الجمعة، 1 أغسطس 2025

اعدام محمد مهذب حفاف

 

محمد مهذب حفاف

في الانقلاب المشؤوم الذي دكّ بنيان الدولة الوليدة .

 لم يفرّق القذافي بين قريب وبعيد ، ولا بين مؤيد ومعارض ، فسطا على الحكم كما يسطو اللص على ضوء الفجر ، ونكّل بكل من ظنّ لوهلة أنه سيكون له رأي أو تأثير أو حتى ظل في المشهد القادم .

أطاح بالبعثيين والقوميين، وتربص باليساريين والشيوعيين ، وضيّق على الإسلاميين ، بل حتى رفاقه في الانقلاب لم ينجُ منهم أحد اعدم منهم 36 ضابط في صبح واحد .

أما الطلبة ، فقد نُكّل بهم دون تهمة، فقط لأنهم حلموا بوطن، أو صدحوا بكلمة، أو خطّوا سطراً في دفاترهم يفيض بكرامة .

كان الجميع ، بوعي أو بجهل ، معاول هدم ، تتناوش لحم الملك الراحل ، وتنتقص من قدر رجل بنى وطنًا من فتات حرب، وجمع شتاته من أطراف الرمال.

 تمنوا زواله فزالت معه البركة، وتحقق لهم حلمهم .

 لكن في كابوس، حكم فيه إبليس، وبئس القوم كانوا.

هذه قصة من زمن البؤس يرويها من عاشها ، لا من سمع بها، شهادة كتبها الألم ، وسطور نُقشت في جدران الزنازين الصلدة ..  يرويها رفيقاه في السجن ، السيد علي العكرمي والسيد صالح بن يوسف عن شهيد الكلمة ،

( محمد مهذب حفاف)

يقول رفيقه الآخر، صالح بن يوسف :

 "ليس بمقدور أحد ، مهما أوتي من البيان، أن يسبر غور هذا المحيط من الطهر والجرأة والإقدام والثبات على الحق. محمد مهذب حفاف مدرسة علم وأدب وورع ، إنه بحق أحد شباب الأمة الذين يجب أن تُفرد لهم الصفحات البيض، كما تُفرد للفاتحين العظام.

عشت معه سنين ، فرأيت العجب .

 هو القيم والمثل ، عقيدة وسلوكًا وعملاً .

في الحق لا يلين، ولا يقبل انصاف الحلول، ولا يخشى لومة لائم. وفي الحقيقة، كان جديرًا بذلك العرس في ساحة كلية الهندسة.. فلا نامت أعين الجبناء".

علي العكرمي
 

أما العكرمي ، الذي اقتسم معه العتمة واليقين في آن، فكتب:

 "شهادة تليق بذلك الشهيد الفذ. شهادة من شخص خبره عن قرب، وابتلع معه مرارة الزنزانة ذات الجدران المقرورة. سيرة شهيد كم نحن بحاجة لإبرازها للأجيال القادمة.

كان صاحب فراسة لا تخطئ، وصلابة لا تنكسر ، ورؤية لا تُخدع.

في أيامه الأخيرة، كان حريصًا على قيام الليل، وكأنه يستشعر أن الأجل بات قاب قوسين.

 لن أنسى صباح السادس من أبريل 1983 ..

يوم ودعنا، ببدلته الخضراء، وربطة عنقه، ونظر في المرآة نظرة مودع، ثم التفت إلينا بابتسامة هادئة .

وقال: لقد أزفت الساعة.. غدًا الخميس سيكون الالتحاق بالرفيق الأعلى".

وفي اليوم الموعود، جيء به، هو ورفاقه الشهداء "حسن كردي"، "عبدالله المسلاتي"، و"صالح النوال" ، إلى ساحة كلية الهندسة ، التي تخرّج منها قبل عشر سنين.

 نُصبت المشنقة ، وأُجبر الطلبة على الحضور ، ليتعلّموا الدرس على طريقة الطاغية.

هتف الرعاع ..

قرأ زميله في " مدرسة غريان الثانوية " وفي " كلية الهندسة ، الهالك " سعيد راشد " عضو اللجان الثورية ، منطوق حكم المحكمة الثورية الدائمة ،  الذي صدر عليه غيابيا ،   برئاسة " الطيب الصافي " بالتصفية الجسدية رغم ان المعني صدر في حقه حكمان بالبراءة من غرفة الاتهام ،  ومحكمة الجنايات ، قبل أن يصدر عليه  حكم بالسجن خمسة عشر عاما ،  من طرف محكمة الشعب  ، قبل أن يُستبدل الحكم بالسجن المؤبد... إلا أن الطاغية أراد الدم ، لا العدل.


 

اتهموا عائلته بالشرك واليهودية، لكنهم لم يدركوا أن دم محمد مهذب حفاف سيكون لعنة تطارد جلاديه، وأنه سيكون نبضًا يُلهب صدور الأحرار، وأنه سيكون مسمارًا في نعش الطاغية نفسه .

 فشتان بين من يموت واقفًا كالنخيل ، ومن يُدفن تحت ركام الكراهية في مزبلة التاريخ.

هذه ليست سوى صفحة من سِفرٍ طويل كُتب بالدموع، ووقّعته الأرواح الزكية في زمن الجمر.

 محمد مهذب حفاف لم يكن حالة استثنائية، بل كان عنوانًا لجيلٍ اختار درب ذات الشوكة، في وقت عزّ فيه النصير، وقلّ فيه الظهير.

رحم الله شهداءنا الأبرار ، الذين جادوا بأرواحهم في سبيل وطن لم يكن يومًا للبيع، وستظل سيرهم مشاعل لا تنطفئ ، تُنير درب الأحرار ، وتُذكرنا أن أعمار الشهداء أطول بكثير من أعمار شانقيهم .

المصدر صفحة (  وجوم وجوم)  

 كنت حاضر لحظة الاعدام .. طلب من طلبة الكليات التجمع بساحة كلية الهندسة .. في مناسبة يوم السابع من ابريل .. ذكرى انتهاك حرمة الجامعات .. كانت بالساحة منصتان للشنق ، وفجأة جيء بشخص يكاد يكون مخدر .. يجرجرونه في خطى متعثرا .. واثنان يساندون وقفته ومشيته ، بلباس اخضر ولفافة سوداء على الوجه والراس ، كان يسير وسط زفة من حوالي عشرون شخص ، اتوا به من السيارة التي توقفت عند ناصية الساحة ،  وصلوا به الى المنصة المشنقة وهم يهتفون .. ( اظهر يا خفاش الليل جاك السابع من ابريل )  وغيرها ، وتم ادخال حبل المشنقة في رقبته وتدلى ، لكن الحبل انسلخ قليلا عن رقبته ، فصعد احدهم وسانده اخر لاحكام الحبل .. وما ان تدلى جسده حرا في الهواء ..صرخت الطالبات صرخة واحدة .. ووقعت الكثير منهن مغشيا عليها .. وصارت ساحة هامدة تفترش الفتيات ارضيتها .. والساعين الى انعاش ما يمكن .. كانت صدمة للجميع .. ما اقبح جرائمه .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

هرطقات القذافي