الاثنين، 7 أبريل 2025

غربة وطن

 

 


 

    حزين لا يعزيه شيء مما يدور بالمحيط حولنا .. الألم الصامت يعتصر وجهه طوال الوقت .. سحنة الكأبة تكاد ترميه بتهمة الجنون .. محب للوحدة والخلوة .. شارد اللب .. مهموما شاحبا .. وكأنه يعاني اوصاب  الموت .. مع طيب المعشر ، ونبل المحتد ..  واذا كان من شأن الغم ان يرهف الشعور ويجعله صادقا ، فإنه في احلك سعات التجارب يكتفي بطمس حرقة القلب .. ولوعة النفس .. مأساة الوطن تسكن اعماق قلبه فيشاركها شجنه وحسرته .. هكذا عرفته .. اوآن الفتوة والصبا .. صديق حميم وفي .. رفيق درب طويل .. وسنين الدراسة الثانوية والجامعية والعليا .. لا يناديني باسمى ولا انا ايضا ، كلما اجتمعنا بعد برهة فراق .. الوشائج القبلية تجمعنا .. ” خال .. كيفك واخبار الدنيا ” .. “  ماشية بالدف .. يا خال .. كيفك انت ” .

     كم جلسنا في استماع الى عمه عبدالله بمكتبه بحي قعيد  .. وكم كان يحذره من صلفه وما يشاع عنه بدواوين الحكومة ” شيوعي او بالاحرى غير راضي وساخر بما يسمى اللجان الثورية ووو ” .. وكم حاول عمه ان يستثمر صداقتنا وان يخلو بي طلبا لنصح ابن اخيه .. ايام  في سبها من ذلك الزمن الغابر .

        ذات يوم فاتحني برغبته في الهجرة ومغادرة البلاد .. كان ذلك عام 1982 م .. لنشد على ايدينا سويا ونترك هذا السجن الذي لا تبدو لحظة تهشم اسواره قريبة .. لكم هدأت من ضجره .. وفي لحظة ما .. وكنا جوار بعض  فجأني بأنه حزم امتعته .. وما هي إلا سعات وسيكون خارج البلاد .. جلسنا سويا بحجرتي بالعمارات الكورية المخصصة لاساتذة وطلاب الدراسات العليا  .. وكانت لحظة الوداع الاخير .. بما حملت من ذهول وتفكر ووجوم .. حان الفراق .. الى اين ؟ .. والى متى ؟

        تنقل باختفاء خوف الملاحقة هنا وهناك .. بحثا عن لقمة الخبز الحافي .. قاسى من الآلام .. وانتهى به المطاف الى بريطانيا .. عاش هناك ما تبقى من العمر .. وانتقل الى رحمة الله ولم ينعم برؤية الوطن ثانية .. ولم تكتحل عيناه ثانية برؤية الاب والام  .. ولا الاهل والاصدقاء . .. رحمك الله يا صديقي .. واخي .. ورفيق الصبا .. رحمك الله ايها ” الخال ” .. محمد على السنوسي .. من بلدة ودان .. واحة الجفرة .. في ذكراه وذكرى اصدقاء اخرون هجروا .. فهاجروا .. التهمتهم بقاع الارض .. ولم نعد نسمع عنهم .. انها الغربة .. وعندما يتحول الوطن الى غربة .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

هرطقات القذافي