الاثنين، 7 أبريل 2025

وداع الرفاق

 



     ذو قلم رصين ، لكنه في  غالب الاحيان حرون عن رصف الحروف ، يفضل الصمت ،  جمعتنا اروقة الجمعية الليبية لسجناء الراي ، في امسية عذبة المذاق ، اعاتبه على لجم قلمه ، ويتحجج بالوقت ، وعندما فاض الكيل ، جاءت كلماته متخمة بالجراح ، ومشاعر تفيض حزنا دفين ،  وشعور بالغربة داخل الوطن ،  استشعرت انه عجز عن كبح جماح الذاكرة ، مع رغبة  في طي رعب اللحظات التي ما انفكت تطارده ، ولعلها محاولة منه لنسيان ما حدث .

     صور عسيرة على المتابعة ، عندما اقتحم الجنود  منزل الاسرة ، واقتادوني مكبلا ، شعرت ان صخرة قد سحقت صدري .. لقد حل الألم والفزع ، ولم استطع ان انطق بكلمة . اخبرت نفسي ان ذلك ربما كان محض  تخيل ، انه الانكسار .. لقد توقف عقلي ولم استطع التفكير .. وبات الاسى الذي يجتاح نفسي يتزايد سريعا ..حزني فصلني عن العالم  .. اقدر قيمة الحصول على فرصة بأن تقول وداعا ،

 تزاحمت الكلمات في ذهني بلا معنى ، ولم استطع تكوين جملة مفيدة .. موقف بائس تماما لن تزيده المقاومة إلا بؤسا .. لا يمكنني الصراخ ، فلا يوجد هواء كاف في رئتي . شعرت وكاني تجمدت مع الزمن .

    في تلك اللحظة أصبح  كل شيء حقيقيا ، ومن الجميل أن أشعر اليوم بأنني على قيد الحياة مرة أخرى . أنا أعيش حلمًا.

.     الاستاذ سعد نصر .. سجين راي   " بوسليم " تهمته ان في نظراته شيء من الرفض .. وقيل تفوه بكلمات ، وفي رواية اخرى ان سحنته نطقت صمتا .  المؤكد ان احدهم كتب ذلك في تقريره اليومي وبالتفصيل .. لذا كانت عقوبته مخففة .. فقط سبعة سنوات خلف القضبان .

     قصة حقيقية مؤلمة عن رفيق سجنه  ،  تروي رحلة يائسة وجريئة نحو الحرية .. في ليلة مظلمة حالكة السواد  ، وسط عاصفة عاتية ، قبض عليه واودع سجن ابوسليم المرعب ، انه الرفيق عبدالعاطي البرغثي .. ظل انيس زنزانته لزمن طويل في هذا المعتقل الرهيب ..  تشاركا  ذات الفراش ، بطانية رثة ، جمعتهم مسامرات  كانت  البلسم لتمضية الوقت المر .. ويوم ان رحل بعدما قاسى المرض لوقت طويل ، ولم تجدي توسلاته للعلاج ، وما كان بجواره سواه ، لقد ترك في النفس غصة لا تنسى . كان قد اخبره  كم هو في لهفة لقدوم المولود الاول . لكن الزبانية كانوا في انتظاره . وؤد حلمه في اول بارقة امل ،  انفطعت عنه اخبار الاسرة والاهل ، غاب ولم تكتحل عيناه برؤية كريمته ، ابنته البكر  التي لطالما تمنى رؤيتها ، لقد فات الأوان ، وباتت أحلامه مجرد غيوم عابرة لم تمطر .

   يصف سعد نصر اللحظة قائلا : " سكنه الألم ، يقارع صلادة الجدران علي منسأة صبره ، انطوي علي وجعه ، كنت أصحو في بعض الأوقات من الليل أجده جالساً شاخصاً ببصره صوب الجدار ..أقول له  ( ما أقسي لياليك يا بوسليم ) ، يلتفت نحوي دون ابتسامه أو كلمة ، لكن لغة العيون ملاء بالحزن الصامت ، هذا الحزن الذي ينهش النفس من الداخل ، يعتصرها في ظلمة هذا المكان ، مرت رتابة المشهد لسنوات ، نهارنا كليلنا ، انهكته الأوجاع وهزل جسده ، دب باوصاله العجز  ، حاولنا كثيراً نتوسل نقله الى المستشفي ، لكن استغاثتنا في كل مرة ، ترتطم بجدار قسوتهم ، وفي ذلك المساء ، أشار لي بيده وبصوت أقوي من صوته في الأيام الماضية ، وكأنه يستعجلني ! قائلاً سامحوني أتعبتكم ، أمسكت يده ضاغطاً عليها ، شعرت بوهن يده ، نظر لي نظرة شاخصة ، وزفر زفرة صارخة  ، وفاضت روحه بين يدي ، بكي الجميع ، وتحول نشيج البكاء عند البعض الى عويل ، هاجت كل الزنازين بالطرق علي الأبواب " .

      لا زال طيف عبدالعاطي يلاحقه ، في صحوه وسباته ، كلماته الاخيرة وهو يحتضر ، اعذرني لقد اتعبتك كثيرا " ، ولا زالت ذكراه تنزف دمعة سخية كلما جاء على ذكره .

        صفحات غارقة في الدموع ، ذكرني رحيله بالخطاب الذي ألقاه سقراط دفاعًا عن نفسه ضدّ تهمتي الكفر والفساد ، اي عدم إيمانه بالآلهة التي تؤمن بها المدينة ، بل بآلهةٍ أخرى جديدة على أثينا ، وإفساده للشباب من خلال تلقينهم اهمية التفكير بأنفسهم ، ومساءلة السلطة .

    الذهاب إلى سجن " بوسليم ، أشبه بالذهاب إلى المريخ ، لا شيء تعرفه عن ما يجري بالخارج ، الشيء الوحيد الذي تتعلمه  ،  أنك لا ترغب في البقاء هناك حبيس تلك الجدران اكثر مما بقيت .            

      لا سبيل للفوز ،  كل ما عليك فعله  التحلي بالصبر ، لا تتوقع أبدًا الشفقة ، أو التعاطف  ، أعلم أنه قاسٍ وغير سار ،  اعلم ان الحاكم المستبد لا يتورع في فعل أي شيء من أجل البقاء في السلطة  ،  وفي الغالب اول خطوة يقدم عليها ، سجن المعارضين  الذين ينشرون فساده ، ويشككون في عدم كفاءته . وقد يقدم على إعدامهم  بدلاً من مجرد حبسهم ، وان كان ذلك سيجعل منهم رموز اكثر قوة .، وقد يستهدف عائلاتهم أيضًا .

       إن كونك سجين رأي تجربة صعبة للغاية ومؤلمة ، قد تواجه  الحبس الانفرادي في ظروف قاسية ، الشعور بالعزلة واليأس ، والافتقار إلى التفاعل الاجتماعي والدعم ، وسوء المعاملة ،  وما يترتب على ذلك من آثار نفسية وخيمة وطويلة الامد ، القلق ، الاكتئاب ،  ناهيك عن فقدان حقوقك الإنسانية الأساسية كالحق في المحاكمة العادلة ، وحرية التعبير  ، والرعاية الطبية الكافية .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

هرطقات القذافي