الخميس، 23 أبريل 2026

ضحايا مشانق ابريل - مصطفى أرحومة النّوَيْري


 

    السبت 21 أبريل 1984م يوم لا يُمحىٰ من الذاكرة. .. بداية يوم ربيعي مُشمس يبعث على إنشراح النفس وراحة القلب رغم أنه أبريل وما يعنيه أبريل لطلبة الجامعات في هذه البلاد تلك الحقبة من الزمن وكأنّه الغولة (... جاك السابع من أبريل).

   لقد كان أبريل كذاك الموعد من السنة عند المصريين القُدماء يختارون فيه أجمل فتيات مصر.. يُزينونها ويُلقون بها إلى النيل قُربانًا حتّى لا يغضب فيفيض يُتلف محاصيلهم أو يُغرقهم.

    إستيقظنا مُبكرًا ذاك اليوم كالعادة من بيت الطلبة رقم (10) بالبِرْكة للذهاب إلى الجامعة. على الطريق الرئيسي قرب بوّابة الجامعة كانت المظاهر غير عاديّة يُميزها إنتشار لِأعداد كبيرة من الأشخاص المدنيين والعسكريين يحمل البعض مِنهم السّلاح وكلّما إقتربنا من الجامعة كانت الأعداد تزيد حتّى أصبحت تفوق أعداد الطلبة يأمرون ويدفعون الطلبة والطالِبات على حدٍ سواء أمامهم بالأيدي والتهديد بالتوجّه إلى الساحة بين مدرّجات كلية القانون حيث كانت المفاجأة المُذهلة (مشنقة تتوسّط الساحة).

   حُشِر الطلبة والطالِبات على شكل دائرة حول المشنقة مع ترك ممر إليها وشكّلت الأعداد الأمنية والثورية طوقًا خلف الطلبة مع إندِساس البعض منهم بينهم.

    قَدِمَ بعض الأشخاص يقودون بينهم رجلًا في الثّلاثيّنات من عمره نحيل البُنية وسط الطول ذو لِحية كثّة سوداء تُغطي عَيْنَيه عِصابة سوداء يداه مُقيدتان خلفه يرتدي ملابس رياضية (توتة) أوقفوه بمواجهة الممر المُؤدي إلى المشنقة ثمّ أقَعوه أرضًا.

    تقدّم أحدهم دون وُجود قُضاه ولا مُحامين سَرَدَ بعض التّهم بِحق هذا الرجل (مصطفى أرحومة النّوَيْري) -مِنها على ما أذكُر تواصله مع المفكّر القومي العربي (مِيشِيل عَفْلَقْ)- عِندما كان (النّوَيْري) طالبًا في سبعينيّات القرن الماضي بِكلية الحقوق بِهذه الجامعة.

ثمّ تُلِيَ الحُكم وهو الإعدام شنقًا.

    أوْقَفوه.. وجَرّوه.. وضعوا حبل المشنقة حَول رقبتِه وسط نوبة هِسْتيرية من شانِقيه بالهِتاف في وجُوهِنا (شنقًا في الميدان.. لا ترحم من خان) ووسط أيضًا صُراخ دون وعي وحالات إغماء بين الطالِبات.

    تِلك اللحظة حسدناه على شجاعتِه فقد كان ثابِتًا لم يأبه لِمصيره.

    صعدت روح (النّوَيْري) إلى بارِئها بعد أن حلّقت فوقنا وأمطرتنا فسقت في قلوبِنا بذرة السخط على النّظام التي حاول إجتِثاثِها بِإهانتِنا وإرهابِنا بإعدامِه في الحرم الجامعي وإجبارِنا على حضور التنفيذ.

   لِما لا يقرأ حُكّامُنا التاريخ الذي يوثّق قِيَم التسامُح والعفو والعدل وإحتِرام آدميّة الإنسان وما جلبته هذه القيم من تقدّم وحضارة ومجد وما تركه إرثُ الإذلال والإستِعباد والإستِبداد والإنتِقام من تخلّف وإنحِطاط وعار يُلاحِق الطّغاة أحياءً وأموات.

رحِم الله كل من رقت روحَه لأجل الكرامة وعزة الوطن.

 موسى عبداللطيف أصميده

مذكرات سجين .. تهمتي انني امازيغي

 

 

 

      " يوسف حفيانه " ، تهمتي التي انتهت بي خلف القضبان " سجين الكلمة " . " سجين رأي " ،   لمجرد انني انادي بحق اهلى " الامازيغ " في التمتع بإحياء تراثهم وعاداتهم ،  وذكر مآثر اسلافهم ، وهذا ما لم يكن يروق للقذافي المتعصب حينا لعروبيته في تل الفترة ، قبل ان يتحول الى افريقيته ،  كنت اعتقد ان الامر يمثل حق طبيعي لي كمواطن ليبي . الى ان باغتتني عواصف الامن الداخلي ، وأصفاد السجون ، عام 1980 والتي استمرت حتى عام 1988 .

 كانت تلك التجربة الأكثر إيلامًا في حياتي ، شعرتُ وكأنّ العالم بأسره ينهار من حولي ،  لم اكن اتوقع  أن أيامي الأخيرة كرجل حرّ على وشك الانتهاء ، كانت تلك الليلة العصيبة ، عند منتصف الليل ، زوار الفجر يطرقون باب منزلي ، وما ان فتحت الباب ، اختطفوني بغثة ، كان من الواضح أن هناك خطباً ما ، أحصيتُ عدد من عناصر الامن الداخلي يطوقون منزلي ، واثنان منهم اقتادوني مكبل اليدين الى سيارة معتمة  ، ادركت أن الوضع سيء ، فاخترت التزام الهدوء ، بدأت افقد الامل في النجاة ،  كان الامر مروعاً ، وكنت قلقا .

        دخولي السجن كان بالنسبة لي هو يوم موتي ، فلم يسبق للقذافي ان افرج عن سجين رأي ، وكثيرون اخبارهم تلوكها الالسن ممن غيبتهم الزنازين لعشرات السنين ، ولا خبر عنهم ، والسؤال هل هم اموات ، ام لا زالوا على قيد الحياة ؟ ، لا اجابة له عند احد .

    لقد توقفت الحياة ، والدي ووالدتي لا حد معيل لهم سواي  ، ولا اشقاء لي ، كل شيء توقف ، بدأ عالم جديد في ذلك اليوم ، لم استطع تحمل ذلك ، الأمر أشبه بالخيال ، اعرف ان السجن المؤبد اخف العقوبات لدى القذافي ، وخلاف ذلك الاعدام لمن وقع بين مخالبه ، بل انه لاحق من فروا من جبروته خارج البلاد  .

   بدأت أفكر في المدة المتبقية من حياتي ، وبات التفكير في اطلاق سراحي يوما ما ، مستبعدا غريبًا بعض الشيء ، كنت بالتأكيد محتاجا لوقت طويل كي استعيد توازني النفسي ، وإلى معرفة ما يجب عليّ فعله قبل ان أترك هذا العالم ، هذه اللحظة المظلمة ، نقطة تحوّلٍ حاسمة ،  لن تعود حياتي كما كانت ، انها رحلةً بلا عودة ، لقد خسرت كل شيء.

    احيانا ، اواسي نفسي بالقول ، لقد قمتُ بواجبي نحو وطني وأهلي ، ، وألان ينبغي لي تحمل العواقب .

  قبل الحادثة بسنوات ، في غمرة شبابي سافرت في رحلة استجمام الى اليونان ، حيلتي الف دولار ، المخصصات السياحية لأي ليبي ،  وعلى متن الطائرة التقيت بـ  ( رجل اعمال ) ليبي جلس بجانبي ، تبادلنا اطراف الحديث ، واقترح ان نستأجر سكن سويا ، قبلت ، وفي اليوم التالي عرفني على رجل اعمال عراقي يدعى (رشاد امين العبدو الحسني ) ، استضافنا في جلسة عشاء فاخر ، وعندما علم بموعد عودتي للوطن كلفني اثناء عودتي بإيصال رسالة ( خطاب ضمان ) لأحد المصارف ، قمت بالمهمة على اكمل وجه ، بعدها بايام ، طلب مني انتظاره بالمطار ، وانه قادم الى ليبيا ، قمت بالواجب ، وكانت بداية الرحلة برفقته ، وبالعمل تبع الشركة التي يديرها ( شركة شارتر كارات هانيل الايطالية ) ، المتعاقدة مع المنطقة العسكرية سبها على تنفيذ فندق ( الفاتح ) بمدينة سبها ، تم التعاقد على انشائه مع الشركة عام  1979، قيمة العقد تسعة مليون دينار ليبي ، سارت الامور كما ينبغي ، وكنت اؤجل استلام مستحقاتي لدى الشركة الى حين الانتهاء من تنفيذ المشروع ، تقديرا للرجل الذي غمرني بكرمه ، لكن الرياح اتت بما لا تشتهي السفن ، عام 1980 وجدتني خلف قضبان القذافي ، وكان المشروع على وشك الانتهاء ، وافتتح لاحقا بينما كنت في السجن ، وقد نال من الاسف عندما علمت بعد خروجي من السجن بالنهاية المأساوية لمدير الشركة ، فقد انفجرت طائرته الخاصة بالجو في ظروف غامضة ، وهو في طريقه من اسبانيا الى باريس ، شعرت ان اخر احلامي كما مستحقاتي قد تبخرت .

   اليوم كلما استذكر تلك المحنة ، وما ان اشاحت لي الدنيا بوجهها المشرق ، كان القذافي بالمرصاد ، لا استغرب ذلك ،فقد كانت ليبيا توصف زمن الملكية ، بـ ( سويسرا شمال افريقيا ) ، والبلد الاكثر نموا ، وكان لها القذافي وزمرته الانقلابيين بالمرصاد ، فلا الوطن سلم من بطشه ، ولا المواطن المثقل بهمومه اليومية .

سنوات عجاف

 










الاثنين، 20 أبريل 2026

جيل ابن الطيب

 

   

 


    حين التقيته أول مرة، أواخر العام 1972م، كان يجلس خلف مكتب بمجلة «البيت». كان ببدلته وربطة عنقه شاعراً «كلاسيكياً حديثاً»؛ كما كنا نطلق تصنيفاتنا المراهقة على البشر بمظاهرهم في تلك الفترة من عمرنا الثقافي. ذاك التصنيف كان كفيلاً بأن يجعلني أرى أنني طرقت الباب الخطأ، وأن الذي أمامي لن يتعامل مع نصوصي التي كنت أحمل، والتي كنت أتصور أنها تنتمي للحداثة والعصر، إلا بمنظار الكلاسيكي المتحجر، وسيلقي بها في وجهي رافضاً حتى قراءتها.

 

    إدريس بن الطيب، أو «ابن الطيب» فقط كما كان يوقع على معارضاته الشعرية وقصائده كلاسيكية الشكل، لم يلقِ نصوصي في وجهي، بل أخذ يقرأ أولاً، ثم أخذ قلماً وأخذ يصوب أخطائي النحوية، ثم زحافات موسيقتيّ. كان يقلب ما كتبت بحرص معلم، ويشير بقلمه ولمعان بصيرته إلى بعض المقاطع: «هذه الصورة حلوة».

 

     إدريس لم يكن يكبرني إلا بعام واحد أو عامين، ولكنني اكتشفت في تلك اللحظات أنه يكبرني معرفياً بكثير. كان ابن الطيب قد تكوّن في المعاهد الدينية ورضع اللغة والشعر مباشرة من ضرعها الأصلي؛ كان يقف على أساس متين، وكنت أقف على أسس انفصلت عن التراث، عن الضرع، ورضعت معارف مصنعة معلبة.

 

    شرعت بعد تلك المقابلة الفاصلة في دراسة بحور الشعر وحاولت حفظ ما أستطيع من منتخباته، اكتشفت أن الشعر بعد الموهبة «عدة للصنعة»، علينا أن نتعلمها ونتقنها وقد نطورها إن اكتسبنا المعرفة والموهبة. إدريس بن الطيب كان بعد ذلك الداعم لي في نشر إنتاجي بالمطبوعات الليبية في تلك الفترة، حتى كنت برعاية إدريس أحد كتاب «الفجر الجديد» في صفحتها الثقافية.

 

    إدريس قفز بعد ذلك ومن على أسس صلبة لكتابة الشعر الحديث أو شعر التفعيلة، لينتج نصاً متماسكاً لا يعوره التفكك الذي صاحب تجارب لم تتأسس بشكل صحيح؛ أعني لم تمتلك حتى «القادومة» لتدخل على الجبل.

 

إدريس بن الطيب، ابن المعاهد الدينية «الجغبوب»، ثم شاعر ومثقف الحداثة ومشروع النهضة، كان - وكما كان علي مصطفى المصراتي الذي مثل جيلاً من الآباء المؤسسين للأدب الليبي الحديث- قد تأسس على تراثنا ليدخل ثقافة الحداثة واعياً وواثقاً. وكما كان التليسي، الحديث للغاية وصاحب الذائقة المتفردة في إرثنا الليبي الحديث، متبحراً في التراث وفي ثقافة أوروبا الحديثة. كان كما الشلطامي؛ حافظ القرآن وخبير الشعر الشعبي وعاشق كازانتزاكي ونيرودا وطاغور، الأصيل في غنائيته والمتفتح في أيقوناته ورموزه الإنسانية.

 

    كان إدريس بن الطيب جيلاً من المتوثبين للعبور بثقافة الرعي إلى ثقافة الصناعة، من مجتمع القبيلة إلى مجتمع المؤسسة، من قصيدة العادة إلى قصيدة التجديد؛ تجديد القديم وليس بناءات العدم. جيل أبناء الآباء المؤسسين الذين كان عليهم أن يكملوا رحلة التجديد التي أسس لها أولئك الآباء العظام. ولكن السياسة والأنظمة الغبية، وبدل أن تساند وتكمل مشروع بناء النهضة الوطنية، قفزت قفزتها العدمية وأضاعت الجيل ونفسها أيضاً.

 

    كانت عصا الفاشية الوطنية، بكل أسف، لا تضرب إلا الوطنيين الذين يحاولون النهوض بالبلاد؛ الطلبة والكتاب والشعراء والسياسيين الوطنيين، وتتحالف مع ببغاوات الشعارات والخراب. لم يشنقوا يمينياً رجعياً كما لا تزال ببغاوات الغباء تردد، بل شنقوا عمر دبوب المناضل التقدمي. لم يشنقوا عميلاً أو جاسوساً بل شنقوا محمد بن سعود المناضل الوطني القومي. لم يسجنوا حزبيين متآمرين كما لا يزالون بوقاحة يرددون، بل سجنوا طلبة وصحفيين وكتاباً وشعراء.

 

     سجنوا جيلاً من الطموحات الوطنية للنهضة والاستقلال والحرية، جيلاً ورث معارف الآباء المؤسسين للمشروع الوطني المستقل وحاول المشاركة. وورث حكام اليوم إرث الأمس الفاشي بكل تفاصيله وزادوا عليه من ملحهم أطناناً من التكفير والتخوين والعمالة لنفس الضحايا، لنفس الجيل، أعني جيل ابن الطيب؛ التيار المدني الحقيقي المؤمن بالديمقراطية وإقامة دولة القانون، لا دولة الفقيه ولا دولة العسكري؛ كي يكون الأمر واضحاً.

 

    ملاحظة: ابن الطيب وجيله من السجناء الطلبة والصحفيين والكتاب لم يأخذوا مليماً واحداً كتعويض من «فبراير» كما يروج الكثيرون؛ القليل منهم رفعوا قضايا تعويض أيام النظام السابق وحكمت لهم المحاكم واستلموا تعويضات، أما البقية فلم ينالوا من الجديد إلا الإلغاء والتهميش والنكران، وكل ذلك غير مستغرب من حكامنا الجدد، ورثة ورعاة الفساد والتبعية للأجنبي

منصور بوشناف

احمد قذاف الدم يبحر في القارب المثقوب

  جاء في كتاب – اشخاص حول القذافي .. تاليف الوزير.. الوزير عبدالرحمان شلقم         احمد قذاف الدم .. احد افراد الحلقة الاضعف حول م...