الجمعة، 29 أغسطس 2025

كلمة امين مازن في امسية التجربة السجنية



 




    الاستاذ امين مازن ، شغل زمن النظام المنهار ، نقيب الادباء والكتاب ، ليخلفه رفيقه سعد نافو ،  رغم ان كلمته اشارت الى اهمية التوثيق ، لكنها عرجت قليلا عندما اشاد بانقلاب العسكر في مصر ، بقيادة عبدالناصر ، منافحا عن القوميين كطيف سياسي ، فيما يعتبره البعض ، بل الغالبية ارهاصة هزائم الامة ، مع بزوغ عصر الانقلابات العسكرية .

    د . عبد القادر الفيتوري عضو الجمعية الليبية لسجناء الراي ، وقد اطلع على ارث الثقافي للاديب  " مازن " ، كتب لموقعنا مختصر عن رحلة الاديب ، من خلال ثلاثيته التي كتبها اوان نضجه الفكري تحت عنوان " مسارب "  ، كتب يقول :

   اديب جنوبي . ناقذ وصحفي . قدم للمكتبة الليبية ثلاثة اسفار تؤرخ وترصد حراك البيئة الثقافية والاجتماعية والسياسية بدءا من اواخر الخمسينات الى اوائل سبعينات القرن الماضي . تمازح السيرة والتاريخ والاقتباسات القيمة التي تجعل منها ذخيرة حية للمأثور الشعبي ، إبراز لمعالم مجتمع مدني ليبي بدأ يتشكل اوان الخمسينات . تنافس وتمازج عشرية الستينات . تلك هي " مسارب " امين مازن . ثلاثة اجزاء ( 1350 ) صفحة . كم هائل . قلادة نجاح لرواية سيرة  ، تكاد في جملتها تبدو قصيدة عز من تلك القصائد الشامخة التي نعرفها في قصائدنا العربية فخراً للأدباء واعتزازاً بالأبناء .

      مسارب وقد تحكم العقل في رسمها ، وانتقى الآمن منها ، وتجنب مسارب البوح الوجداني المحفوفة بالمخاطر . وبات الطائر المحلق خارج السرب ، في ذلك الزمان الذي لم يبقى منه سوى طيف باهت في ذاكرة توشك أن تتلاشى أو تضيق بما حملت عبر الزمن ، وطأة الظروف الصعبة .  لولا ان كانت الكتابة هي العاصم . استجابة جمالية لرسالة حرص على تبليغها ، وان يخرجها من حيز الكمون .

   التدفق المذهل للتفاصيل . ينبش التحول الذي أعترى سلم القيم ، صراع الحاضر وهو يستفز الماضي ويستنفره ، حسرة يا زمن . ( الحزب الوطني - مصطفى ميزران ). (حزب الجبهة الوطنية المتحدة - سالم المنتصر - أبوالاسعاد العالم من بعده ) . (حزب الكتلة الوطنية الذي انشق عن الحزب الوطني-على الفقيه حسن ) . (حزب الاتحاد المصري الطرابلسي - على رجب) . (حزب العمال - بشير بن حمزة) . (حزب الاستقلال - سالم المنتصر بعد خروجه من حزب الجبهة الوطنية المتحدة ) . (حزب المؤتمر الوطني - بشير السعداوي ) .

   ( جمعية عمر المختار- مصطفى بن عامر) . (رابطة الشباب - عبدربه الغناى ) . (الجبهة البرقاوية بنغازي) . (الرابطة الليبية - مصراته ).

         ( الأزمة الدستورية - 1954م) .. أزمة ( طريق فزان - 1960م) .. إغلاق جريدة (الليبي ) 1960م .. صراع الانتخابات النيابية وشكوك تزويرها - 1964و1965م .. اعتقال البعثيين ومحاكمتهم سنة 1961م .. اعتقال القوميين ومحاكمتهم - 1967م.. اتفاقيات القواعد البريطانية والأمريكية .. الحرب العالمية الثانية , ثورة العراق ، الوحدة المصرية السورية , الانفصال , حرب يونيو .

 ( الرواق الأدبي لنادي الشباب ) ، ( جمعية الفكر) ، ( نادي العمال ) ، ( مدرسة الفنون والصنائع الإسلامية ) ، ( نادي الاتحاد ) ، ( نادي الأهلي) ( نادي الرسامين ) ، ( الفرقة القومية للتمثيل ) ، ( فرقة الأمل للتمثيل) ، ( فرقة المسرح القومي ) ، ( نادي بلخير ) ، ( اللجنة العليا للإذاعة ) ، ( اللجنة العليا لرعاية الفنون والآداب ) ، ( المركز الثقافي البريطاني) ، (مجلة العالم ) ، ( المركز الثقافي العربي ) ، ( المعهد الثقافي الفرنسي ) ، ( معهد جوته ) .. وغيرها .. مما تتلاقفه الالسن ، في مقهى ( جنان النوار) عمق فاعلية الحضور الثقافي أدبيا وفنيا في ليبيا .. ( مقهى عبدالله ) بالجوار ، ( مقهى زرياب) ، (مقهى عروس البحر) ، ( (مقهى الخضراء ، ( مقهى الفيدات ) ، ( الفنجان الذهبي ) ، وفي اروقة الحانات الراقية والشعبية ،  فسحة مقهى ( الاورورا ) ، ومقهى ( القط الأسود) و( نادي الصيد والرماية ) ، وشارع الوادي ( عمرو بن العاصي ) شارع الثقافة والمكتبات ، ودور عرض السينما والمسرح ، وصحف تمارس لعبة ألـ ( بين بين ) ، ( الميدان) و( الحرية ) ، ( الإذاعة ) ، ( والرواد ) ، ( الليبي ) ، ( الأيام ) ، ( الشعب ) ، ( البلاغ ) . تنتقذ الواقع ، وتتحايل على العدو ، تدين الاستعمار وتشكك في القدرة على أي رد فعل .. ترفض الاستسلام دون أن تقترح أسلوبا للمقاومة .. وكل ما تلهج به حواديث الناس .

      الذاكرة تنقر في كومة قش الحياة عن ذكرى بسيطة لتعود باحثة عن المعنى والدلالة .. صدح بضمير الغائب عن هذا المستقبل الذى كان ولا يزال غائبا ، روعة الحرف الذي يصنع للإنسان سلما .. شهادة ذاتية وموضوعية ، عن فترة من اغنى فترات تاريخنا الوطني ، وقد سجل بأسلوب شفاف سفراً رائعا من اسفار تاريخنا السياسى والاجتماعى .. فكانت بصمات تضمد جراحات أيام الجمر ، بل نقطة مضيئة ، وحدثاً هاما ، وتجربة مفيدة على صعيد بداية التراكم لهذا الجنس الأدبي الجديد في بلادنا .

      يلخص لنا المهمة التي ارادها لنفسه : " ليس تاريخاً ليبحث فيه عن الإحاطة ، وليس معجما ليطلب إليه إحصاء كل الأسماء ، ولكنه نص يتخذ من بعض الأحداث مرجعية .. تجربة قلم وملحمة جيل ووثيقة عرفان .. وما من عمل كتب له الخلود في دنيا الإبداع إلا وكانت التجربة الحياتية من أهم منطلقاته ، وما من سبيل لسمو النص الأدبي إلا بما يتوفر له من التمرد على الأشكال السائدة والنزوع القوى نحو الجديد " .

     خلجات نفس ، ومحن المحيط الذابل ، الصحراء وحواضرها ، الهجر والضنى ، وشيء من عبق التاريخ ، والصراع السياسي لحظة الاستقلال وما قبلها ، هواجس تسكنه وقد طرده شظف العيش فاختار الهجرة الى العاصمة ، ونسوم ارض الجذور تلاحقه في رحلة مثخنة بالجراح ، والحزن المعتق في عينيه ، مستذكرا سنين الحر والبؤس ، والانزعاج والتململ في العيون المتعبة ، وتغير الناس زمن القحط وقد انشغل كل واحد بهمومه .

        البرد الشديد .. وقد كسا الايدي قشرة خشنة سوداء .. اما وشح الماء .. غابت المراهم .. هذا برد لا يطاق .. صور العوز والحاجة . خفقات مكتومة وسط انظمة لا تسمح بالبوح ، وذخيرة حية من المأثور والحكم واخبار التاريخ والامكنة ، تغذيها كثبان الرمال المترامية ، وسلاسل التلال القاهرة ، والقفار الوعرة ، والبراري الشاسعة ، والصيف الحارق ، وندرة الكلأ ، وحيث الامكنة تستنفر الذاكرة ، بيوت مشيدة من الحجر الطيني ، ونفاذ الزاد ، وخلو الوفاض ، وحطايا النخيل ، وجلسات السمر والمزاح في الليالي المقمرة ، ومناجاة نجوم زاهية تتلالا ، وحلقات الزوايا الصوفية ، العروسية ، الاسمرية ، ورجال ترتدي اجمل الحلل يطلقون اطيب الابخرة ويرتلون قصائدهم وأذكارهم لحظات الوجد ، و" الميعاد " واللجوء للعرف بديلا عن التقاضي درءا للخصام وسدا لأسباب التصدع والفرقة ، وكم من جراح غائرة اندملت ، وأحزان طمرت ، وكلما ازداد القلق وكبرت سحابة الحرب وقد بدأ كل شيء ثقيلا ، انبرى في الافق حلم بالأمل في السلام يداعب الجفون ، ومبنى " الكازيرما " الثكنة العسكرية الايطالية المحاط بالأسلاك الشائكة والأسوار المرتفعة والألغام ، وطفل يرتعد لمجرد مرور جندي الجندرمة ، وألوان الظلم والقهر والتهجير الجماعي سيرا على الاقدام نحو المعتقلات في شتاء قارس ، ومن جندوا قسرا الى الحرب في الحبشة ، وموسم الهجرة الى الجنوب نحو بلاد السودان ، وشرقا نحو مصر ، واسر اخرى تعذر عليها الرحيل حين داهمها الاعياء ، وتوالت عليها هجمات المرتزقة " الفلاقه " التي سلبتها كل ما تملك حتى اصبح ادراكها من قبل قوات المستعمر الغازية بمثابة الرحمة لها ، ووصف لأفعالها البشعة زمن التشردم والصراع القبلي ، " بما لا عين رأت ، ولا اذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر " ،وام مكلومة ترثي واقع الفقد ونوائب الدهر بقصيد " خرابين يا وطن ما فيك والي .. وناسك جوالي .. والبعض في المشنقه والقتالي " .

     صورة الحياة اليومية حيث الرعي وتربية الماشية ، المقايضة اسلوب التبادل ، وامور تتداخل ، واحداث تتوالى تندر بأشياء جمة ، تختلط لترسم ذاكرة طفل يافع ، وسحابة البؤس تسابق الزمن . وتجرع كؤوس المرارة وصنوف الاسى ، وشدة الحاجة وشح الموارد وقد دفع بالساكنة الى اكل " الفكريس " جمار النخيل ، وعيش القصب ، الى عادات بالية اضحت مألوفة ، من " التاقزة " و " خط الرمل " الى " قص التابعه " ، وكل ما من شأنه استشراف القادم ، وبعث الامل ، وسط حر قمطرير صيفا ، وبردا زمهرير شتاءا ، وذلك الاقبال الناشئ على حفظ القرآن ، الى لحظة انسحاب الجيش الايطالي اربعينات القرن ، واختياره فتح المخازن امام الساكنة كي لا يستفيد منها عدوه الزاحف ، والآثار الناجمة عن انفجار مخلفات الحرب ، وضحاياها من البسطاء الذين وجدوا في تجارة النحاس مصدر رزق جديد لهم ، الى حقبة الاحتلال الفرنسي والمظالم والممارسات البشعة التي تعرض لها سكان فزان ، عبورا الى لحظة الاستقلال واصدار قرار الامم المتحدة بتقرير المصير ، ومعونات القمح الامريكي ، هدية الشعب الامريكي للشعب الليبي وقد اعتبرها البعض رسالة تحمل في طياتها نوعا من الاذى للمشاعر ، فيما اخرون لم يعيروا للمسألة اي اعتبار بحكم شظف العيش والحاجة وضيق ذات اليد ، الى تفشي مرض الجدري الذي داهم فزان وذهبت على اثره ارواح الكثير من الساكنة ، وبروز مسألة الحدود الادارية للاقاليم ، وحاجة اقليم فزان لمنفذ بحري على خليج سرت اعتمادا على العلاقات التاريخية التي طالما شكلت مبدأ الارتباط بين الوسط والجنوب ، الصف الفوقي .

    حواديث المجالس ، ونظر الشيخ في مسألة الثأر القبلي الذي اشعل فتيل حروب اهلية ما كانت لتحدث ، بروح اسلامية ترنو الى الجنوح للسلم ، وتنفر من كل تلك الدماء التي سالت وتسيل ، والرقاب التي ازهقت وتزهق ، والتي لا صلة لها بمصالح الطرفين ، ولا تعدو ان تكون مجرد مشاحنات بين اثنين ادت لتلك النتائج البشعة ، وقد سيق فيها الناس كالأغنام ، وما نجم عن تلك المواجهات والانقسامات القبلية البغيضة التي بدأت يوما ما صغيرة ومحدودة ثم ما لبتت ان كبرت مع الزمن لتنتج صراعات ساذجة ، ودعوة لرجاحة العقل والتروي في سفك الدماء .

    صحيفة " نبراس الصحراء " ، وتدارس كتب التراث ، " زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم " للشيخ حبيب الله الشنقيطي ، وجمعه بين المتن والشرح القائم على المعنى والإعراب ، وكتاب " التاج الجامع للأصول في احاديث الرسول " ، للشيخ منصور ناصف ، الأكثر شمولا وربما حداثة في اعتماده على اسلوب المعاجم المستفيد من التجربة الاوروبية ، وكتاب " مقامات الحريري " والشروح المصاحبة على هامش ملحمة النص المثير والقادر على الامساك بالمتلقي ، و " حكم ابن عطا السكندري " الاكثر شاعرية وتأثيرا على الروح ، وكتاب " اطواق الذهب في المواعظ والخطب " للامام الزمخشري صاحب اللغة الفخمة والعبارة الموجزة الاكثر امساكا بذهنية الناشئة لما تزخر به من جماليات ايقاع النص ، و " متن البرزنجي " المكرس لمدح الرسول الكريم ، ولغة تسترعي راغب التفقه لتميز النص ، ومختارات السيد احمد الهاشمي للنصوص الشعرية التي ارخت لمأساة البارودي عشية رحيله من مصر في تلك النونية المعبرة : " محا البين ما ابقت عيون المها مني .. فشبت ولم اقضي اللبانة من سني .. عناء ويأس واشتياق وغربة .. ألا شد ما ألقاه في الدهر من غبن " ، ونونية ابي البقاء الرندي في رثاء الاندلس التي تنبئ وكأن ضياع الاندلس حدث لتوه وليس منذ ن مئات السنين ، وربما خيل للمرء ان استعادتها قاب قوسين او ادنى: " لكل شيء اذا ما تم نقصان .. فلا يغر بطيب العيش انسان .. هي الامور كما شاهدتها دول .. من سره زمن ساءته ازمان " ، وكتاب " نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب " للمقرئ ، وعوالم وصف الحياة الاندلسية وأعلامها ، الى تجليات الشعر الجاهلي والمعلقات السبع ، حكم زهير ، وفخر عنترة ، ووصف امرؤ القيس ، وعوالم لبيد .

    السفر الى العاصمة طرابلس .. " طرابلس يسكنها اناس انيقون " ، ومشاق الرحلة والطريق الترابي ، ومعاندة رمال بونجيم ، والسيارة الايطالية " ترينتا كواترو " ، مرورا ببئر الزعفران " بوقرين " ، وقصر حمد ، ومنحدر النقازه ، والخمس ، وصولا الى طرابلس بعطرها الفواح ، حيث الهضبة الخضراء ، شارع بالخير ، شارع بنغازي ، شارع عمر المختار ، شارع المأمون ، شارع الرشيد ، شارع العزيزية ، الرازي ، الادريسي ، المازني ، سوق الثلاثاء ، شارع لبيد ، باب الحرية ، النادي الاهلي ، حي ميزران ، الهيأة الرياضية العليا ، مصلحة المطبوعات ، اذاعة طرابلس ، زنقة " فيلليلي " ، الشوارع المكتظة بالايطاليين ، وفتاة ايطالية تخلب الالباب عبرت قبل قليل ، وشباب على الناصية يفترسونها بأعينهم ، وصور الحياة الاجتماعية والادبية ، المسرحيات التمثيلية ، صحيفة " الصراحة " ، جريدة " طرابلس " ، وكتابات ناقدة للواقع الاداري ، والممارسات اليومية بأسلوب يحمل مسحة غموض ، ودكاكين ومقاهي وحانات تتنافس على اذاعة اسطوانات النغم ، فريد الاطرش يتربع على عرش احزانه إسأل الفجر والغروب ، وعبدالحليم حافظ يخطو خطواته الاولى : صافيني مرة وجافيني مرة ولا تنسنيش كده بالمرة ، صباح ، شادية ، فائزة احمد ، ورباعيات الزجل الشعبي تخاطب شغاف القلوب ، وصحيفة " الزمان " ، وبزوغ الروح القومية والفخر بمن تطوعوا لمناصرة اخوانهم في فلسطين ، وملاحقات لشباب حزب المؤتمر اثر قيامهم بمظاهرات مناهضة لمشروع بيفن سيفورزا ، والمطالبة بالاستقلال والوحدة الوطنية . ومتابعات للأحداث السياسة الكبرى ، ونتائج مؤتمر باندونج الذي جمع زعماء قارتي اسيا وافريقيا ، واطلاق شعارات سياسية تدغدغ احلام الجماهير وطموحها نحو الحرية والعدالة والتخلص من الوجود الاجنبي . ومعانقة الثورة الجزائرية وقد علا اوارها ، ونظرة ازدراء زمن الخمسينات لذلك الجندي الامريكي الجالس بالمقهى وقد وضع ارجله على المنضدة وأطفأ عقب سيجارته بفنجان القهوة على طريقتهم ، والثورة ضد اليهود وهجرة الالاف منهم ، وسجال حول نظام الحكم الجمهوري ، والجمعية الوطنية لصياغة الدستور ، ولجنة الواحد والعشرين وتكريس النظام الاتحادي ، ومسألة تقييد سلطة الحاكم المطلقة في ندوات نادي الاتحاد ، ومهرجانات ثانوية طرابلس ، ومحاولات رائدة للعمل على ربط الثقافة بالحياة اليومية والواقع المعاش ، والنضال من اجل الديمقراطية ، ودفع مسيرة التحرر تحقيقا للعدالة الاجتماعية ، وبروز محاولات ترسخ جذور القصة والرواية والكتابات النقدية .

   الواقع القروي حيث ترعرع ، شغف الساكنة بالرحلة الى الشمال بحثا عن لقمة العيش ، ومرتب شهري ثمانية جنيهات ، والفكر في العودة الى منقطع الاصل ، ونصيحة محب بالصبر والبقاء والتفاؤل اذ المستقبل بالمدن . 

      طرابلس وحواريها الجملية .. وازقتها العامرة ، وحواديث المقاهي العاجة برواد الجيل .. النوادي الرياضية ، ندوات ولقاءات مثقفين ، مقرات الصحف ، مؤسسة الاذاعة ، زواريب المجلس التشريعي ، وجدران مكسوة بلوحات رسوم الفنانين الشباب ، عناوينها تستجوب حادثة التفجيرات النووية الفرنسية في صحراء الجزائر ، وتعويض شعب الصحراء ، وقصة الطفلة البريئة " معيتيقة " والطائرة التي اودت بحياتها ، ومسابقات الكتاب الشباب ، والفرقة القومية للتمثيل ، وقصيدة شعر تستلهم اشعار البارودي وشوقي ، وتتجاوز لتنبش لقمة عيش المواطن ، والسلع واجرة العامل ، والصناعة ، ومستقبل اقتصاديات الدول ، وقضية الغاء السكك الحديدية ، ولما لا نحافظ على خبرة مجال حيوي ، وتطويره ، وما اذا كان المجلس ارتكب خطأ فادحا تجاه امر يهم الاغلبية الساحقة ، وكيف تفكك القضبان ويعادة تصديرها ، وتحسس روائح جيوب شرهة ، يهمها ما تجني اكثر من ما تخلع في نبش ما في الارض ، انفس لا تنظر ابعد من ارنبة الانف ، وقضية طريق فزان ، وظروف جديدة تفصح عن نفسها ، صراع الحكومة الاتحادية والولاية يلتحف عباءة معالجة الانحراف الذي لحق بالمشروع ، وعيون متواثبة لإقالة الحكومة ، صيرورة التكوين الثقافي ، وتقلبات المشهد ، اواخر عشرية الخمسينات عبورا الى نهاية السبعينات ، طرابلس محط الرحال ، الزحف الريفي ، وبصمات البيئة الاجتماعية التقليدية وأعرافها الصارمة زمن النشأة والصبا ، وواحة هون الجميلة التي ما انفكت تداعب الذاكرة ، صورة القرية البعيدة عقب الحرب العالمية الثانية ، عندما انعدمت الاحذية ، وانقطع الكيروسين ، وتحولت النقود الى طرفة ، واستنطاق رتم حياة اخرى ، ابراز لمعالم مجتمع مدني ليبي ، بدأ منذ اواخر الخمسينات في النشوء .

    مقهى " الاوديون " ملتقى الرموز التقدمية الشابة ، تناقش قضية النقابات والحركة العمالية ، ومقهى ملاصق مبنى مجلس الولاية ، شارع البلدية ، عند ناصية الواجهة ، مبنى مقر البوليس الاتحادي ، وادارة المهاجرة ، وعمارات تجارية ، ونادي الاتحاد ، شارع الشط ، واكتظاظ باحة جامع بن ناجي ، وجامع سيدي حمودة يوم الجمعة ، نادي الشباب الليبي الثقافي الاجتماعي ، ويحتد الخصام اثر كل مبارة كرة قدم .. ويوم وصل وفد الثورة العراقية ، معرفا ومبشرا بها ، رفض النادي الاستقبال ، وبصريح العبارة ، " الوفد سياسي ولا مصلحة للنادي بمخالفة ما هو محظور في نصوص الترخيص ، المهمة ثقافية اجتماعية . وكيف لا وسط أجواء متوترة ، تردد العراق في الانضمام لوحدة مصر وسوريا ، وخلاف القادة ، انحياز الرئيس عبدالسلام عارف للطرح الوحدوي ، ورفض عبدالكريم قاسم وقد بدأ ناصر يستحوذ على الوهج كله ، وبدأ القوميون والبعثيون يودعون شهر العسل ، وتجربة غضة ، ميول للطرح الاشتراكي ، ومشهد يكاد يجزم ان المشكلة لم تكن لتباين توجهات سياسية ، قدر من يقود القافلة ، استلهام لتاريخ قديم ، وعود على بدء لممارسات اختفت ، نفحات عوالم ارحب تأسر القلوب في كتابات خالد محمد خالد : " من هنا نبدأ " ، " مواطنون لا رعايا " ، " الديمقراطية " .. المواطن القادر على صون المنجز ، مقارعة نموذج محمد عبده ، والزعيم المخلص ، الاول والاخر ، القادر على اصلاح الشرق في كلمة واحدة : " انما يصلح الشرق مستبد عادل " ، ولغط صادر الكتاب ، والتنابز المشين بالألقاب ، والتطوع بمعلومات لمكتب مكافحة المبادئ الهدامة ، ودسيسة أقلام جريئة تتكئ على سندان العمل العربي ، تنعت مقاهي بعينها وتصفها بأوكار الظلام ، وتاريخ الادب العربي للزيات ، واحسان عبدالقدوس في قبضه تلابيب القارئ ، وعوالم نجيب محفوظ في " الفولاذ سقيناه " " الام " ، وعبدالرحمان الشرقاوي في رواية " الارض " ، وديستوفسكي وتولوستوي ، وكتاب " الدولار يحكم بريطانيا ، ودراسة عادل ثابت عن ازمة بريطانيا الاستعمارية والانهيار الاقتصادي الذي بات قاب قوسين او ادنى ، وسقوط حكم باتيستا في كوبا ، وصعود نجم كاسترو ، وما من مكان إلا وتجمع فيه التبرعات ، دعما للثورة الجزائرية ، نضال شعب الجزائر الشقيق ضد المستعمر الفرنسي ، الاسلحة تشحن من كل المعابر ، والحكومة الجزائرية المؤقتة وقد اختارت ليبيا مقرا لعقد اجتماعات مجلسها الوطني ، وصور القادة الخمسة تملأ الجدران ، وخشية من انزلاق الثورة الصاعدة في صراعات الزعامة اثر اغتيال عمبروش ، وتحريك ذلك الواقع الآسن ، نحو استقلال يوفر لقمة العيش الهني ، ويطرد غول الفقر عن الجميع ، وما اثير عن قانون ترجمة الاشرطة الاجنبية ، بعدما تبين ان معظم الداعين لسن القانون اصحاب مكاتب للترجمة ، وصحيفة " الليبي " ، ويوم ان رفض الوالي اي تدخل للحاشية الملكية ، ومجلة الاذاعة ، وجريدة العامل ، ومقالة جسورة ، وتقليب واقعا هش ، ووعي غض ، وقصيدة خالد زغبية : " بلادنا غنية وشعبها فقير " ، ومحاكمة تطاله ، ونخب مثقفة ترفض ، بينات استنكارية ، امسيات شعرية مكرسة مؤازرة له ، ارهاصات التكبالي ، وكامل عراب ، جمال اللغة وفسحة الامل ، في مسابقة القصة القصيرة ، الخصبة حد التخمة بمعاداة الرجعية وثقافة التبعية ، والوجه الوطني البارز عبدالعزيز الزقلعي عضو مجلس النواب ، يتولى تسليم الجوائز في حفل بهيج ، جمع لفيف مثقفين ، ومناشير مجهولة الكاتب يتحرى البوليس الاتحادي مصدرها ، ويوسف القويري عاد بعد رحلة عمل بالجنوب في جريدة فزان ، والتمكين للكتابة الابداعية لب المسألة الثقافية .

     من هناك حيث الواحة القابعة احضان قفار صحراء مجدبة ، والكساد الممل الذي خيم عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية ، وتعرض الناس الى ما يشبه المجاعة ، وبات ما بقي من زاد لا يسد رمق الجميع ، ولا يحول دون الموت ، حان موعد الرحلة الى الشمال ، حيث العاصمة طرابلس ، وحي بومشماشه ، ومحطة " ديبوستو للغاز " ، ومدرسة عصمان ، وجامع الباشا وحلقات مصطفى معروف ، ومجموعة من الحناطير تجرها الخيول تقف قريبا من الزقاق . وفتيات في غاية الاناقة والجمال يملأن المدينة ، ويغشين شوارعها الفسيحة ، في طريقهن الى المدارس . ومنزل صار فندق مجاني للقادمين الجدد من اهل القرية بحثا عن فرصة عمل . او مراجعة امور ادارية وعلاجية .

    فرغت شركات النفط من التنقيب والحفر وجهزت المواني البحرية ، وشرع في تصدير النفط ، واحتفال بالمناسبة في الذكرى العاشرة للاستقلال ، وملامح التغيير بدأت في الظهور ، السيارات الفاخرة ، تصاميم المساكن المرفهة ، اماكن اللهو ، شركات مساهمة ، تسهيلات مصرفية ، وغموض يلف مقتل احد الضباط ذوي السمعة الطيبة ، وما يمور في العمق من صراع غير مرئي ، وانتقال تبعية منطقة الجفرة للجنوب ، وصراع على اشده بين الحكومة الاتحادية وسلطات الولاية ، ودول تسعى لإضعاف نظام الولايات تمهيدا لإلغائها ، وعين على فزان القنيص المشبع . وكثيرون لم يخفوا حقيقة ان الوحدة ما بعد الاتحادية مسألة فوقية ، ولم تعد بذات الطعم القديم ، والعالم يتجه نحو اللامركزية ، وببساطة تبدو مسألة تخص شركات البترول ، وتزامن كل ذلك مع الانفصال الوحدوي ، وحواديث " المرابيع " عن تفجر الثورة اليمنية بدعم مصري ، ورؤى تعتقد انه الحدث لن يمر بسهولة ما دام سيف الاسلام البدر على قيد الحياة وقد اعلن نفسه خلفا لوالده . ورؤى اخرى تصر على رفض اي تدخل خارجي ، مهما كانت الخلفية السياسية عربية قومية او ماركسية لينينية ، او اسلامية .

    حواديث " مقهى عبدالله " بشارع الوادي ، التي ذهبت الى ابعد من ذلك ، الى ولاية العرش الفاقدة للسند الدستوري ، اذ الجمعية الوطنية حصرت الولاية في اصلاب الملك وليس ابناء اخيه . وامتعاض من التعديلات الباطلة التي اجراها مجلس النواب .

    صخب المشهد الاعلامي وهامش جيد للتعليقات الاذاعية ، وتخفيف لهجة الدعاية الصارخة ، ومواقف من امور داخلية اكثر تماسكا ، واقل تهالكا على المدح المبتذل ، وإنشاء الفرقة الوطنية للفنون الشعبية ، وفرقة المألوف وإسناد ادارتها للفنان القدير محمد مرشان ، وإصدار سلسلة الكتاب الليبي ، وبدء منح تراخيص للصحف الخاصة ، وإعطاء الفرصة للعناصر القادرة ، وشيء من المماطلة رغم قرار المحكمة العليا بمنح اذن المزاولة ، وموجدة من حكومة عجزت عن التحلي بالمصداقية ، تتلكأ في اتمام اجراءات الترخيص لممارسة حق كفله الدستور ، ومقالات تحمل حكايات خادشة للحياة السياسية : " حكاية الشجرة " .. تلك النبتة القديمة المستقدمة من وراء البحار ، وكيف اثرت ولا تزال تؤثر على بعض الاشجار المحلية المفيدة .. " حكاية امي " وخمسة ابناء يديرون الاسرة ، من اوكل اليه امر الولاية ، ومن هو قائم على تأجير املاكها بشروط مجحفة ، ومن يمارس انشطة غير مفيدة ، وعندما اخفقوا جميعا وجاء الابن السادس الغائب لدهر خارج البلاد ، والأكثر تعليما ، والتعويل عليه في انقاذ ما يمكن إنقاذه ، وخشية من صدق المثل الشعبي : " منين ها العرف .. من ها الشجرة " . قيل يومها ان اللمز والهمز ينال من الاسرة المالكة ، وذهب الظن الى ان الكاتب ليس هو من خط السطور ، بل كان مجرد واجهة لعناصر بنادي الاتحاد ، وأخرى بوزارة الانباء والإرشاد ، وحوادث الاصطدام بين الطلبة وقوات الامن ، ونشوب خلاف حاد بين ولاية طرابلس والقيادة العامة للأمن .

    عود على بدء ، وحفريات في ذاكرة القرية المهجورة منذ زمن ، وقصة انتظار لحظة فرح ، بعدما شاب الراس ، واحدودب الظهر ، وقصر النظر ، واستغراق في التفكير والتدبر ، وصمود امام غائلات الزمن . مستشعرا الخجل ، محاولا ان يخفيه بمشروع ابتسامة . تحاصره عوالم القلق . والجارة تبعث بماعون معبأ برطب التامج . والميل نحو الغواية ، ومتى تقام مراسم الفرح . ويقدم لها المهر ، وقد ثم طلاء البيت باللون الابيض الطيني ، ولتصدح الاعيرة النارية ، تعقبها زغاريد النساء مهللة ، ودقات الطبول على رتم الحان شجية . ( سكب سال دمع الميامي حذايف .. وعقلي مرايف .. انا الليل ما نرقده من الزنايف ) .

     حدث غير مجرى التاريخ  ، وكان قد اخذ الاعياء في السيطرة شيئا فشيئا .. وساعات الصباح الاولى من ذلك اليوم .. وكم كانت ثقيلة الخطى .. مترنحة الارداف .. وتحلو غفوة ما قبل الشروق .. شروق شمس يوم اخر من ايام وطن .. " نومة الشيطان " ، افقدته اجر صلاة الصبح بالمسجد .. وما حدث كان غريبا .. لم تفهم دلالاته بعد .. وكل ما هناك .. بيان اعلن فيه .. حظر التجوال بالعاصمة .. طرابلس .. راديو الاذاعة الوطنية يذيع مارشات عسكرية متواصلة .. هل مات الملك ؟ .. الاقرب الى الحسبان .. فقد بلغ من الكبر عتيا ، ويتلقى العلاج بتركيا منذ فترة .. لكن هذه مارشات عسكرية .. اين القرأن ؟ اين مراسم الحداد ؟ .. اين مذيعنا محمد المطماطي الذي تعودنا سماع تصابيحه المتفائلة ؟ .. غاب صوت المطماطي هذا الصباح .. شاعر شباب الخمسينات .. وبرنامجه الاذاعي الرائع " الشعر والحياة " .. لابد ان شيء ما جلل .. قد حدث .

        غابت اشعار اولئك الشباب الذين واجهوا الغربة ، وامتحنوا بالنفي والمطاردة ، ومن كبلتهم الاصفاد وقضوا زهرة اعمارهم وراء قضبان الزنازين ،  وظلام الاقبية ، اولئك هم من اعتبرتهم الاجيال اللاحقة .. رموزا .. وبذور تنتظر فصل الربيع ، لتنمو ، وتزهر .. ولتبتسم الشفاه الجافة .

     كل القرائن تقول ان شيئا ما قد حدث ، كل تلك الاشاعات التي كنا لا نصدقها .. صارت حقيقة .. ثلة من ضباط الجيش يخططون لقلب نظام الحكم .. وذلك ما حدث .. فجر هذا اليوم .. غرة سبتمبر 1969 م .

  هل كان هذا هو الحل المتبقي ، والخيار الوحيد .. خروج افراد المؤسسة العسكرية من ثكناتهم ، والإطاحة بما هو قائم  ؟

   فتيان اغرار .. وجدوا السلاح بين ايديهم .. ولا تعوزهم الجنود .. وسلطة آمنة غافية .

   اعلنت حالة الطواري القصوى ..   " الناصرية " في نبرة صوتهم ، روائحها في الافق ، حلم الجماهير .. وعصبها الدامي .. من البحر الاطلسي غربا .. الى بحر الصين شرقا .. وفلسطين الجريحة .. ولا  للاستعمار .. لا للاحتلال الاجنبي .

   " ثورة " .. ضباط وحدويون احرار .. كما يوم اقيل الملك فاروق في مصر ،   بجراة فائقة .. هشمت عروش ، وتلاشت نواميس .. اكد البيان انتهاء  النظام الملكي من اساسه .

اسأل الفجر والغروب

اسأل الشمس والقمر

أي غيب على القلوب

خطه كاتب القدر

    حفر الحزن اخاديد عميقة .. غصة وحرقة لم يفلح الزمن في اخماد لهيبها .. ما ان تخبو السنتها تفور .. اذاعة صوت العرب .. اذاعة لندن ونشرة الثالثة ظهرا .. ومديحه رشيد المدفعي .. وأقوال الصحف البريطانية .. واستشعار لمرارة في الحلق .. وأولئك الذين قذف بهم نحو متاهات الغربة .. والجلاء عن الاوطان .. وامتحنوا بالمطاردة .. ومن منهم قضى عمرا مكبل بالأصفاد خلف قضبان الزنازين .

    ان الحدث حين يطل برأسه الضخم .. يملأ خبره اذان الناس .. ويصير شغلهم الشاغل .. وبسرعة فائقة .. اصبح الاتي هو محل السؤال الاتي .

    حالة وجوم .. ما بك وقد توسد خدك صحن كفك ، ما هذا الصمت المريب .. اين يجول عقلك .. " مش كنت طايرتلك منهم ؟ " .. لقد كان محزنا العجز عن الاجابة .

    كل عمل ادبي لم يعمد السكونية ، ولم يسقط في مستنقع المديح الكاذب ، والتدجيل المخجل ، بالضرورة هو عمل تقدمي .. ثوري .

اعتقال اعداد من القوى السياسية " واللي  ما يصون  السر  ما تحكيله " .. حالة شرود  .. حين تطل البداية ، ويكبر الاحساس بالمسؤولية ، ولا شيء من تقدم للامام  .. تنبري صعوبات على الطريق .. وتشتد الحيرة اكبر .

     تسلل الخبرات العربية للمؤسسات الاعلامية .. وبدء جوقة الكم الهائل من التضليل ..  تصفية الكثير من العناصر جانبا .. اثقال الموازنة بملايين الدنانير .. توظيفات وهبات .. وشكوك في مقدرة مواطن مدني على تصدر القيادة .. والراي .. والحزم .. وغنى الفنان الليبي اول اغاني التهليل .. " بشاير يا ليبي بشاير .. والشعب مع الثورة ثائر .. يأيد فيها .. يناصر فيها .. بالقوة والعزم الثائر  " .. ومعالجات فجة ، واقلام مستجدة جرفتها رياح المدح المبتذل .

       قمع حظ التجديد ، وتنامى سلطان التكرار الممل ، جريدة الثورة ، صحيفة الدفاع ، مركز دراسات جهاد الليبيين ، وصندوق للجهاد للانفاق على حركات التحرر ، واستدراج نحو معركة مفتعلة ، وصراع لا طائل من ورائه ، ولا مبرر البتة له .

    استشعار المرارة وقسوة غائلات الزمن ، وقطع التابعة عند سيدي بوعجيله ، والقناعة ترفض منذ زمن أي مغامرة عسكرية ، العسكريين لا ينظرون للمدنيين بذات النظرة التي ينظرون بها لبعضهم ، هم بالنسبة لهم في درجة اقل , ذلك ما قرئ منذ سنين ، وصوت المذياع يصدح مفردات جديدة لم يقع الحديث بها في الماضي ، تعطيل القوانين ، وبعض الاجراءات ستتخذ حيال البعض ، ونعوت وتهم كثيرة تنتظرهم .. ما جعل مقهى " الجنان " الذي عج يوما بمؤانسات المثقفين ، صار خلاء قفر ،  واحمد سامي يتغنى انشودة في العيد العاشر .. " اخر جندي راح توارى .. قيم الفرحة .. وبارك للشعب انتصاره " " .. والجماهير تتقاطر من كل حدب وصوب ، لاستقبال زعيم الامة عبدالناصر ، وكاتب يعزف انغام التهليل والتطبيل .. ويصدر كتاب " مصر مجتمع جديد يبنيه العسكريون " .. واعلان اتحاد الجمهوريات العربية .. والحمى القومية التي كتفي بالقول دون العفل ، وما شدهم اليه إلا رغبة في المشاهدة ، وهذا الكرم الحاتمي الليبي فاق المعهود ، وكاد يفقر خزينة الدولة الفتية ، وما لم يعد خافيا ، الموقف غير المتحمس للتوجه القومي في بواكير الولادة الجديدة .. وهناك من جهر بذلك وزأر به ، وثمة من يهمس في الظلام ، وينسج نكته جديدة ، تتلقفها الالسن خفية ، ضيق من الكلام ، يساقون الى الجنة بالسلاسل ، والسلاسل هي السلاسل ، حال طائر " نعامة " استشعر الخطر فطمر رأسه في التراب ، موهما نفسه انه اخفى جسده بالتراب ، ونخرت العثة هياكل الادارة فتضخمت وتورمت ،  ضمور الاقتصاد .. وعند لحظة فتح المضاريف لمشروعات جديدة ، تبدو المعركة مع الاستعمار وهمية ، وذات شرعية ،. وما اكثر المحتاجين .. على ابواب الجمعيات مصطفين .. وعلى راي المثل : " اذا لقيت النمل في الدروج .. الشعير في الغرفة .. وانغلق كل صاحب قلم على نفسه ، يواسي حظه العاثر .. وعضة الدهر .. وإحساس باللاجدوى ، وميل الى الانزواء خلف السراديب المصمتة .

          محمد بن زيتون  الاعلامي ومؤسس وكالة الانباء الليبية .. ميدان 9 اغسطس صار ميدان السويحلي .. وانيط بوزارة الداخلية اضافة الى عملها ، مهمة اجازة الصحف والكتب والمطبوعات .. وفي السنوات الاخيرة .. تشترط تحليل دم الصحفيين ..  اذ بات الاعتماد على العناصر المشكوك بميلها للعهد الرجعي ..  غير ممكن .. ومن عزا التغيير لسبب حفلات غنائية على هامش معرض طرابلس العالمي  .. في تلك الدورة منح جناح الواجهة .. ليتبين انه فصل في هندسته على هيئة قطعة عسكرية بحرية .. قيل يومها .. جاء يذكرنا بالغزو ثانية .. ما اعتبر تطاولا في عقر الدار .. وعبر مستنيرين عن امتعاضهم في صمت .. وهكذا ، وبدلا من سخرية الرأي العام من عقليات سابقة ، صار مندفعا بالاتجاه المعاكس مهللا تخالجه عاطفة .. والإجهاز على الصحف .. اخر الطب الكي .. تلييب قطاع المصارف والتامين .. وإعلان عن تشكيل محكمة الشعب ، لنظر قضايا الفساد السياسي والإداري وتزيف الارادة الشعبية وتضليل الرأي العام طوال الفترة 1. 2 . 1952 .. الى غاية 31 . 8 . 1969 م .. وجوقة التهليل بالجلاء .. وانتعاش اسعار النفط .. ويوم قبول استقالة الحكومة المدنية .. كان ايدانا بمولد تجربة الجمع بين القيادة والريادة .. والوزارة والادارة .. وتمططت الصلاحيات الامنية .. وبات التطلع نحو المساهمة الجادة مقلقا .

    بدأ العزف على اوتار القومية .. وممثلي جبهة تحرير " ظفار " .. يتحدثون عن مظالمهم في ندوة بأروقة جامعة طرابلس .. والوحدة العربية ضرورة حتمية ، في ندوة الفكر الثوري ، والتعلق بعربة القطار ، تحالف قوى الشعب العاملة اهتداء بالميثاق الناصري .. وبات التحفظ يستولي على الافواه والعقول .. ارتباك في المعالجة ، وضبابية في الرؤية ، وقوائم المحالين على الخدمة العامة للتخلص منهم .. اكداس اكوام .

    " مسارب " البحث عن الزمن الضائع والفوضى في أعماق الذات الممتدة من الماضي إلى الحاضر توقا إلى استخلاص المعنى .. مرحلة الاستعمار ، المرحلة الملكية ، الجماهيرية .. يفتح المؤلف سفر حياته ليحلل فصوله ويلم شعثه ويستخلص مقومات الوحدة الكامنة بين أجزائه .. تطويع اللغة، وإخضاع المستعصي ، رشاقة الأسلوب ، نحت المفردات ، المزج بين الأسلوب الروائي والحس التاريخي .

   اما والقافلة قاربت على حط الرحال .. في الصفحة الاخيرة ، شذرات عن اللحظة والمشاعر العاصفة ، وقد بات القلق يحاصر النفس من كل جانب ، حمل ثقيل يجثو وقد فقدت معظم الاشياء لذتها ، ولم يعد ثمة ما يثلج الصدر او يثير العاطفة ، اصبح الحلو مرا ، والمفرح محزنا ، والانقباض سيد اللحظة ، الصور المعلنة غير الباطنة ، واصرار على اظهار الوجه العاكس لهذه الحالة الطارئة .. المشاعر امتلأت والكيل طفح ، وصار التطلع نحو استباق الاحداث واستعجال الاتي اكثر الحاحا .. لتكون الكتب الآن اخطر المستمسكات وقد تنامى عددها ، لقد تغير الزمن ، وتغيرت الناس ، وليس ثمة عاصم من هول ما يحمل المستقبل .

      وتبقى دواعي الشوق ولحظات الانتظار المتوثبة ، لحظة العودة الى مواطن النشأة والصبا ، هون .. ومنازل النشأة الاولى .

     أمين مازن" في ( مسارب ) .. شهادة حية على العصر الذي عاش فيه ،  دلالات حكائية سردية وأبعاد ثقافية واجتماعية انطلقت من الماضي وأحاطت بالحاضر وتطلعات المستقبل .. إستنفار إمكانات الحكاية ، الجرأة والمعالجة الحكيمة ، إستغواء المتلقي وجلبه إلى طوره ، السبك  اللغوي المتين يلمس دفئا في الرماد ، ولا يتحسس الجمر تحته ، أسلوب نقدي جاد نزيه متمكن من أدواته الأدبية ، وقد كرس حياته كاملة لرصد وتقييم ما زخر به المشهد الثقافي ، متجاوزا الحدود الإقليمية ليواكب عطاءات الأدباء والشعراء الشباب في تونس والمغرب.

   " مسارب " ، محطة نضجه الفكري ، بعد مسيرة انجبت مؤلفات خصبة .. " دوائر الزوايا المتداخلة " ، " القصة في أدب عبد الله القويري " ، " الشعر شهادة " ، " كلام في القصة " ،  " دفء الكلمات " ، " حبال السفن المقلعة " ، انه لا يدعي قراءة الوطن كله ، واكتفى بقراءة صفحات منه . لقد ألقى في البركة حجرا ، فحرك ماءا راكدا ، في انتظار من يأتي ليشق قناة تجدد المياه .. سؤال قلق ، تاريخ صريح ، وتدفق آسر .

د . عبدالقادر الفيتوري

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

هرطقات القذافي