الأربعاء، 27 أغسطس 2025

القذافي والجامعة .. سجون ومشانق

 

 

معمر القذافي والجامعة الليبية

(لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون) صدق الله العظيم

     حوار مطوّل نشرته مجلة قورينا التي كان يشرف على تحريرها في تلك الأيام أبوزعكوك نفسه. تصدّر الغلاف صورة للقذافي بزيه العسكري وبإهداء منه إلى المجلة وقرّائها. صدر العدد في فبراير 1972، وشارك في الحوار أيضًا عضوان من القيادة هما: إمحمد المقريف وبشير هوادي.

كانت الأخبار تنتشر باستمرار عن تعذيب المعتقلين السياسيين في سجن طرابلس المركزي (الحصان الأسود)، ونتج عن ذلك حالات وفاة وإصابات خطيرة. شكّل القذافي هيئة تحقيق برئاسة النقيب المقريف، استعانت بلجنة طبية وقدّمت تقريرها المصحوب بالصور وتقارير الأطباء وإفادات المعذبين.

 


 

   وعن سؤال يتعلق بالتعذيب ، أشار القذافي بأن الأضرار كانت طفيفة ولم تكن بحجم ما أُشيع ، وأضاف:

     "ما دعانا للتحقيق أصلًا هو ما أشيع عن حوادث موت في السجن. وقد تبين من نتيجة التحقيق أن بعض الأفراد ماتوا عند ذويهم ولم يموتوا أثناء الاعتقال ، وهناك من كان كبير السن أو مريضًا قبل أن يعتقل ثم مات موتًا طبيعيًا. لم يثبت التحقيق أن أحدًا مات من التعذيب ، وهناك عدد محدود لحقت بهم بعض الأضرار ، وهذا شيء يحدث عادة في كل التحقيقات في العالم. ولكن الحقيقة أن الثورة الليبية ستظل محترمة لكرامة الإنسان وستطبق قاعدة أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته."

لكن الأقوال عند القذافي تختلف عن الأفعال . فقد ملّ الليبيون من سماع وعوده مقارنة بما جرى على أرض الواقع . فقد مات الكثيرون في السجون نتيجة للتعذيب والتصفيات ، واستمر الحال وهو يعلم دون أن يرف له جفن.

وفي مثال آخر على تناقضاته، حضر القذافي اجتماعًا لمجلس الجامعة في بنغازي عام 1972. كانت زوجة النقيب حسين الصديق –المعتقل دون تهمة– تنتظره خارج القاعة لتطلب العفو عن زوجها. تقدمت إليه، فاستلم الطلب ووعدها خيرًا قائلاً : "حسين صديقنا ورفيقنا ، وسأعود إليك قريبًا." غادرت الزوجة وكلها اطمئنان.

لكن حين ركب القذافي السيارة قال أمام أعضاء المجلس المودعين:  "والله ماهو طالعها ، لو كان تطبق السماء على الوطا." ..خرج حسين الصديق من السجن بعد معاناة طويلة ، في الثاني من مارس 1988.

    ظلت الجامعة محور اهتمام القذافي ، فحاول احتواء بعض الطلبة وجنّد مجموعات منهم لصالحه يكتبون التقارير ويراقبون زملاءهم ، كما احتوى شخصيات ضعيفة من أعضاء هيئة التدريس الذين بحثوا عن مصالحهم الخاصة ، فحظوا برضاه وحصلوا على وظائف ومناصب في الداخل والخارج.

    لم يتوقف تدخله في شؤون الجامعة، ومنع زملاءه الضباط من مواصلة الدراسة التي كان يتيحها العهد الملكي ، في حين سمح لحوارييه وذوي القرابة.

   عمل على مدّ الاتحاد الاشتراكي داخل الجامعة وشكّل وحدات أساسية تضم الأساتذة والعاملين والطلبة لإحكام السيطرة. وصرّح بأن الطلبة عليهم الاهتمام بالدراسة وعدم التدخل في السياسة ، مهددًا:

 "سأسحق كل طالب يشتغل بالسياسة ، وسأجعل عمداء الكليات من الضباط ، وإذا اقتضى الأمر سأستغني عن هؤلاء الطلبة وأستورد مكانهم طلبة من مصر أو من الخارج!"

وفي يناير 1973 أصدر نائبه عبدالسلام جلود قرارًا بإبعاد ونقل مجموعة من طاقم إدارة الجامعة بحجة "رجعيتهم"، وهم: أحمد العنيزي ، عوض الشريف ، جبريل الزروالي، محمود شمام ، السنوسي العنيزي ، فيصل فخري وآخرون.

     وفي مارس 1973 شهد مجمع سليمان الضراط في بنغازي مواجهة حادة مع القذافي من قبل مجموعة من الطلبة والأساتذة ، حوصر خلالها وفقد السيطرة على أعصابه ، ولعن دين أمريكا على الهواء!

    ثم جاء خطاب زوارة في إبريل 1973، فأعلن "الثورة الثقافية" وحل اللجان الشعبية وأحرق كل شيء. صارت الإدارة في الجامعة والكليات مختلطة تضم الطالب والأستاذ والموظف والعامل ، وتجول القذافي في الكليات يناقش الثورة الشعبية.

     انقلبت الأمور رأسًا على عقب ، وتغيّرت الجامعة تمامًا ، وانقسمت إلى جامعتين في طرابلس وبنغازي. سيطر " الثوريون " ، وتغلغل القذافي داخل المعقل الوطني بعيونه ومخابراته. علّقت المشانق في الكليات ، واعتُقل كثير من الطلبة والأساتذة الوطنيين أو أُبعدوا.

صار "الكتاب الأخضر" مادة تُدرّس في الجامعة ، يُرسب فيها ويُنجح ، وتعقد لها الندوات ، ويُختار للدراسات العليا حولها "المعيدون" الذين يثيرون السخرية.

    لم تعد الجامعة جامعة كما كانت ، بل أضحت مهزلة مثل بقية مهازل حكمه. ويظل التاريخ ومحكمته العادلة هي الميزان الحق. فالدمار لا يخلف إلا دمارًا ، ويظل الوطن يعاني أجيالًا طويلة ، حتى ينال العافية بالقيراط على دفعات ، لا بالقنطار دفعة واحدة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

هرطقات القذافي