الاثنين، 7 أبريل 2025

سردية السجون الليبية

     


 

   تحت عنوان " سردية السجون الليبية.. هل تغلّب الأمل؟ " كتب الاديب الرفيق سليم شطيبه مقالة تختصر سردية السجون كما رواها نخبة من سجناء الراي في لقاء تلقزيوني ، كتب يقول :

   " في أزمنة الظلم والاستبداد، عندما تُغلق كل الأبواب، ويصبح الحلم جريمة، يظهر رجالٌ لا يقبلون الانحناء، رجالٌ قرروا أن الحرية ليست مجرد كلمةٍ تُقال، بل عقيدة تُعاش، ولو كان الثمن سنواتٍ طويلة من العذاب خلف قضبان السجون. هؤلاء الرجال لم يكونوا جنودًا يحملون السلاح، بل شبابًا بالكاد تجاوزوا العشرين، كان سلاحهم الوحيد هو الكلمة، والحلم الذي لم يعرف الخوف.

   في الحوارية التي حملت عنوان "سردية السجون الليبية.. هل تغلّب الأمل؟"، اجتمع أربعة من هؤلاء الأبطال الذين لم يسمحوا للزمن بأن يُخفي حكاياتهم. يوسف ختريش، عبدالله القمودي، صالح الدعكي، سالم هارون، رووا لنا صفحاتٍ من تاريخٍ أراد البعض طمسه، لكن صوتهم ظل شاهدًا على الحقيقة. ومعهم كان هناك رفاقهم الذين تقاسموا معهم الألم والأمل، عمر الجليدي، عثمان المبروك، البشير عاشور، والهادي الغضبان، و أسماءٌ اخرى خُطّت في سجل النضال الليبي، رجالٌ عاشوا أقسى التجارب، لكنهم خرجوا منها أكثر صلابة، وأكثر إصرارًا على أن تكون ليبيا دولة مدنية، يحكمها القانون لا العسكر.

يوسف ختريش.. الأب الروحي لكل من آمن بالمدنية.

كيف يمكن لرجلٍ عاش القهر، وسُلبت منه حريته، وعُذب في سجنه، أن يخرج دون أن يحمل في قلبه حقدًا أو رغبةً في الانتقام؟ هذا هو العم يوسف ختريش، الرجل الذي لم يكن مجرد سجين رأي، بل كان وسيظل الأب الروحي لكل من آمن بالمدنية. لم يكن مجرد رجلٍ ناضل من أجل الحرية، بل كان نموذجًا للاتزان والوسطية، لم يتطرف يومًا في أفكاره، ولم يدعُ للانتقام حتى ممن ظلموه. كان يؤمن أن ليبيا لن تُبنى بالكراهية، بل بالوعي، بالحوار، بالعمل الجاد من أجل مستقبلٍ أفضل.

    العم يوسف لم يكن مجرد رجلٍ عاش التجربة ، بل كان معلمًا للأمل ، يزرعه في كل من حوله. كان يمكن له أن ينسحب بعد ما عاشه، أن يعتزل النضال بعد كل ما دفعه من ثمن، لكنه اختار أن يستمر، أن يكون صوتًا لأولئك الذين لم يعودوا، وحافزًا لأولئك الذين سيكملون الطريق.

    حين تجلس في صالون العم يوسف ، تشعر أنك في حضرة التاريخ ، ليس فقط كشاهدٍ عليه، بل كصانعٍ له. كان لنا معه حكايات وحكايات، سردها بوعي العارف وقلب المتألم، لكنه رغم كل شيء لم يكن ناقمًا، بل ظل مؤمنًا بأن النضال من أجل المدنية معركة مستمرة لا تتوقف عند سجن أو قمع. لم يكن مجرد شاهدٍ على حقبة مظلمة، بل كان جزءًا من ضوء حاول أن يخترق ذلك الظلام، ورغم السنين التي سرقها السجن، لم يستطع أن يسرق روحه الحرة.

    علّمنا العم يوسف أن الأمل لا يُقتل، وأن الحرية فكرةٌ لا تموت بالسجون. لم يكن فقط معلمًا لنا في السياسة والفكر، بل كان معلمًا في الحياة، رجلًا يجمع بين الحكمة والإنسانية، بين الثقافة العميقة والروح النقية. عندما تتحدث معه، تشعر أنك أمام بحرٍ من المعرفة، لكنه في الوقت نفسه بسيطٌ، قريبٌ من القلب، لا يتعالى على أحد، ولا يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة.

    لقد أعطانا الكثير، ليس فقط من فكره، بل من روحه، من قوته التي لم تنكسر رغم كل ما مرّ به. هو لم يُخبرنا فقط أن الأمل لا يموت، بل جعلنا نراه حيًا فيه، في كلماته، في مواقفه، في استمراره رغم كل شيء.

عبدالله القمودي.. الساخر العنيد و صوت الحقيقة.

    في كل مجموعةٍ نضالية، هناك شخصٌ يكون الروح المرحة، ذلك الذي رغم الألم، يرفض أن يسمح للحزن بأن يسيطر، وهذا كان عبدالله القمودي، الرجل الذي لم يتخلّ يومًا عن حسّه الفكاهي، حتى وهو داخل الزنزانة. كان رفاقه ينادونه "الملك"، ليس فقط بسبب حضوره القوي، بل لأنه كان صاحب موقف، وصاحب كلمة حق، يقولها بكل شجاعة أمام أي إنسان، مهما كان مقامه أو سلطته.

   السجن لم يُغيّره ، لم يُكسره، بل زاده قوة، وزاده قدرةً على الصمود. خرج منه بنفس الروح التي دخل بها، رجلٌ لم يعرف الخوف، ولم يبع قضيته، وظل حتى اليوم شامخًا، ثابتًا على مبادئه، يحمل فكر الحرية كما كان دائمًا.

صالح الدعكي.. القلم الذي لم يُكسر

    أما صالح الدعيكي، فكان قلمه هو جريمته. لم يكن جزءًا من مجموعة العم يوسف، بل كتب منشورًا بمفرده، لكن ذلك كان كافيًا ليُحاكم ويُسجن. قضى ثماني سنواتٍ في المعتقل، لكنه خرج منه أكثر إبداعًا، وأكثر إصرارًا على أن يكتب، أن يوثق، أن يجعل الأجيال القادمة تعرف ما حدث. كتب كتابه "القرية السجن"، ليكون شهادةً حيّة على تجربة السجن، وليُخبرنا أن الكلمات أقوى من القمع، وأن الفكر لا يُسجن حتى لو سُجن الجسد.

لم يكن صالح مجرد مناضل، بل كان مُعلمًا بارعًا، عاشقًا للمعرفة، ومبدعًا في الكتابة. كانت علاقته بطلابه مميزة، لأنه لم يكن يُلقّنهم الدروس، بل كان يُشعل فيهم شرارة التفكير، كان يُعلّمهم كيف يكون الإنسان حرًا، ليس فقط في جسده، بل في عقله أيضًا.

سالم هارون..العين التي رأت الموت ولم تَرمُش

    أما سالم هارون، فقد وعى مبكرًا، وانخرط في صفوف المعارضة منذ شبابه. كان شاهدًا على ما عُرف بـ 7 أبريل، وما تبعها من قمعٍ واضطهاد للطلبة. لم يكن النظام ليسمح له بأن يعيش بسلام، فكانت المخابرات تطارده، واضطر إلى مغادرة البلاد، لكنه لم يبتعد عن النضال.

    في الخارج، واصل عمله ضمن صفوف المعارضة، لكنه لم يسلم هناك أيضًا. اعتُقل، وتعرض للملاحقات، وفي النهاية، تم تسليمه إلى السلطات الليبية، ليُلقى به في السجن لمدة 17 سنة. عايش أصعب فترات السجن السياسي، وكان شاهدًا على مجزرة بوسليم، تلك المجزرة التي ستظل وصمة عارٍ في تاريخ الاستبداد الليبي.

هل تغلّب الأمل؟

   هذا هو السؤال الذي حملته الحوارية، والإجابة لم تأتِ فقط في كلمات الضيوف، بل في وجودهم نفسه، في استمرارهم رغم كل شيء. الأمل تغلب، ليس لأن الظلم لم يكن قاسيًا، بل لأن هناك رجالًا مثل العم يوسف ختريش، لم يسمحوا له بأن يقتل فيهم الحلم.

    الأمل تغلب، لأن عبدالله القمودي لا يزال يقول كلمته بشجاعة، ولأن صالح الدعيكي لا يزال يكتب، ولأن سالم هارون رغم كل ما عاشه، لم يستسلم. الأمل تغلب، لأننا اليوم نسمع أصواتهم، ونحمل رسالتهم، ونكمل الطريق الذي بدأوه.

                  

     إن نضال هؤلاء الرجال ليس مجرد تاريخٍ مضى، بل هو طريقٌ لا يزال ممتدًا. نحن اليوم نكمل ما بدأوه، نحمل المشعل الذي لم ينطفئ رغم محاولات إخماده، ونؤمن بأن المدنية ليست حلمًا مستحيلًا، بل حقٌ سيتحقق، طالما هناك رجالٌ مثل يوسف ختريش، وعبدالله القمودي، وصالح الدعكي، وطالما هناك أجيالٌ لم تتخلَ عن مبادئهم.

     لن ننساكم، ولن نخذل أحلامكم، ولن يكون نضالكم مجرد ذكرى، بل سيكون طريقًا نسير فيه حتى النهاية.

   كل الشكر والتقدير لقناة الوسط على هذه الحوارية المهمة، التي أعادت إحياء ذاكرة النضال، وجعلتنا نرى الحقيقة بعيون من عاشوها.

   وتحية خاصة إلى المثقف المناضل الأستاذ منصور بوشناف، الذي قاد هذا الحوار بذكاءٍ وعمق، وجعلنا نعيش تفاصيل هذه التجربة بكل أبعادها.

لأمثال هؤلاء الأبطال، وللأجيال التي تحمل الراية من بعدهم، نقول :

The struggle continues.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

هرطقات القذافي