سجن أبي سليم، خفايا وأحداث كثيرة لم يعُرف إلا بعضها إلى حد الآن ولو بقينا نتحدث ونبحث عن الحقائق وما حصل داخل تلك الأسوار منذ أن بنيت حتى تم تحرير السجناء منها فلن نتوقف بذلك على الأقل في الفترة الحالية .. مادمنا أحياء سوف يخرج علينا بين الحين والآخر وسنسمع عن أشخاص أصحاب قصص وقضايا بهذا المكان .. مآسي وأحداث وتعذيب لم يخطر على بال شخص ما حصل داخل سجن أبي سليم وكأنه عالم آخر، في الوقت الذي كنا نعيش فيه وليس بيننا وبينهم سوى بعض الأمتار فقط فوالله لو سمعنا حقائقهم في حينها لخرجنا على بكرة أبينا في وجه الظلم والطغيان كما خرجنا يوم 17 فبراير .
قصص لو رويت على مسامع الرضيع لأصبح شائباً .. قصص الشهداء وما عانوه في الداخل التي خرجت حقائقها على لسان شاهد مازال حياً .
حكاية سجين
سالم عبد القادر هارون من مدينة الشاطئ مواليد 1955، عنوان لحكاية سجين من الجنوب من سجناء أبي سليم.
يقول هارون:” بدأت معارضتي للنظام السابق منذ دراستي في الثانوية العامة، كانت أول مظاهرة شاركت فيها سنة 1977 وتتعلق برفض فرض التدريب العسكري العام على طلبة الجامعة والثانويات لأن فترة هذا التدريب أسبوع والدراسة شهر وفي فترة الصيف التدريب مكثف لمدة ثلاثة أشهر”.
وأضاف:” بعد ذلك دخلت الجامعة في سنة 1975-1976 في شهر 11 وشاركت في أول اعتصام تم في جامعة طرابلس، وكان الاعتصام اعتراضاً على تدخل السلطات الليبية في انتخابات اتحاد الطلبة في جامعة بنغازي، بعد ذلك في يناير سنة 1976 قمنا بأداء صلاة الغائب على من قتلوا في جامعة بنغازي الذين قتلهم عبد الله السنوسي وحسن إشكال في ميدان الشجرة من بينهم موفق الخياط وشخص آخر، حينها تم قفل الطريق علينا من قبل الحكومة وأخبرنا ضابط في الشرطة بأن لديه أوامر بقتل كل من يريد التظاهر أمام كلية التربية الحالية .
وتابع :” وفي يوم 6/أبريل /1976 خرجنا في مظاهرة في جامعة طرابلس أمام كلية الهندسة وحضر عبد السلام جلود في ذلك الوقت وأطلق ستة رصاصات من مسدس كان بحوزته ومرّ من أمام الكلية الساعة 11 إلى 5 وكان مخموراً وقال لنا الساحة التي امتلأت اليوم ستمتلئ بالدماء غداً “.
وتابع قوله:” اجتمعنا في اليوم الثاني في الساحة وقال سنخرج في مظاهرة للقيادة أنا كنت في السنة الأولى آنذاك وكان طلبة السنة الثانية والثالثة والرابعة موجودون في بيوت الطلبة وعدد الطلبة الذين كانوا مع الطاغية قليل جداً ما يقارب 150 شخصاً فعندما قام هؤلاء بتغيير اتجاههم أنا انحزت إلى الشباب الكبار وأتذكر الدكتور أحمد الريفي كان يهتف يقول ليبيا ليبيا ونحن نحمل علم الاستقلال ، منذ تلك اللحظة دخلنا مرحلة تحدٍ لأتباع النظام وكان أغلبهم من طلبة الثانويات الذي يقومون بإحضارهم في ذلك الوقت”.
المضايقات
وأضاف:” لم يكن في طرابلس أكثر من 12 معهداً ثانوياً ونحن بدورنا قمنا باخراجهم من ساحة كلية الهندسة برميهم بالحجارة وقابلونا بأسلحة الدعم، تعرض مجموعة منهم للجروح وتمت محاصرة أربعة أشخاص في الجامعة وتم نقل حوالي 204 شخصاً إلى مركز الأوسط وتم طرد عديد الطلبة من جميع الكليات بعضهم من طرد سنة واحدة وبعضهم من طرد نهائياً وأنا لم أطرد .
بعدها أكملت دراستي في كلية الزراعة ، بعد ذلك قدم إليّ الدكتور محمد زيدان وأخبرني بأن الدكتور عقيم وعبد القادر الهلالي، يريدان مني تقديم الاعتذار أنا رفضت رفضاً باتاً.. ثم في الصيف شاركنا في المعسكر الأول الذي انطلقت منه حركة اللجان الثورية في شهر 7 بتاجوراء ومنها انطلقت الحركة التي سميت العصر الأحمر، والأشخاص الذين شاركوا مع الطاغية تم اختيارهم ليكونوا موجهين للمعسكرات اللاحقة، بعد ذلك تم تكريمهم وأصبحوا دكاترة ، وفي السنة الثانية انتقلت إلى جامعة بنغازي كلية الزراعة البيضاء سنة 1977 درست السنة الثانية والثالثة والرابعة هناك وكانت الكلية في حينها جديدة ولم يكن هناك سيطرة من قبل الجهات الأمنية فلم تتم ملاحقتنا “.
تخرجنا في سنة 1979 تخصص اقتصاد وتسويق، وكنت الأول على الدفعة، تم تعييني مهندساً في الزراعة واشتغلت معيداً في الجامعة وبقيت في مدينة البيضاء لمدة سنة، ثم تم إيفادي إيفاداً داخلياً للدراسة في طرابلس ونظراً لعدم وجود تخصصي في ذلك الوقت قمت بتغيير تخصصي إلى وقاية نبات ثم تم إيفادي للدراسة في الخارج “.
عراقيل السفر
وتابع :” وعند قيامي بإتمام إجراءات السفر وجدت نفسي ممنوعاً من السفر، ومع ذلك بفضل الله سافرت إلى كندا وانضممت إلى الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا ، وفي سنة 1983 سافرت إلى أمريكا لحضور مؤتمر اتحاد الطلبة المعارضين هناك وبعدها انتقلت إلى بريطانيا وباشرت نشاطي كعضو في الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا وكعضو في الجماعة الإسلامية الليبية داخل الجبهة”.
وقال:” مشاركتي في هذه الجبهة كانت بفعل الدكتور محمد يوسف المقريف وجمعة القماطي، عاشور الشامس، في سنة 1984 قمنا بالتخطيط للانقلاب على باب العزيزية، وفي سنة 1985 كانت خطتنا لمحاولة قتل الطاغية وقلب نظام الحكم وكنا نريد القضاء عليه في ليبيا ولكن الجبهة استنفرت رجالها وذهبنا إلى الجزائر”.
وأضاف:” كان معنا الدكتور نعيم عاشور وبالتحديد ذهابنا كان إلى المعسكريْن معسكر عمل مدني، معسكر عمل عسكري، فأنا تواجدت في المعسكرين بحكم مستواي التعليمي ثم انضممنا إلى قوات ومهام خاصة ومضينا إلى الحدود الليبية الجزائرية ولكن قدر الله وما شاء فعل،فالمجموعة التي تشكلت لقتل الطاغية فشلت خطتها، بعدها سافرنا إلى مصر وسجنت هناك لمدة ثلاثة أسابيع وأنا دخلت بضمانة رئيس جمهورية ونحن و مصر لم نكن أصدقاء، الحكومة المصرية لا تثق بنا فكان في اعتقادهم أننا من المخابرات الليبية من نفس الجبهة لأنني أحمل جواز سفر جديد فأنا كنت أحضّر الدكتوارة في بريطانيا فتم سجني ثم بعثُت إلى سويسرا ومن سويسرا سافرت إلى يوغسلافيا وحاولت الرجوع إلى بريطانيا لأن التأشيرة انتهت ونظراً لمشاركتي في الناشطين أصبح لدي حق اللجوء في أوروبا كلها، فالإنجليز لا يريدون لي أن أرجع إلى بريطانيا على الرغم من أن لدي حق العودة ولكن التأشيرة انتهت والمدة المعمول بها أي أن الڤيزا سارية، وهم عندهم نظام إذا خرجت لا تستطيع العودة وبدأت في المماطلة، وفي يوغسلافيا لم أستطع أن أقدم للتأشيرة فذهبت للمجر وقدمت تأشيرتي ووجدت هناك ليبيين ثوريين مطرودين من كندا، فسافرت إلى بولندا و في بولندا طاردتني المخابرات الليبية للقبض عليّ فقمت بالهرب إلى سويسرا ومنها رجعت إلى يوغسلافيا وهناك تم سجني من قبل حكومة يوغسلافيا بحكم تنقلي من مكان إلى مكان وفي اعتقادهم أنني من الإسلاميين التابعين لسراييفو وكانت سراييفو تستعد للانفصال عن يوغسلافيا للإسلاميين وسجنت في سراييفو أيضاً “.
محاولة للقفز
وتابع :”ثم صدر حكم بسجني لمدة ثلاثة أسابيع بتهمة دخول البلاد بجواز سفر مزور بعدما تم ترحيلي من يوغسلافيا في الطائرة إلى ليبيا كان ذلك موثقا بتاريخ 15-5-1986، كنت أعتقد أنه سيتم قتلي مباشرة باعتباري المتهم الوحيد في أحداث قضية في ذلك الوقت للانقلاب ضد حكم الطاغية وقتله.. من خلال حديثي معهم قمت باللف والدوران عليهم وقام بالتحقيق معي عبدالرزاق الشح، والطاهر الزروق وقبلهم حقق معي شخص يُدعى أحمد الفيتوري وحقيقة كانوا محترمين معي. وتمت إجراءات التحقيق معي في القسم الخاص وتم سجني كذلك في السجن الخاص بالهضبة بجانب كلية الشرطة ونظراً لمستواي التعليمي أدعيت أنني لا علاقة لي بالمعارضين وإنما تواجدت معهم واعترفت بأنني كنت أعارض الطاغية ولم أنضم إلى أي تنظيم حفاظًا على مهنتي وبقيت على هذه الحال أربع سنوات.. وفي سنة 1988 عندما قرر الطاغية الإفراج عن السجناء كذب في ذلك وقال إنه قام بالإفراج عن جميع السجناء وأبقى مئة شخص، وفي الحقيقة كان عدد السجناء الذين أبقاهم ليسوا 100 وإنما 250 تقريبًا، بعد ذلك شكلت لجنة برئاسة عبدالله السنوسي للنظر في الأشخاص الذين أبقاهم تصديقًا لادعاءات المقبور ووقعت اختلافات على أصحاب الكفاءات والشهادات العليا وبقيت معهم لمدة سنتين ، وفي سنة 1990 استلم التحقيق عبدالعزيز المقريف وجمال مطر وأنا كان اسمي الحركي إبراهيم الواكدي، وعبدالعزيز اعترف على أنني كنت عضوًا أساسيًا في التنظيم وعضواً في الفدائيين وكنت قائد مجموعة فتم التحقيق من قبل أشخاص أذكرهم أحمد ابراهيم، وحنيش، المجذوب، القانقا، وخيري خالد، أجرى أحمد إبراهيم التحقيق معي وسألني هل مازلت على ولاء لجماعتك أم أن الأمر فات وانتهى؟..
أجبته بأنني لازلت ومنذ خمس سنوات معهم، ولم أتعرض للضرب والأسر والتعذيب، بعدها تم تغيير تصنيفي باعتبار أن تصنيفاتنا تختلف لأننا مئة شخص ومنا من استعمل السلاح، ومنهم من نسبت إليه عدة تهم وأنا وجهت لي حوالي 9 تهم عقوبتها الإعدام أو المؤبد ومنها قلب النظام، محاولة قتل القذافي، تجنيد..
بقيت على هذه الحال مع زملائي الذي يسمون مجموعة المئة وبدأنا معًا من سنة 1987إلى 1993 ما بين موت وإفراجات.. وبقينا هكذا حتى ظهرت قضية لوكربي والانتفاضة الثلاثية في لندن واشترط عليهم الإفراج عن السجناء القدامى وأنا أقل شخص سجنت لمدة 17 سنة وباقي زملائي منهم أحمد الزبير قضى فترة سجن 31 سنة وجماعة حزب التحرير حسن القصبي والأزهري والترهوني، والعكرمي قضوا 30 سنة تفاوضوا علينا للخروج داخل السجن وتم الإفراج عن 30 سجيناً كإثبات للنية في السنة الأولى.
شروط
اشترطنا أن نخرج معززين مكرمين وترجع لنا حقوقنا ونعود إلى أعمالنا وحق السفر، تمت الموافقة على ذلك وجاء إلينا المدعو التهامي خالد عندما كان الطاغية يلقي خطابه في سبها ليلاً وسألنا ما هي شروطنا أجبنا بتحقيق الشروط السابق ذكرها والموافقة عليها فوافق عليها وقال لنا أنا لدي شرط أنتم أصحاب فكر، أنا لا أطالبكم بإزالة الأفكار التي تجول في رؤوسكم، ولكن أطالبكم بأن تبقوا هذه الأفكار جامدة دون تحريك وعدم الدعوة ضد النظام فوافقنا على ذلك وتمت الموافقة على شروطنا وتم إرجاعنا لأعمالنا وطول المدة لم نتعرض لأي نوع من أنواع المضايقات..
أما عن قصتي في سجن أبي سليم فقد خرجت من السجن 2-9-2002، وأثناء وجودي في السجن سنة 1990 تم عزلي في عنبر لوحدي لمدة شهر ونصف، وعن قضيتي عن جبهة إجدابيا وهي عبارة عن محاولة جبهة وكذلك بني وليد هذه كلها قضايا قامت بها الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا وهي التي قامت بمحاولة 1984 ثم محاولة 1990 عن طريق مجموعة إجدابيا ومن بنغازي وغيرها ثم محاولة 1993 عن طريق مجموعة من ورفلة ومجموعة من ككلة ومجموعة من الكفرة..
وتابع:” في سنة 1990 تم وضعي لوحدي بعدها أحضروا مجموعة إجدابيا وتم وضعهم معي وتم نقلي بالخطأ ولحسن الحظ بقيت مع سجناء الجماعات الإسلامية، المسجونون من سنة 1989 إلى سنة 1996 و بقيت معهم ما يقارب 5 أو 6 سنوات وهم ما يقال عنهم الجماعات الإسلامية، ولكن الحقيقة هي القضايا التي صنفت إسلامية والدليل على ذلك لدينا بعض الأشخاص من بينهم أبوبكر الناكوع، وعبد السلام الزنتاني، صنف أحدهما بتهمة سياسية والآخر إسلامية بقيت معهم خمس سنوات وكانت شهرتي في السجن (أبو أيمن) وكنت أقوم بتهريب الرسائل من السجناء إلى أهاليهم وبقيت على هذه الحال وكانت معاملتي تختلف عن باقي السجناء وذلك كان بقرار من الطاغية وكنت أزور أهلي وأهلي يأتون لزيارتي كما أقوم بتهريب الرسائل لأهل السجناء الذين لا يعلمون بمصير أبنائهم أحياء أم أموات..
ومن سنة1991 إلى سنة 1995 بقيت في السجن الانفرادي أصبت بمرض السل وكنت أول سجين يصاب بالسل في السجن تم علاجي في مستشفى أبي ستة للصدرية، وبقيت هناك لمدة شهرين وكنت مقيدا بالأصفاد الحديدية بالسرير بعد ذلك توالت الإصابات وتفشى الوباء داخل السجن وأكملت مدة سجني في أبوسليم وقبل المجزرة الوحشية بستة أشهر تم نقلي إلى سجن آخر وتم وضعي داخل عنبر مقابل لجماعتي ولكنني لست معهم وبدأت قصة أبي سليم و تم إخباري بأنه سيحدث شيء “.
بداية الجريمة
وفي يوم الجمعة 29 / 6 / 1996 سمعت إطلاق نار فاتجهت إلى الشباك وهو مرتفع وبه فتحة صغيرة جداً شاهدت من خلالها أشخاصا يقومون بإطلاق النار من فوق المبنى ويطلقون النار على الأبواب التي تطل على الساحات وذلك لمنع السجناء من التحرك داخل الممر واستمر ذلك لمدة نصف الساعة وبعدها توقف إطلاق النار عندها شاهدت علي أبوشعالة وعامر المسلاتي المعاون الخيري وآمر السجن صعدوا إلى فوق عنبر رقم 2 ويمسكون سلاح نوع كلاشن ويطلبون إحضار الشخص الذي يدعى «الدوالي» أمير أمراء الجماعة الإسلامية للعنبر 6 بعد ذلك تم إخبارنا بما يحصل في هذه اللحظة حيث تمت مطالبتهم بإخراج مفاوضين من كل عنبر فخرج الشيخ / محمد عبدالعال كان في عنبر 3 وخرج الدكتور محمد إبراهيم أبو سدرة من عنبر 5 والشيخ مفتاح الدوالي من عنبر 6 وكان معه مفتاح الغناي وكذلك الشيخ جمعة الشماخي من عنبر (4) والشيخ عبدالوهاب قايد ومفتاح الدوالي كانوا أمراء الجماعة الآخرين مقاتلين، اجتمع معهم عبدالله السنوسي وأجرى الحوار معهم وسألهم لماذا فعلوا ما فعلوا وأجابهم بأننا كنا نعمل على تحسين أوضاعكم وبالفعل كان عبدالله السنوسي ينوي ذلك من خلال الزيارة التي قام بها في السجن وصرح الأخير على ما فعله عنبر 4 وبأنهم سيعانون نتيجة ما فعلوه بالإضافة إلى عنبر 3 و5 و6 وتمت المفاوضة ما بين عبدالله السنوسي والمفاوضين من كل عنبر عن مطالبهم بخصوص المساجين المرضى الأشخاص غير المحكومين فاستجاب لهم.
بالنسبة للمرضى قام بتكليف أحد أعوانه بحجز 120 سرير في مستشفى صلاح الدين أما المحاكمات فقال لا أعدكم بها أما الزيارة فسأعيد النظر فيها فطلب المفاوضون من عبدالله السنوسي شهوداً على كلامه فقال لهم أنا أستطيع أن أحضر شهودا ولكن بعدها أنا أعمل ما أريد وهذا الأمر لا حاجة له وتم الاتفاق على إخراج المرضى وأحضرت لهم حافلات ودخل الشيخ محمد عبدالعال في عنبر 3 وقفل عليه وكذلك عنبر 4و5 و6 لكن باقي المفاوضين عند الساعة الثانية صباحاً أخذوا إلى مكان آخر وأكثر عنبر تعرض للمعاناة ممنوعين من الزيارة لكن يأتيهم شحن كل شهر وكذلك عنبر 5 و 6 وكانت موجودة بعض المحاكمات لكن عنبر 4 الذي بدأ في التمرد هؤلاء المسجونون أغلبهم من الجماعات الإسلامية المقاتلة وكثرت الأقفال فكانوا يعاملون معاملة سيئة من حيث تقديم الوجبات وكانوا يعانون من الأمراض وأذكر ما قاموا به أنهم قاموا بضرب شخص من الأمن الشعبي بطرابلس توفي وكذلك المدعو خليفة المقطوف وهو الآن موجود لدينا وسجين ومن ورائه توفي اثنان وعطية الصغير وقد هرب إلى عنبر 5 وتوفي علي الصرماني الذي هرب إلى غرفة الخدمات وللعلم أن السجن لا يوجد به سلاح وبالتالي ادعاء الناس باستعمال وأخذ السلاح باطل والسجن لا يدخله السلاح لأن الحراس موزعو طعام وليسو موزعي سلاح.
بعد ذلك فتحت أقفال العنبر (3) وأحب أن أذكر أن العنبر (3) والذي كنت موجودا بداخله بعض الغرف لم تفتح ورغم ذلك تم قتلهم وأبواب الغرفة رقم (20) كان بداخلها جماعة مصراتة وهم أصدقائي لم تفتح وبالتالي قتلوا وكذلك غرفتين أخرتين يوجد بداخلهما ما يسمى سجناء الهجرة لم تفتح وقتلوا وكذلك الغرفة (3) لم تفتح والموجودون داخلها تم قتلهم والغرفة رقم (10) والموجود بها أنا والدكتور جمعة عتيقة لم تفتح وتم القتل وهناك غرف على الرغم من رفض أصحابها المشاركة في التمرد وبقوا في غرفهم إلا أنه تمت تصفيتهم وهذه العملية الشنيعة نفذت الساعة الثانية صباحاً وقفلت الأقفال علينا وعمّ الهدوء حتى الساعة الرابعة والثلث فجراً حينها جاء إبراهيم التبروري وعبدالقادر التاورغي إلى العنبر (1) لم يشاركوا في التمرد ولم يسمعوا به ورغم ذلك لحقوا بباقي العنابر وتم قتلهم وبعد ذلك أخرجوا مساجين العنبر (2) ونقلوا إلى خيم ابن النفيس ولم ينسوا العنبر (3) وسجنائه وقضاياهم أمنية وسياسية وتتمثل الأمنية في مجموعة الجواسيس والسياسية هي قضايا مصنفة سياسية وهي دينية المتهمون فيها أذكر منهم الدكتور جمعة عتيقة والشيخ محمد جويلي قضيته دينية لكن صنفت سياسية في آخر تصنيف نجا بقدرة الله.
وخرج (34) شخصا من العنبر (2) كلهم بالإضافة إلى غرفتين من العنبر (1) وأبقي على البقية في الغرف حتى الساعة الثامنة والنصف عندها أخرج شخص واحد من العنبر (3) اسمه (محمد جمعة أحمد الجامض) من سبها وهو من أقارب المدعو (قرين صالح قرين) من أعوان الطاغية تم إخراجه من قبل هذا الشخص لأنه على علم بأنه ستتم المجزرة والجريمة البشعة التي نفذها الطاغية وأعوانه بلا رحمة وبلا شفقة وعبدالله السنوسي هو من قاد هذه العملية والذي أعطى قرار القتل عبدالله السنوسي وقرين صالح قرين، والهنشيري، وموسى كوسا، وفي مساء يوم الجمعة بعد المغرب بالتحديد أحضروا عناصر من الكتيبة الخاصة بالمدعو منصور ضوء، وقضوا الليلة فوق السجن وفي أيديهم البنادق وفي يوم السبت الموافق 30 / 6/ 1996 شاهدت الجناة يصعدون فوق ساحة السجن أمام العنبر (3) وبدأ إطلاق النار باتجاه الأسفل والسجناء تحت، وكان الإطلاق لمدة ساعة وثلث دون توقف وأنا كنت أعتقد أن ذلك ما هو إلا تخويف.
دماء تسيل
وبدأت عملية القتل عند تمام الساعة السابعة صباحاً حيث تم إخراج المرحوم أحمد السفتي من العنبر المقابل لعنبرنا وكذلك المرحوم فتحي الشاعري ثم تم إخراجه من العنبر الذي كان فيه (16) شخصا وهم بقايا أحداث الجبل الأحضر كلهم مصابون فاقدون أطرافهم ما عدا شخصان واحد فاقد يده، وهذان عندما تم إخراجهما الساعة التاسعة والنصف تم إطلاق النار عليهما بإعدامهما ثم علمت فيما بعد أنه تم إعدام جرحى من الجهة الأخرى من السجن والذي نفذ ذلك شخص يدعى مسعود الشيب وكذلك تم إعدام (9) أشخاص وهم الأشخاص الذين حاولوا الهروب في سنة 1995 هذه المحاولة كانت من محمد أبوشمة ولم يتم إعدامه وشخصين توفوا و(9) أشخاص تم إعدامهم حوالي (25) شخصا تم إخراجهم من العنبر الموجود به أنا وتم قتلهم بالإضافة إلى المرحوم أحمد السوسي وهو من الجماعات الأمنية الذي قتله عبدالله السنوسي لأنهم كانوا يريدون منه أن يتحمل مسؤولية لوكربي.
وأنا من السجناء القدامى من الجماعة الأمنية وفي وسنة 1988 عندما أفرج الطاغية أبقى على رؤوس القضايا بمعنى من كل قضية شخص أذكر منهم أحمد الزبير وعمر الحريري واختاروا قضايا معينة ونحن كلنا كنا حملة ماجستير ودكتوراة وقضاة ومهندسين فعندما أبقوا علينا أحياء كان إرضاءً للطاغية وأما عن المجزرة فتمت على 1234 شخصا وهناك 600 شخص لم يقتلوا لأن هناك 435 شخصا مصنفين على أنهم ((جيم) مثل محمد الحباس ومن الجماعة الأمنية حوالي 80 ومجموعة المقبوض عليهم الجدد حوالي 35 وتصنيفهم (جيم) فالسجن العسكري لم يقتل منه سوى 25 أو 27 شخصا وكان هناك شخصان وهما سالم الشارف وعمر الجديان شاهدتهما يقومان بجلب صناديق مخازن كلاشن كوف تم تسليمها للقتلة للاستمرار في القتل وإطلاق النار، هذا كانت بدايته برمي رمانتين قام برميهما المدعو منصور ضوء وبعد توقف إطلاق النار كان معي شخص (مجيحيد) عبدالله سليمان من الكفرة في الغرفة قلت له أنا أريد أن أرى الأشخاص الذين قاموا بهذه العملية وأعدهم وأول من كان في المقدمة هو منصور ضوء وكان يرتدي بدلة سفاري زيتية وكان ممسكا بيده سلاح نوع غدارة وكان معه مجموعة من حراس السجن بالإضافة إلى أشخاص من كتيبة أمحمد المقريف عددهم حوالي 90 شخصا نزلوا أمامي من السلم وعرفت بعد ذلك أن حوالي 60 شخصا آخرين نزلوا من الجهات الأخرى من السجن يعنى إجمالي الأشخاص الذين شاركوا في عملية القتل حوالي 150 شخصا تم توقف إطلاق النار بحوالي نصف ساعة ثم بدأ بإطلاق نار بالرشاش داخل السجن متقطع وذلك كان من أجل القضاء على من بقى حياً استمر حوالي ساعة ثم توقف إطلاق النار، هذا بالنسبة ليوم السبت وبقينا الأحد في هدوء وساحة السجن كانت تقدر مساحتها 6 متر العرض 10 والطول 140 وهي بعيدة عن مكان وجودي واليوم التالي لم نعد نسمع أي شيء ولم يقوموا بتقديم الأكل والماء ويوم الثلاثاء بدأت رائحة الجثث تعج بالمكان وبعد يومين قاموا بجلب سيارة (النافتا) وتم رش المكان لإخفاء رائحة الجثث المتعفنة وشاهدت الحراس يرتدون أقنعة الغاز في ثالث يوم أخذوهم، وتم دفنهم في الساحات في أماكنهم. والآن أحب أن أوضح أنني شاركت كمتطوع في القبض على الجناة وكذلك تطوع معي زملائي في السجن للقبض على القتلة ومنهم مدير السجن المدعو إبراهيم محمد التبروري وخليل حمزة وممرض السجن عبدالله وطبيب السجن محمد بنقلاديشي، وأثناء إجراء التحقيق مع هؤلاء القتلة أفادونا بأن المشاركين في العملية حوالي 400 أو 500 شخص وينتمون إلى ثلاث جهات مكتب النصر وأعضاؤه التابع للمدعو عبدالحميد السايح وهو اتحاد الشرطة العسكرية، وأعضاء كتيبة منصور ضوء وحارس السجن وبعض الأفراد من الشرطة العسكرية وأنا شاهد على ثلاث جهات وهؤلاء اعترفوا بالقضية وهي الآن تحت يد القضاء والنائب العام وكان الاعتراف بالعملية بالكامل من البداية كيف كان القتل ومن أعطى الأمر واعترفوا أن منصور ضوء كان على باب عبدالله السنوسي، كذلك وكم عدد مخازن الأسلحة التي فرغت كذلك اعترفوا عن مكان وضعهم بعد قتلهم حيث تم حفرة كبيرة خارج السجن وبقوا فيها لبعض السنوات ثم قاموا بإخراجهم وفي البداية كان قرارهم بأخذ الجثت ونقلهم إلى سيدي السايح ثم قرروا حرقهم حتى أصبحوا رماداً بعد ذلك قاموا برميهم بالبحر وهذه الاعترافات موجودة .
وأوضح :” في 2 /9 /2002خرجت عن طريق المفاوضات التي حدثت مع ليبيا أمريكا وإيطاليا وبريطانيا في لندن وذلك لحل قضية لوكربي ففي إحدى الاشتراطات هي الإفراج عن السجناء السياسيين بحجة مساعي من جمعية القذافي، وفي حقيقة الأمر أنه أفرج عنّا نتيجة لضغوطات دولية باعتبارنا سجناء قدامى وأنا قضيت في السجن « 17 » سنة، عمار مفتاح أبوصباط ، يوسف حسن ، نجم الدين التغولي .
“سالم هارون”.. ابن واحة ونزريك بوادي الشاطئ .. الجنوب الليبي .. فزان .. في حوار مع صحيفة " فسانيا " ا تحت عنوان : هارون يكشف خبايا سجن أبي سليم .. اجرى اللقاء .. علي نصر الدين .. الأربعاء، 1 يوليو 2015


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق