رسالة الى امين عام الأمم المتحدة
سيادة الامين العام
السلام عليكم
جلال الصمت يسود الغاب ، والصخور امامنا ومن حولنا تشكل اسوار العزلة ، قدرنا ولدنا وترعرعنا هنا ، هذه بلادنا ليس لنا مكان آخر نلجأ إليه ، يضيق بنا المكان ويعز علينا هجرانه ، يسكن بين جوانحنا ، لن نبرح المكان ، ولن نتزحزح عنه قيد انملة ، مهما فعلوا بنا .
سيادة الامين العام :
إن خير الرعاة من يقود قطيعه للمروج الخضراء .. فتقبل ان اهمس في اذنك نبض ومعاناة شعب يوسم المنظمة التي تتربعون على عرشها بـ " المنظمة الصماء " . هنا في بلد اقررتم باستقلاله وبحق شعبه في الحرية والحياة . اسمه ليبيا . شعب يتطلع الى معانقتكم وهو يصرخ آلما وحزنا وجهلا وفقرا واستبدادا وقهرا لسنوات وسنوات ، هنا حيث الكلام من المحرمات ، انتهز فرصة تمرير كلمة مكتوبة ، من وراء كواليس الانترنيت ، علها تقع ذات يوم بين ايديكم ، وتلقى قبول إصغائكم . بعد اربعين عاما من الصمت ، والآلم ، والحزن ، والحصار ، والجور، ومرارة علقم العبودية .
سيادة الامين العام :
هنا تزدحم ذاكرة المكان والزمان بروائح الموت ، وبعذابات التخلف والضجر والخوف وانقطاع الأمل ، والمستقبل المظلم . هنا مواعظ تنتشر منها رائحة اللحود . والكل يسأل : أين هي منظمة الأمم المتحدة ؟ ألا تسمع بنا ؟ ألا تصغي للآمنا والآم اطفالنا ونساءنا وشيوخنا ؟ أما ازكمتها روائح المجازر حيث تنحر الافكار ؟ أم ان صمم النفط اصابها كما اصاب الدول العظمى التي تخلت عنا ولا تزال تحتفظ لنفسها بشعارات ريادة العالم الحر !!!!
سيادة الامين العام :
بالامس تم استدعاء والدي الى مكتب المأمور الامني ، وكان لزاما عليّ مرافقتة ، وقد طعنته سنون القهر والمرض ، كما انه ليس لديه غيري فانا اكبر شقيقاتى البنات ، انتظرنا امام مكتبه طويلا ، وازلامه تحدّق بي وتحدجني بنظرات الذئاب المتحفزة للوثوب ، وهي لا تدرى أنها تبصق في وجه الريح . ثم اولجنا الى حجرات وحجرات ، امتثلنا امامه دون شهيق أو زفير . راقبنا بعينان تشعان بالإحتقار ، وشفاه تتبرم بالاشمئزاز ، والزبد يرغي على شدقيه . ارتعش قلبي ، وارتسم الروع على وجهي ، واصطكت رجلاى . وبوجه يتقطب بالحقد وينم عن روح صغيرة ترتجف على قاعدتها ، ودون اكثرات بمشاعر انسان طاعن السن ، قدم لنا ورقة مكتوبة ، عنوانها " شهادة وفاة " من تلك التي توزع بالتناثر على احياء المدن والقرى الليبية مند مطلع العام 2009 . تفيد الورقة بأن نجل الاسرة الوحيد " اخي شقيقي " توفي بالسجن بعد ان قضى أكثر من ثلاث عقود من الزمان داخل اروقته المظلمة التي لم تمنحنا يوما فرصة لزيارة اخي .
كان أخي طالبا بالجامعة عندما أقتيد الى سجن أبي سليم عام 1976 ، وكنت آنذاك طفلة صغيرة ، أعي أن أخي الذى كنت انتظر قدومه بين الحين والآخر قد غاب ، وأن أسرتي لهذا السبب تعيش حالة حزن وآلم واكتئاب لا تنقطع طوال هذه السنين لأجله . والى أن يأتى اليوم الذي يعود فيه .
قرأت الورقة ، وكتمت شهقة في مهدها ، وحسبتني هويت إلى غور بعيد القرار . تنفست بحشرجة المختنق ، ثم جمعت انفاسي بعد لأى ، وتشرّبت اللهب المندلع يصدع احشائي . وقف لساني برهة عن الكلام ، علا وجهي الاغبرار، تذرعت بالحزم الأوفى ، وبوقع الرعد القاصف أخبرت والدي بفحواها . ساد صمتا واسعا كالفضاء ، زلزلت الارض من تحت اقدامنا حتى رغبت ان تفغر فاها لتلتهمنا ، أرخى الليل سدوله مظلم حالك دامس ، نضجت النجوم في وضح النهار ، ولبس الكون أمامنا تاج الآسى والحزن . جررنا اذيالنا عائدين بعد ان سمح لنا بالمغادرة ، نتلمس الطريق بيد مرتجفة ، كاطيار يسودها الذعر ، واثقال الحزن العميق ترهق كواهلنا . أسير بين الناس كأنني أمشي بين أنقاض وأعضاء مبتورة عن أجسادها ، أرى أشلاء مقطعة كأنها بقايا مجزرة هائله ، أصرخ ويذهب صوتي بددا على سطوح المستنقعات ، تتطاير الحصى بخطواتي . وما ان لقيت باكيا إلا رأيت وجهه مقبلا عليّ كأنه يسألني : ترى من أين يذبح الانسان إذا كانت دموعه هي دماء روحه ؟
ويلاه .. ويلاه .. ! ، يا لظلمة شمسي .. كم كانت جدران سجني متقاربة ، ان في داخلي قوة ثائرة تريد اطلاق صوتها . سلبوني ما لا قبل لي بالاستعاضة عنه بشيء ، أخي الوحيد مات بتهمة التفكير ، وبلعنة الليبرالية التي لا افهمها ، فقد علمنا مند وقت مضى ان أخى متهم بانه يفكر بطريقة ليبرالية . وهذا ما حدا بهم إلى التخلص منه دون دليل او محاكمة ، بل ولمجرد وشاية ممن يحسدون تفوقة ، ممن تمرغوا في الاوحال على الشفير ، ووصفوا انفسهم بالثوريين ، يتلهون بالنكايات ، ويترصدون من يتعارج بعلومه . مبتلون بالعقم ويعتقدون ان اقوالهم مستمدة من غور الامور ، يرون الارتقاء في التفوق افتراسا ، فيستقطرون سمومهم ساترين ايديهم بقفازات من زجاج . ينفثون هريرا ودخانا تنزلق على تفاعيله الاشباح ، مرارة الحنضل في ثرثرتهم ، لا تميز في نبرات صوتهم إلا أثر التهاب الحلق . وقد اعتبروا هباء كل حقيقة لم يتلفظ بها صنمهم الذي يعبدون . لقد تركوا على كل معبر اجتازته ارجلهم آثار دماء ، وجهلوا ان افسد شهادة تقوم للحق ، إنما هي شهادة الدماء تقطر السم الزعاف على أنقى التعاليم فتحولها الى جنون واحقاد .
انا الآن ادرك وإن فقدت فكرة الزمن ، ان أخي مات مند عام 1996 م ، في وقعة الابادة الجماعية الرهيبة ، والشهيرة بـ " مجزرة سجن ابى سليم 28- 29 / 6 / 1996م " .
اوآه .. آواه .. ، يا لوقري الثقيل وكربتي المضنية . ذهب زفيرى يجول بين المدافن متراميا على اللحود ، ولاح لي كل شيء ركام وردوم واكوام عظام .
فوآ .. أسفي على أخي .. انا شقيقته التي لا تقوى على السؤال " أين دفن أخي ؟ " !!! . تلك هي آخر هضبة أطمح إلى بلوغ قمتها . ووآ .. أسفي على نفسي أنا التي ادون مأساتي متنكرة ، أنتعل القباقيب العالية لأخفي طول قامتي ، والذعر يسود حولي ويروع قلبي .
ويلاه .. ويلاه .. ! أريد ان اصرخ ، أرهقني سلطان حزني ، من لي بالتعزية ، ومن لي بمن هو أجدر مني تخلصا من الطاعة ، وقد قال كلمته وتحطم . أم سطا الهرم على القلوب الفتية ، وآن للنساء أن تسترجل لقلة ما يتصف بالرجولة الرجال . وان تثير كوامن المستنقعات ، وما الحياة إلا على القمم .
سيادة الامين العام :
لعمرى سيادة الامين إني لاشكو إليك بثي وحزني ، وأناجيك بمشاعر النفس الانسانية ، مشاعر فتاة تصطدم ضلوعها بالجدران التي تطوقها ، وهي تتوق إلى انبلاج الضوء من رحم الظلام ، وانقشاع الحقيقة من بطن الغموض . فهل لك أن تكفكف دموعي ، ودموع شعب ابتلي بالعجز عن مكافأة المستبد . فلربما كلمة تلد تاريخ جيل .
احترامي لشخصكم وللمنظمة
الليبية
قوانتنامو بنغازى - ليبيا – 2009
( قصاصات قادتني الى الزنزانة ..) من كتابي مذكرات سجين


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق