الرفيق الاستاذ ابوبكر الغرياني ، سجين راي ، تواعدتا أن نلتقي في احدى مساءات العاصمة ناصية مقهي ، لنروي نخب فنجان قهوة .. شيء عن اخبار الجمعية الليبية لسجناء الراي التي يشغل احد اعضاء مجلس الادارة بها .. وماذا عن قانون 50 .. واخبار الزملاء المغيبين .. وعن تلك السنين الخوالي التي قضاها خلف الابواب الموصدة ، والمزاليج الفولادية ، وكيف عبرت ، وكيف كان يمضي اوقاته ، وبالاجمال تجربته بعدما اختطف من قبل زوار الليل ... الثواني والساعات ، والنهايات ، وللاسف في كل مرة الظروف تعاند .. مرة بغيابي ومرة أخرى بغيابه .. وفي موعدنا اليوم حالت ظروفه .. لا ضير قد نلتقي في الموعد قريبا .. ولن اترك الفرصة تمر دون استدعاء ومضات من حواديث سابقة جمعتنا :
أنت حزين طوال الوقت ، وكل ما حولك حزين ايضا ، تفكر في اليوم الذي ستخرج فيه ، هذا هو الحلم الوحيد في حياتك ، تفعل أشياء لتجعل الوقت يمر ، وكل شيء مما حولك يجعلك تشعر بالسوء .
العزلة بعيدا عن الأسرة والأهل والأصدقاء لدهر طويل ، كم هي قاسية ، وإذا كان بإمكاني تلخيص الأمر في كلمتين ، انه واقع روتيني ممل ، كل يوم هو نفسه ، وكأن حياتك اضحت حالة من الغموض بينما العالم الخارجي يتحرك بدونك ، فقد الاتصال بأصدقائك القدامى وعائلتك ، والعديد من التحديات التي تتجاوز مجرد الافتقار إلى الحرية.
يوم مغادرتي كان الأمر سرياليًا ، ناداني الحارس وامرني بحمل أغراضي الشخصية ، ودعت زملائي بعد عناق طويل ، وبدأت السير نحو البوابة ، لم أصدق بعدما ابتعدت عن اسوار السجن ، وعندما دخلت منزلنا ، اصبت بانهيار عاطفيً رهيب ، ادركت حينها أن لا أحد سيغلق الباب الفولاذي خلفي مرة أخرى .
عانقتني امي عناقا طويلا ، وما انفكت تعيد معانقتي ، ودموعها انهار ، وظللنا نتبادل اطراف الحديث الى الليل ، وعندما حان وقت النوم ، كنت مضطربًا للغاية ، ابت الجفون ان تغفو ، اخترت الجلوس على كرسي بفناء المنزل ، اناجي الليل وأتطلع للنجوم ، بعد فترة وجيزة ، حضرت امي التي كنت اظن انها في نوم عميق لطول السهر ، واحتضنتني ثانية ، وعدنا نتحدث من جديد ، كان يومًا مميزًا للغاية ، أن أكون حراً أخيرًا ، وأن أكون مع والدتي التي طالما اشتقت الى رؤياها .
ما يمكنني قوله حول تجربتي ، هو أن الأمر لا يبدو جيدًا على الإطلاق ، فالعيش في غرفة مظلمة وكئيبة دون أي اتصال بالعالم الخارجي ، ودون أي وسيلة للترفيه ، حرمان لا يقل عن التعذيب الجسدي . اغلق على نفسك في غرفة بدون نافذة ، وحاول البقاء هناك لأطول فترة ممكنة ، تدرك بعض مما يشعر به المرء عندما يكون في السجن .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق