الاثنين، 7 أبريل 2025

كأنك معي


 

    البقاء لمدة طويلة في السجن ،  أشبه بتجميد الزمن ، الحقيقة غالبًا ما تكون غير مريحة ، لكن مواجهتها ضرورية للاستمرار في الحياة . إنها صدمة ثقافية بحتة ،  الألوان الوحيدة التي تراها في السجن هي الأسود والبرتقالي ، مؤبد ، اعدام .

     تضحك وتمزح مع  رفاق السجن  ، املا في  الحفاظ على سلامتك العقلية ، تتحسر على الزمن الضائع . وتدفع بالفكرة إلى مؤخرة ذهنك  .

       يوم امس ، اوفى الصديق صالح الدعيكي بوعده ، وكان لقاء مفعم بالبهجة ، لقاء سجناء الراي ، تحلقنا ثلاثة ثلاثة ، اوااه ما كل هذا ، " بازين شعير ، قرون فلقل خضره ، ليمونه ، شيشة بترا " ووو ، وحواديث لا تروي سوى سيرة  تلك السنين والعقود العجاف .

    لكل واحد منهم قصته المثقلة بالجراح ، كل يذكر الاخر بمواقف ولحظات مرة جمعتهم ، اتذكر عندما كنت ترتدي اربع جوارب لتقي نفسك من برد الشتاء القارس ، اتذكر ارتداءك لغلاف الفراش بحثا عن الدفء ، اتذكر عندما اصبت بداء الربو " السل " ، وجرد اللحم وبت هيكل عظمي ، كنا نتوقع موتك مع اطلالة كل صباح .

    لقاء لساعات محدودة لا تمل .. لا يمكنني الوقوف عند كل وجع ، لكن وجع الاستاذ محمد المقصبي ، كان الاكثر وقعا في النفس ، لقد اعتقل يوم 30 ابريل 1973 . ومكث في الزنزانة ثلاثون عاما  قضاها خلف الابواب الموصد ، وقعقعة المزاليج الحديدية ، تهمته الانتماء الى حزب التحرير الاسلامي ، بالمخالفة للقاعدة الدستورية التي لم تولد بعد ، " الحزبية اجهاض للديمقراطية " .

     لقد ابهجني ان اهدى لي نسخة من كتابه الذي يروي تجربته ، وشدني اليه العنوان " كانك معي " ، ونال مني الشغف اكثر بقراءته ، عندما ادركت ان الكتاب كتب اثناء وجوده بالسجن ، وانه مجرد قصاصات مهربة من داخل السجن ، ومن وراء اعين السجان ، رسائل تناجي ابنته التي تركها في عمر الاربعين يوما " وكانها معه ".

     شعرت وكأنني حيوان في قفص ، ادرك ان حركة العالم في الخارج مستمرة ، لكنني لا أعرف ماذا يحدث ، وكل ما هناك ، أنا أتقدم في العمر ، لا شيء آخر يتغير.  .  

    في يوم إطلاق سراحي ، يجب أن أقول إنه كان أمرًا مخيفًا ومربكا  ،  وسرياليًا ، بدا الأمر كما لو لم يحدث حقًا ، ولكنه حدث ، وعندما وقفت خارج السجن ، شعرت  وكأنني في المكان الخطأ ، كان علي أن أذكر نفسي باستمرار أنني لم أعد  في السجن ، إن القلق يأتي من حقيقة أننا على وشك الدخول إلى عالم تم تلقينه أن يكرهنا .

   رواية " كانك معي " مجرد ان بدأت في التصفح ، ادركت انها سجلا حافلا باوجاع وطن ، ووثيقة تاريخية تفرض على المرء قراءتها .. ولكم المني تدهور صحة الكاتب  ، انها تترجم جحود مجتمع لجهود الرواد ، وبالمثل ما انتهت اليه احوال جميع سجناء الرأي ، ( وكان لعنة القذافي تلاحقنا ) بتعبير السجين الرفيق يوسف ختريش .

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

هرطقات القذافي