ذو قلم رصين ، لكنه في غالب الاحيان حرون عن رصف الحروف ، يفضل الصمت ، جمعتنا اروقة الجمعية الليبية لسجناء الراي ، في امسية عذبة المذاق ، اعاتبه على لجم قلمه ، ويتحجج بالوقت ، وعندما فاض الكيل ، جاءت كلماته متخمة بالجراح ، ومشاعر تفيض حزنا دفين ، وشعور بالغربة داخل الوطن ، استشعرت انه عجز عن كبح جماح الذاكرة ، مع رغبة في طي رعب اللحظات التي ما انفكت تطارده ، ولعلها محاولة منه لنسيان ما حدث .
صور عسيرة على المتابعة ، عندما اقتحم الجنود منزل الاسرة ، واقتادوني مكبلا ، شعرت ان صخرة قد سحقت صدري .. لقد حل الألم والفزع ، ولم استطع ان انطق بكلمة . اخبرت نفسي ان ذلك ربما كان محض تخيل ، انه الانكسار .. لقد توقف عقلي ولم استطع التفكير .. وبات الاسى الذي يجتاح نفسي يتزايد سريعا ..حزني فصلني عن العالم .. اقدر قيمة الحصول على فرصة بأن تقول وداعا ،
تزاحمت الكلمات في ذهني بلا معنى ، ولم استطع تكوين جملة مفيدة .. موقف بائس تماما لن تزيده المقاومة إلا بؤسا .. لا يمكنني الصراخ ، فلا يوجد هواء كاف في رئتي . شعرت وكاني تجمدت مع الزمن .
في تلك اللحظة أصبح كل شيء حقيقيا ، ومن الجميل أن أشعر اليوم بأنني على قيد الحياة مرة أخرى . أنا أعيش حلمًا.
. الاستاذ سعد نصر .. سجين راي " بوسليم " تهمته ان في نظراته شيء من الرفض .. وقيل تفوه بكلمات ، وفي رواية اخرى ان سحنته نطقت صمتا . المؤكد ان احدهم كتب ذلك في تقريره اليومي وبالتفصيل .. لذا كانت عقوبته مخففة .. فقط سبعة سنوات خلف القضبان .
قصة حقيقية مؤلمة عن رفيق سجنه ، تروي رحلة يائسة وجريئة نحو الحرية .. في ليلة مظلمة حالكة السواد ، وسط عاصفة عاتية ، قبض عليه واودع سجن ابوسليم المرعب ، انه الرفيق عبدالعاطي البرغثي .. ظل انيس زنزانته لزمن طويل في هذا المعتقل الرهيب .. تشاركا ذات الفراش ، بطانية رثة ، جمعتهم مسامرات كانت البلسم لتمضية الوقت المر .. ويوم ان رحل بعدما قاسى المرض لوقت طويل ، ولم تجدي توسلاته للعلاج ، وما كان بجواره سواه ، لقد ترك في النفس غصة لا تنسى . كان قد اخبره كم هو في لهفة لقدوم المولود الاول . لكن الزبانية كانوا في انتظاره . وؤد حلمه في اول بارقة امل ، انفطعت عنه اخبار الاسرة والاهل ، غاب ولم تكتحل عيناه برؤية كريمته ، ابنته البكر التي لطالما تمنى رؤيتها ، لقد فات الأوان ، وباتت أحلامه مجرد غيوم عابرة لم تمطر .
يصف سعد نصر اللحظة قائلا : " سكنه الألم ، يقارع صلادة الجدران علي منسأة صبره ، انطوي علي وجعه ، كنت أصحو في بعض الأوقات من الليل أجده جالساً شاخصاً ببصره صوب الجدار ..أقول له ( ما أقسي لياليك يا بوسليم ) ، يلتفت نحوي دون ابتسامه أو كلمة ، لكن لغة العيون ملاء بالحزن الصامت ، هذا الحزن الذي ينهش النفس من الداخل ، يعتصرها في ظلمة هذا المكان ، مرت رتابة المشهد لسنوات ، نهارنا كليلنا ، انهكته الأوجاع وهزل جسده ، دب باوصاله العجز ، حاولنا كثيراً نتوسل نقله الى المستشفي ، لكن استغاثتنا في كل مرة ، ترتطم بجدار قسوتهم ، وفي ذلك المساء ، أشار لي بيده وبصوت أقوي من صوته في الأيام الماضية ، وكأنه يستعجلني ! قائلاً سامحوني أتعبتكم ، أمسكت يده ضاغطاً عليها ، شعرت بوهن يده ، نظر لي نظرة شاخصة ، وزفر زفرة صارخة ، وفاضت روحه بين يدي ، بكي الجميع ، وتحول نشيج البكاء عند البعض الى عويل ، هاجت كل الزنازين بالطرق علي الأبواب " .
لا زال طيف عبدالعاطي يلاحقه ، في صحوه وسباته ، كلماته الاخيرة وهو يحتضر ، اعذرني لقد اتعبتك كثيرا " ، ولا زالت ذكراه تنزف دمعة سخية كلما جاء على ذكره .
صفحات غارقة في الدموع ، ذكرني رحيله بالخطاب الذي ألقاه سقراط دفاعًا عن نفسه ضدّ تهمتي الكفر والفساد ، اي عدم إيمانه بالآلهة التي تؤمن بها المدينة ، بل بآلهةٍ أخرى جديدة على أثينا ، وإفساده للشباب من خلال تلقينهم اهمية التفكير بأنفسهم ، ومساءلة السلطة .
الذهاب إلى سجن " بوسليم ، أشبه بالذهاب إلى المريخ ، لا شيء تعرفه عن ما يجري بالخارج ، الشيء الوحيد الذي تتعلمه ، أنك لا ترغب في البقاء هناك حبيس تلك الجدران اكثر مما بقيت .
لا سبيل للفوز ، كل ما عليك فعله التحلي بالصبر ، لا تتوقع أبدًا الشفقة ، أو التعاطف ، أعلم أنه قاسٍ وغير سار ، اعلم ان الحاكم المستبد لا يتورع في فعل أي شيء من أجل البقاء في السلطة ، وفي الغالب اول خطوة يقدم عليها ، سجن المعارضين الذين ينشرون فساده ، ويشككون في عدم كفاءته . وقد يقدم على إعدامهم بدلاً من مجرد حبسهم ، وان كان ذلك سيجعل منهم رموز اكثر قوة .، وقد يستهدف عائلاتهم أيضًا .
إن كونك سجين رأي تجربة صعبة للغاية ومؤلمة ، قد تواجه الحبس الانفرادي في ظروف قاسية ، الشعور بالعزلة واليأس ، والافتقار إلى التفاعل الاجتماعي والدعم ، وسوء المعاملة ، وما يترتب على ذلك من آثار نفسية وخيمة وطويلة الامد ، القلق ، الاكتئاب ، ناهيك عن فقدان حقوقك الإنسانية الأساسية كالحق في المحاكمة العادلة ، وحرية التعبير ، والرعاية الطبية الكافية .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق