الجمعة، 1 أغسطس 2025

د. عبدالمنعم النجار .. مذكرات سجين


 

في لحظة استدعاء للذاكرة الجريحة ..

كتب العكرمي سطوره على صفحة الوجع البلاد .

يسرد لنا مشهداً من مشاهد الاستبداد ، ومأساة من مآسي الوطن ، تتقاطع فيها المصائر بين الجلاد والضحية، وتنطق فيها الأيام بما كان بالأمس يُهمس في العتمات.

بلغ العكرمي، كما بلغ غيره، نبأ وفاة اللواء التهامي خالد، رئيس جهاز الأمن الداخلي في سنوات الرعب ، فاسترجع ما خطّه الزمن من أحداث في شهر مايو من عام 1984،

زمن ما عُرف بـ"أحداث باب العزيزية"، حين كانت ليبيا تُدار بقبضة من حديد ونار، وكانت الكلمة الحرة جريمة، والفكر المستقل مذبحاً.

في ذلك الشهر الأسود ..

تم اقتياد الدكتور عبدالمنعم قاسم النجار ، الأستاذ الجامعي المعروف، إلى أروقة الخوف، إلى مبنى الأمن الداخلي، ثم إلى دهاليز سجن بوسليم، حيث تسكن العتمة وتضيق الأنفاس. كانت التحقيقات تحت إشراف الشرطة العسكرية برئاسة خيري خالد ، أما المباشر للتحقيقات فكان التهامي خالد نفسه، يُشرف على التفاصيل كمن يكتب سيناريو الموت بحبر من دم.

دخل الدكتور النجار، النحيل الجسد ، الشامخ الكرامة، إلى مكتب التهامي، فأمَرَه الأخير بالظهور على التلفزيون، ليعترف - زيفاً - بأنه كان يرسل معلومات عن السجناء السياسيين إلى المعارضة بالخارج.

لكن الدكتور، الذي لم يعرف في حياته غير الصدق، أجاب قائلاً:

"لم أقم بمثل هذا العمل."

ابتسم التهامي ابتسامة الذئب، وقال له:

"أعرف ذلك تماماً.. وملفك أنظف من ملفي. لكنك أستاذ جامعي، ويجب أن تمتثل."

وحين رفض ، حُمِل إلى حجرات التعذيب، حيث لا يُحاكم الإنسان، بل يُكسر. وهناك، استقبله جلاّد ضخم الجثة، أسمر البشرة، يصحبه كلب مدرب، لا يخطئ موضع العَضّة ولا عمقها.

عُذّب الدكتور حتى انكسرت الإرادة في جسده لا في روحه، فظهر على التلفاز، والدماء تسبق الكلمات، معترفاً بما لم يفعل.

سبعة عشر عاماً، أمضاها الدكتور عبدالمنعم في سجنه، بلا محاكمة، بلا ذنب، بلا صوت. خرج في عام 2001، مريضاً، منهكاً ، مُحمّلاً بنصف جلطة وشيخوخة مبكرة.

لم تطل به الحياة بعد خروجه، إذ وافته المنية بعد عام واحد، غريباً بين الأحياء، قريباً من الشهداء.

كتب العكرمي:

"إن كنتُ أنسى فلن أنسى رفيقي، في صباحات سجن بوسليم، حين كان البرد يلسع الجدران، وكان قلبه يذوب لوعةً على أبنائه وهم يذهبون إلى المدرسة، يتخيلهم يرتجفون برداً وقلقاً، تماماً كما يرتجف هو داخل الزنزانة."

واليوم – كما يختم العكرمي – يلتقي الفريقان بين يدي الملك الديّان.

فريق الجلادين :

معمر القذافي، خيري خالد، محمد المجدوب، عامر المسلاتي، أحمد مصباح، التهامي خالد...

وفريق الشهداء :

الشيخ محمد البشتي، أحمد حواص، محمد الشيباني، الصادق الشويهدي، حسن كردي، محمد هلال، عامر الدغيس، عثمان زرتي، د. عمرو النامي... وقوافل من الشهداء، الذين رووا تراب الوطن بدمائهم، ولم يساوموا على الكرامة 

.

---

وُلد عبدالمنعم قاسم النجار يوم الخميس، 15 أبريل 1943م، في منطقة سوق الجمعة بمدينة طرابلس. كان والده عطاراً في شارع المأمون بمنطقة سوق الحوت، وكان هو نفسه من طلائع الكشافة، اختير يافعاً لحمل علم الاستقلال في مخيم كشفي أقيم في بريطانيا خلال ستينات القرن الماضي.

رجل بدأ حياته حاملاً لراية الوطن... وأنهاها تحت سياط الجلاد، لكنه بقي وفياً لنفسه، لكرامته، وللحرية التي آمن بها يوماً وهو يرفع علم الاستقلال في مهجر بعيد.

رحم الله الدكتور عبدالمنعم النجار، وألحقه بقوافل الأحرار، وشهداء الوطن.

وإلى الله المشتكى 

وجوم وجوم.المصدر 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

هرطقات القذافي