لتبيان الحقائق ودحض الأباطيل ، ولوضع النقاط على الحروف ، ولإيقاف محاولات الاحتيال على التاريخ وصناعة التزوير. كذلك للتأثير على الواقع بشكل ما، والحفاظ على الذاكرة الوطنية للأجيال ، لأن الذاكرة صمام أمان لشعبنا الليبي ، أو كما قال أحمد العكيدي القاص والكاتب المغربي: “ الذاكرة بمثابة صمام أمان يحمينا من الاختراق ويجعلنا ننعم بإنسانيتنا ، وإلاّ صرنا مجرَّد لوحة يشكلها الرسام كيفما شاء ومتى شاء ، يضيف إليها اللون الذي يشاء والرسومات التي يشاء وإن شاء نقلها من مكان إِلى آخر أو عرضها للبيع أو أهملها ”.
هذا تغيير للحقائق وتزوير بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى، وربما اعتقد صاحب المقال المُشار إليه أن كثرة المصائب وتتابعها أصاب ذاكرتنا بعطب مزمن، وأن ذاكرتنا مثقوبة، وأن مصائب اليوم أنست الناس ما حدث بالأمس، لأنها أشد وطأة حسبما يعتقد، متناسياً أنّ الماضي الأليم يترك آثاره مخلدة في الذاكرة، ومتجاهلاً إرثاً ثقيلاَ تركه النظام السابق، لأن إرث الاستبداد يترك وراءه ثقافة تشكل تحدياً أمام الانتقال السلس من النظام القمعي القديم إِلى نظام دستوري ديمقراطي يقوم على صناديق الاقتراع، ويصبح فيه الفرد مواطناً لا رعية، وغاضاً الطرف كذلك عن نتائج سقوط المستبد وما ينتج عنه من ثورة مضادة وصراعات واستفاقة النعرات القبلية والجهوية والدينية، بالإضافة إِلى الفوضى والتدخلات الخارجية، وأن التخلص من كل ذلك يحتاج إِلى وقت قد يطول وقد يقصر، فلا مسؤولية للثورة عما حدث بعد نجاحها في إسقاط المستبد، لأنها سلمت الراية إِلى الشعب ليتغلبوا على مخلفات ثقافة الاستبداد ويواجهوا الثورة المضادة والتدخلات الخارجية.. المسؤولية تقع على عاتق الجميـــــع.
شنت حملات اعتقال خلال الفترة المشار إليها، ونصبت المشانق في ساحات الجامعات الليبية. ففي صيف 1982م، تم اعتقال مجموعة من الطلبة والطالبات في جامعة بنغازي، بعد التطورات التي حدثت في الجامعة عقب نقل كلية الاقتصاد من بنغازي إِلى طبرق لمدة فصل دراسي، وبعد توزيع بعض المناشير المنددة بشخص القذّافي ونظامه في العام 1982م، ثم ظهور بعض الكتابات على جدران الجامعة الداعية إِلى إسقاط نظام القذّافي ولجانه الثورية.
في أواخر العام 1980م، قرر العقيد القذّافي تحويل الجامعات إِلى ثكنات عسكرية، واختار أن تبدأ التجربة أو تكون البداية بكلية الاقتصاد، وأوعز إِلى لجانه الثورية بعقد اجتماع مع طلبة الكلية وإخبارهم بنقل الكلية في السمستر الدراسي القادم إِلى إلى أحد معسكرات مدينة طبرق التي تبعد عن بنغازي ما يساوي الـ«450» كيلو متراً مربعاً!!.
عقدت اللجان الثورية في مطلع العام 1981م الاجتماع الذي أوصاهم القذّافي بعقده، في «مدرج 1» بكلية الاقتصاد، في أجواء طلابية كان يسودها الرعب والخوف والتوتر، حضره عتاولة اللجان الثورية وقتذاك، وبدأت تلك العناصر الاجتماع بتمجيد القذّافي والثناء على مواقفه والتأكيد على الاستجابة لما ينادي به ويطرحه، مهددة مَنْ لا يستجيب لنداءاته بالويل والثبور وعظائم الأمور.
أخبرت اللجان الثورية الطلاب بنقل كليتهم إِلى أحد معسكرات طبرق في السمستر القادم، تنفيذاً لمشروع تحويل الجامعات إِلى ثكنات عسكرية، وتعزيزاً لفكرة الشعب المسلح، وتحقيقاً لهدف أن تكون السلطة والثروة والسلاح بيد الشعب، كما دعت النظرية السياسية الواردة في الكتاب الأخضر ونصّت على ذلك، وعلى أن يكون الشعب في الجماهيرية يحكم نفسه بنفسه دون وصاية من أحد.
لم يكن الطلبة راضين عن نقل كليتهم إِلى طبرق، وحاولوا التعبير عن موقفهم ورفضهم بشكل أو آخر، ولكن اللجان الثورية كانت لها اليد الطُّولَى في ذلك الوقت وكان بإمكانها إلصاق تهمة العمالة والخيانة والرجعية والانتماء إِلى جماعة محظورة والتخطيط لأعمال إرهابية، لكل مَنْ يرفع صوته ويعترض.
وبعد فترة من هذه الواقعة ظهرت مناشير في الجامعة تندد بنظام القذّافي وتصفه بالدكتاتوري المستبد، وتحرض الطلبة على الوقوف ضده ومواجهته وتضييق الخناق على أدواته القمعية المتمثلة في حركة اللجان الثورية. وفي مايو 1982م، ظهرت كتابات على حائط أو حَوَائِط الجامعة في مدرج كلية الاقتصاد، مثل: «يسقط القذّافي»، «تسقط اللجان الثورية»، «أين الحرية.. أين الديمقراطية؟؟».. وغير ذلك. اتهمت ثلاث بنات أو طالبات بكلية الاقتصاد بالعملية، وهن: جميله محمّد فلاق، سارة الشافعي، صوفيا بودجاجة، وأُلقي القبض عليهن داخل الجامعة وتم احتجازهن لمدة ستة أيام في مركز البحوث داخل مبنى كلية الاقتصاد، حيث تم تعذيبهن وضربهن ضرباً مبرحاً حتى الاغماء كما قالت جميله فلاق إحدى المعتقلات. وتواصل بعدئذ التحقيق معهن وتعذيبهن، بعد نقلهن إِلى الكتيبة ثم السجن. وبعد أسابيع قليلة من اعتقال الطالبات الثلاث، تم إلقاء القبض على واحد وعشرين شاباً، كان واحد من بينهم طالباً منتسباً، هو «جلال حسن السوسي»، وبعضهم كان من الطلاب النظاميين، والبعض الآخر كان إما حديث العهد بالتخرج أو تخرج في الجامعة منذ بضع سنوات. وجميع الذين تم اعتقالهم من سكان مدينة بنغازي ماعدا اثنين درسا بها ثم غادر كل منهما إِلى مدينته، «عثمان المقيرحي (مدينة طبرق)، محمّد بوخريص (مدينة غريان)».
والذي حدث، تم اعتقال الواحد عشرين شاباً في شهر رمضان 1402 هجري الموافق شهر يوليو 1982م على خلفية المناشير والكتابات التي ظهرت على جدران الجامعة، وقضوا في السجن سنة كاملة، وتعرضوا في السجن لأشد أنواع التعذيب الجسدي، منها الحبس الانفرادي والضرب المبرح والصعق الكهربائي، وهم:
1 – فتحي فرج البرقاوي
2- عثمان سليمان المقيرحي
3 – ثابت أحمد بوهدمة
4- فتح الله عبدالله الشيخي
5 – السنوسي موسى البرعص
6 – فرج عبدالحميد الحاسي
7 – حاتم رجب الماجري
8 – عمر رجب بن كاطو
9 – بلقاسم عبدالسلام بويصير
10 – فوزي دخيل بوشريدة
11 – فوزي محمّد الهوني
12 – فوزي طاهر الشامي
13- عبدالرازق بن عمران
14 – محمّد بوخريص
15 – ناجي بوحوية خليف «استشهد تحت التعذيب»
16 – صلاح محمّد الشكماك
17 – أحمد إسماعيل مخلوف «استشهد تحت التعذيب»
18 – بلعيد الصابر
19 – صالح عبدالسلام المكحل
20 – جلال حسن السوسي
21 – أسامة علي الشويهدي المعروف باسم «سامي الشويهدي»
أفرج معمّر القذّافي على عدد كبير من السجناء السياسيين يوم 3 مارس 1988م، ولم يفرج عن البعض الآخر وهم أعضاء حزب التَّحرير، وأعضاء الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبَيا، وربما بعض المستقلين، وكان هدفه من ذلك تحقيق بعض الأهداف السياسية لنظامه وتحسين صورته في الخارج وتفكيك المعارضة التي كانت تشكل ضغطاً عليه وتنشط ضدَّه وقتئذ، ووقتما كان نظامه يوصم بالإرهاب والاستبداد.
والطلبة الخمسة والعشرون الذين تم اعتقالهم هم:
1 – سعد عبدالجليل الصلابي
2- سعد ياسين العبيدي
3 – سعد محمّد عامر
4 – عبدالسلام عبدالحميد فوناس
5 – يوسف عبدالسلام قرقوم
6 – سوسي عبدالسلام قرقوم
7 – عبدالوهاب محمّد بسيكر
8 – ميلاد ابراهيم البدين
9 – بالنور محمّد العبدلي
10 – حسين مراجع كويدي
11 – جمال سعيد جربوع
12 – مصدق يوسف بوكر
13 – جلال عبدالله البرعصي
14 – محسن عبدالكريم لياس
15 – ناصر عبدالله الشاعري
16 – السنوسي عيسى المحجوب
17- علي محمّد الصلابي
18 – محسن ونيس القذافي
19 – نايف الرضا السنوسي
20 – عبداللطيف بسيكري
21 – يوسف فرج الفيتوري
22 – عبدالكافي مصطفي بوزيان
23 – مصطفي حمد خليف
24 – أحمد بوبكر العبّار
25 – عبدالحكيم سعد البرغثي «الطالب الوحيد الذي كان وقتها في الجامعة، كلية الطب – طرابلس»
نصبت المشانق في ساحات الجامعة بين عامي 1983م و1984م، وأُعدم عدد من الطلاب أمام زملائهم في جامعتي طرابلس وبنغازي. أرغم الطلاب على حضور إعدامات زملائهم، وسط هتافات اللجان الثورية وتصفيقهم وزغاريدهم، ومن بين هتافات شرّابين الدم من أعضاء اللجان الثوريه حينها: «اطلع يا خفاش الليل… جاك السابع من أبريل»، و«صفيهم بالدم يا قائد… سير ولا تهتم يا قائد»، و«ما نبوش كلام لسان… نبو شنقة في الميدان»، «لا ترحم من خان، شنقاً شنقاً في الميدان».
أُعدم محمّد مهذب إحفاف «طالب جامعي بكلية الهندسة» شنقاً يوم 7 أبريل 1983م في ساحة كلية الهندسة بجامعة طرابلس. وأُعدم رشيد منصور كعبار «طالب جامعي بكلية الصيدلة» شنقاً يوم 16 أبريل 1984م في ساحة كلية الصيدلة بجامعة طرابلس. وأُعدم حافظ المدني الورفلي «طالب جامعي بكلية الزراعة» شنقاً يوم 16 أبريل 1984م في إحدى ساحات كلية الزراعة بجامعة طرابلس. وأُعدم مصطفى إرحومة النويري «الرئيس السابق لاتحاد عام طلبة ليبيا» شنقاً يوم 21 أبريل 1984م داخل الحرم الجامعي بمدينة بنغازي، وقام أحد أعضاء اللجان الثورية الذي لقي حتفه لاحقاً، هو وزوجته بجرجرة جثته بعد إنزالها من المشنقة وركلها أمام أعين الجميع.
• محمّد سعيد الشيباني – أُعدم شنقاً في بلدة «بلدة طمزين» بالجبل الغربي، يوم 2 رمضان 1404 هجري الموافق 2 يونيو 1984م.
• ساسي علي ساسي زكري – أُعدم شنقاً في مدينة «نالوت» بالجبل الغربي، يوم 4 رمضان 1404 هجري الموافق 4 يونيو 1984م.
• أحمد علي أحمد سليمان – أُعدم شنقاً في مدينة «نالوت» بالجبل الغربي، يوم 4 رمضان 1404 هجري الموافق 4 يونيو 1984م.
• عثمان علي زرتي – أُعدم شنقاً بميدان «سوق الجمعة» بمدينة طرابلس، يوم 5 رمضان 1404 هجري الموافق 5 يونيو 1984م.
• الصادق حامد الشويهدي – أُعدم شنقاً في المدينة الرياضية، مجمع «سليمان الضراط» بمدينة بنغازي، يوم 6 رمضان 1404 هجري الموافق 6 يونيو 1984م.
• عبدالباري عمر فنوش – أُعدم شنقاً في واحة «جالو»، يوم 7 رمضان 1404 هجري الموافق 7 يونيو 1984م.
• المهدي رجب لياس – أُعدم شنقاً في مدينة «طبرق»، يوم 7 رمضان 1404 هجري الموافق 7 يونيو 1984م.
• فرحات عمّار حلب – أُعدم شنقاً في مدينة «زوارة«، يوم 10 رمضان 1404 هجري الموافق 10 يونيو 1984م.
• إسماعيل السنوسي – أُعدم شنقاً بعد مرور سنتين على معركة باب العزيزية، في مدينة «ودّان»، يوم الأربعاء الموافق 6 أغسطس 1986م.
وبالإضافة إِلى الإعدامات هناك مَنْ استشهد تحت التعذيب على أيدي اللجان الثورية وغيرهم من عناصر أجهزة القذّافي العسكرية والأمنية، التعذيب الذي كان نظام القذّافي تفنن في ابتكار أبشع أدواته للتنكيل بمعارضيه أو انتزاع اعترافات على جرائم لم يرتكبوها، ويخبرني علي العكرمي عن مسلسل التعذيب داخل سجون القذّافي فيقول: «كنّا نسمع صرخات التعذيب، آهات المذبوحين، استجداءهم، في كل يوم، أحياناً توقظنا تلك الصرخات في منتصف الليل، أحد الزبانية عنَّ له أن يتسلى فأخرج سجيناً بطريقة عشوائية من أقرب عنبر إليه وراح يتلذذ بتعذيبه، وكان بعض التعذيب يتم أمام أعيننا جميعاً، كانوا يفعلون ذلك لزرع الرعب في قلوبنا. أحدهم ألزموني أن أقف فوق رأسه، انهالوا على رأسه بهراوة غليظة، نفر الدم من جبهته كنافورة، صرخ صرخة نزعت الحياة من روحي، استجداهم أن يتوقفوا، قال لهم: “توقفوا واكتبوا ما تريدون على لساني وأنا أوقع عليه.. فقط ارحموني”. لم يتوقفوا، ظلوا يضربونه، وظل يصرخ حتى خفت صراخه مرة واحدة، وهمد فجأة!.
رأيت أناساً قلعت أظافرهم، وظلوا لا يستطيعون المشي شهوراً، ورأيت جلوداً اصطبغت بالدم أول التعذيب، ثم لما تجلط الدم في المساء بدأ اللون الأزرق يظهر، ثم لما ترك فيها العفن زمناً تحولت إلى اللون الأسود حافرة أخاديد، وتاركة تشوهات ظلت ترافق السجين إلى آخر عمره. ورأيت أصابع مقطوعة جراء الضرب بالكاوات المعدنية، لممت عن الأرض بعضها، ولم أدر ما أفعل بها، أعطيتها للحاج صالح، لفها في بعض القماش ودفنها في الآريا في صباح اليوم التالي في غفلة من أعين الحرس، رأيت أسلاكاً كهربائية تغوص في أقدام سجناء وتُنتَزع من باطن تلك الأقدام آخذة معها شيئاً من لحم القدم، مخلفة وراءها دفقات كبيرة من الدم لا تتوقف.
رأيت أناساً ماتوا تحت التعذيب أمام ناظري، كيف يمكن أن أصف خروج الروح من جسد المعذب ؟ هل يكون الخروج خلاصاً ؟ هل يكون الموت في هذه الحالة أمنية ؟ لقد كان كذلك حقاً، لكن أمنية الموت كانت تجري على ألسنتنا ألف مرة دون أن تتحقق، كان الدخول في الغيبوبة أول الخطوات إلى الخلاص؛ أول الدرب إلى النجاة، كثيرون لم يصحوا من غيبوبتهم، كانت أرحم من أن تعيدهم ببعض رشقات الماء إلى الحياة ليواجهوا الموت في كل جلدة».
استشهد في الفترة التي قال عنها صاحب المقال المذكور، فترة كانت تسير بشكل طبيعي وفي هدوء تام دون أي عنف أو اضطرابات، لكنه لم يقل الحقيقة وما قاله كان شيئاً من نسج الخيال!؟. فقد استشهد طالبان تحت التعذيب فَي يوليو 1982م، هما: ناجي بوحوية خليف وأحمد إسماعيل مخلوف، اللذان سبق اعتقالهما على خلفية أحداث الطلبة بين عامي 1975م و1976م، وتم فصلهما من الجامعة «كلية الحقوق – بنغازي» بعد الإفراج عنهما، وأعيد اعتقالهما للمرَّة الثانية بعد حملة الاعتقالات التي طالت بعض الطلبة والطالبات في جامعة بنغازي على خلفية مناشير وزعت في الجامعة وكتابة بعض العبارات المنددة بالقذّافي ونظامه على جدران الجامعة. كان أحمد مصباح الورفلي عضو اللجان الثورية، هو مَنْ يترأس فريقاً أو جماعة التعذيب في معسكر «7 أبريل»، المعسكر الذي فارق فيه ناجي الحياة تحت سياط التعذيب في أغسطس 1982م. تمَّ الاعتقال الثاني لناجي بوحوية خليف في يوليو 1982م، وأن المجموعة الّتي اعتقلت مع ناجي نقلت أولاً إِلى معسكر 7 أبريل ومن بعده الحصان الأسود والجديده بطرابلس. هذا، وقد انتقل إِلى رحمة الله مع ناجي – وتحت سياط التعذيب – الشهيد أحمد مخلوف
وروى فتحي البرقاوي، صديق ناجي بوحوية خليف ورفيقه، وأحد الذين سجنوا معه، ما حدث لناجي في السجن، فقال: “طلب عبدالله السنوسي رجل المخابرات والمقرب جدَّاً من معمّر القذّافي، من ناجي بوحوية في اعتقاله الثاني وقتما كان ناجـي محتجزاً بـ«معسكر السّابع مِن أبريل»، أن يعترف على نفسه بالقول إنه منتمٍ إلى اليسار الليبي ومنضم إِلى حزب سياسي يعمل للإطاحة بالنظام الحاكــم، وهذا لم يكن قائماً ولا تربطه بالحقيقة أي صلة، وما كان له إلاّ أن رفض طلب السنوسي رفضاً قاطعاً وأبى التوقيع على أيِّ ورقـة تفيد بذلك، حتى استشهد تحت سياط التعذيب، وقد رأيته بأم عيني مرمياً على كوز رملة غائباً عن الوعي من شدة التعذيب وآثار الضّرب على جسمه ولون قدميه مثل «الرئة» من الضّرب المبرّح والتعذيب الوحشي”.
وبالإضافة إِلى الطالبين المذكورين، هناك قامتان وطنيتان شامختان قضيا نحبهما تحت سياط التعذيب ووحشية الضرب المبرح في الفترة التي أشار لها صاحب المقال المذكور وقال لم يقع فيها أي اضطرابات من أي نوع، وهما: عامر الدغيّس ومحمّد حمّي. اُعتقل عامر الطاهر الدغيّس المحامي والمُناضل الوطني والرجل القومي العروبي وأحد مؤسسي «حزب البعث العربي الاشتراكي» في ليبيا، عدة مرات في عهد معمّر القذّافي، واحدة من تلك المرات كانت في شهر ديسمبر من العام 1979م، وتمَّ اتهامه بمعاداة سلطة الشعب والتآمر على قائد الثورة والعلاقة بإحدى الدول العربية التي تخطط لقلب نظام الحكم في البلاد، والمرة الأخرى كانت في 24 فبراير 1980م، وبعد ثلاثة أيام فقط من اعتقاله هذا، تمَّ تسليم جثمانه إِلى ذويه في صندوق محكم الإغلاق، وكان ذلك يوم الأربعاء الموافق 27 فبراير 1980م. استشهد عامر الدغيّس تحت سياط التعذيب، وقيل لأهله ساعة تسليمهم جثمانه أنه مات منتحراً، وقد أشرفت أجهزة النظام الأمنية على دفنـه، ومنعت أهله من فتح الصندوق.
والثاني هو محمّد فرج حمّي المعلم ومحرر العقود والمُثقف والمُناضل والسياسي وأحد مؤسسي «حزب البعث العربي الاشتراكي» في ليبيا ومؤسسي «نادي الهلال الرياضي الثقافي الاجتماعي» في بنغازي. اُعتقل محمّد حمّي يوم 12 مارس 1980م، بعد تأبّينه لرفيقه عامر الدغيّس في المقبرة يوم دفنه، مطلقاً صرخة تحدٍ، متهماً السلطة الغاشمة بقتله وتصفيته. وفي غضون أسابيع قليلة جداً من اعتقاله، استشهد حمّي تحت التعذيب الوحشي والضرب المبرح، وصعدت روحه إلى بارئها وخالقها عز وجل، ثم نُـقل جثمانه من طرابلس إلى بنغازي مقر سكن ذويه مصحوباً بإفادة بوفاته صادرة عن بلدية طرابلس مؤرخة في 5 أبريل 1980م ليدفن بصمت تام.
( مقتطف من مقالة بعنوان : الشعب الذي لا يحفظ تاريخه ، لا يحفظ ذاته ) للكاتب شكري السنكي




.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق