السبت 21 أبريل 1984م يوم لا يُمحىٰ من الذاكرة. .. بداية يوم ربيعي مُشمس يبعث على إنشراح النفس وراحة القلب رغم أنه أبريل وما يعنيه أبريل لطلبة الجامعات في هذه البلاد تلك الحقبة من الزمن وكأنّه الغولة (... جاك السابع من أبريل).
لقد كان أبريل كذاك الموعد من السنة عند المصريين القُدماء يختارون فيه أجمل فتيات مصر.. يُزينونها ويُلقون بها إلى النيل قُربانًا حتّى لا يغضب فيفيض يُتلف محاصيلهم أو يُغرقهم.
إستيقظنا مُبكرًا ذاك اليوم كالعادة من بيت الطلبة رقم (10) بالبِرْكة للذهاب إلى الجامعة. على الطريق الرئيسي قرب بوّابة الجامعة كانت المظاهر غير عاديّة يُميزها إنتشار لِأعداد كبيرة من الأشخاص المدنيين والعسكريين يحمل البعض مِنهم السّلاح وكلّما إقتربنا من الجامعة كانت الأعداد تزيد حتّى أصبحت تفوق أعداد الطلبة يأمرون ويدفعون الطلبة والطالِبات على حدٍ سواء أمامهم بالأيدي والتهديد بالتوجّه إلى الساحة بين مدرّجات كلية القانون حيث كانت المفاجأة المُذهلة (مشنقة تتوسّط الساحة).
حُشِر الطلبة والطالِبات على شكل دائرة حول المشنقة مع ترك ممر إليها وشكّلت الأعداد الأمنية والثورية طوقًا خلف الطلبة مع إندِساس البعض منهم بينهم.
قَدِمَ بعض الأشخاص يقودون بينهم رجلًا في الثّلاثيّنات من عمره نحيل البُنية وسط الطول ذو لِحية كثّة سوداء تُغطي عَيْنَيه عِصابة سوداء يداه مُقيدتان خلفه يرتدي ملابس رياضية (توتة) أوقفوه بمواجهة الممر المُؤدي إلى المشنقة ثمّ أقَعوه أرضًا.
تقدّم أحدهم دون وُجود قُضاه ولا مُحامين سَرَدَ بعض التّهم بِحق هذا الرجل (مصطفى أرحومة النّوَيْري) -مِنها على ما أذكُر تواصله مع المفكّر القومي العربي (مِيشِيل عَفْلَقْ)- عِندما كان (النّوَيْري) طالبًا في سبعينيّات القرن الماضي بِكلية الحقوق بِهذه الجامعة.
ثمّ تُلِيَ الحُكم وهو الإعدام شنقًا.
أوْقَفوه.. وجَرّوه.. وضعوا حبل المشنقة حَول رقبتِه وسط نوبة هِسْتيرية من شانِقيه بالهِتاف في وجُوهِنا (شنقًا في الميدان.. لا ترحم من خان) ووسط أيضًا صُراخ دون وعي وحالات إغماء بين الطالِبات.
تِلك اللحظة حسدناه على شجاعتِه فقد كان ثابِتًا لم يأبه لِمصيره.
صعدت روح (النّوَيْري) إلى بارِئها بعد أن حلّقت فوقنا وأمطرتنا فسقت في قلوبِنا بذرة السخط على النّظام التي حاول إجتِثاثِها بِإهانتِنا وإرهابِنا بإعدامِه في الحرم الجامعي وإجبارِنا على حضور التنفيذ.
لِما لا يقرأ حُكّامُنا التاريخ الذي يوثّق قِيَم التسامُح والعفو والعدل وإحتِرام آدميّة الإنسان وما جلبته هذه القيم من تقدّم وحضارة ومجد وما تركه إرثُ الإذلال والإستِعباد والإستِبداد والإنتِقام من تخلّف وإنحِطاط وعار يُلاحِق الطّغاة أحياءً وأموات.
رحِم الله كل من رقت روحَه لأجل الكرامة وعزة الوطن.












