنَ وحشةَ الأمسِ
ونحضنُ يومنا الآتي
مع الثوارِ
والشمسِ
وفي ذكرى رحيله 8 نوفمبر 2016 يكتب رفيق الزنزانة .. الشاعر عبدالرحمن الشرع
كنت وعدت بأن أفي بدين لرفيقي وأخي عبد العاطي خنفر الذي رحل عنا دون أن أتمكن من وداعه في الوقت .. وها هي إلى روحه الطاهرة :
كنُّا اتفقنا يوم غادرَنا العزيزُ على مراسم ، واحتفالات الوداع الصعب منْ منَٓا يغادرُ أولاً ،
سيضيءُ صاحبُه الفراغَ بما تيسَٓر من مديحٍ ساخنٍ كالدمع .....
ها وصلتْ رسالتُك التي تدعوك فيها بالغياب عن الوجودْ
ورسالتي تلك التي راهنْتَني وكسبتَها لم تأتني في الوقت كي أتلو على ذاك البياض قصيدتي
ثم أصللي دمعتين
ألقي السلام عليك
أطلقها تحلق في فضاءات الفجيعة والخلود.
فاجأْتني يوم الرحيل ، وكنتُ ذاك الوقت منكفئا على جسد تكدس في سواقيه التراب، ومستباحا للمشارط،
كنت منشغلا على " زغب الحواصل"
كنت أقرأ في عتاب الغيم ملحمة على رئتيك ، أستجدي "الغريقة" بطء خطوتها إليك ،
ولا تبالغ في الحدادْ.
كيف لم يخطر ببالك أن تمر لكي تصافحني ، وتخبرني بأنك راحل عنا وأنك تارك وطن المواجع والفواجع لي وتوصيني بأن " ربيعنا العربي"' مسألة لها وجهان ، وجه للبطولة لونه قزحي، فتان ووجه للغنيمة ،لا يليق به سوى لون الرمادْ
هل كنت تعلم انني أفرغت قافلتي على أبواب "بينيتو" ليعصرني غيابك -بعد عقد - قهوة لا شيء يشبهها سوى هذا السوادْ
ًهذا السواد المرتدي كفنا ، وملتحيا يمر على الحواري قابضا في كل ثانية على نفس البلاد
هل كنت تعلم أن في أحشائها مسخا سيولد من أب قطري ، أو من سائس للخيل ، من بلد الخلافة ،
لا يرى من هذه الدنيا سوى عنج النساء ، ومستجدات الفسادْ.
هل كنت تعلم أن زاويتي التي حدثكم عنها ، وعن خجل النخيل وكيف يهمس في آذان البحر ، إذ يهتاج ، كيلا يزعج الأفراخ في أعشاشها ، لم تحتمل صوتي ،ولا صمتي، وتنعتني بأني آثم من قبل ميلادي ، ليختلط الصهيل مع العويل فلا نفرق بين خط الليل والفجر، ولا بين الخيول من القراد
واليوم .... من بعد ما أوفدت روحي للغريقة كي تطل على احضرار القبر؛ عادتْ ، أخبرتني
لم أجد أحدا يشاركني البكاء أو النكات على زواج البرق من برقة كي نرضي القبائل من هناك ومن هنا ، ننسى دما كنا أرقنا نصفه في السجن حتى نخيط ثوب زفافها
يا صاحبي هزلتْ ، فهل ناديتني
أم أن ما يجري هنا أيامه معدودة
والموت حق ، والسكوت عبادة الموتى وأفيون العباد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق