" الملحمة " ، العنوان الذي صاغه افق الانقلابي لكتابه ، بعد زوال ملكه ، وتداعي عرشه ، وقد جلس خلف الشطآن الباردة ، يواسي نفسه والزمن ، ويعتب رفيقه الذي ابعده مبكرا عن صهوتها . وشيء من جلد الذات ، وممارسة لعبة الهروب الى الامام ، وقد اخذته العزة بالإثم ، وأخيرا ، قصة اضطراره الى الفرار من العاصمة عندما غادرها رفيقه الذي منحه معبدا ينتحل فيه دور الزاهد متوحدا ، عند شط بحر العاصمة . ينتشي اجود الشراب ، ويتلذذ افخر انواع الاطعمة ، وله باليخت صولات ، يقارع امواج ضفاف المتوسط متى شاء ، في غيبوبة تامة . وما ان بات الثوار على مشارف ابواب العاصمة ، قفز من غفوته ، هو يدرك شر ما فعل ، وان تقادم الزمن ، وحينها . اذا لا مناص . لابد من شد الرحال . هبوب رياح فبراير الحرية ، ايقظته من سباته ، رفيقه الذي يؤمن له خلوته ، ترك العاصمة ، لملم اطرافه هو الاخر ورحل . ارتمى في حضن الثوار ، معلنا انشقاقه ، كان مركب عبور اجاد امتطائه ، والوقت يعبر بسرعة ، وإذ لا مناص . ( 2011 ، غادر ليبيا إلى الخارج ) .
كنا ننتظر نشر بقية فصول " الملحمة " الخمسة بشغف ، حتى ان لم نرتوي من هذا المعين الذي لا ينضب ، لا باس من الفرجة ، وشيء عن تذكر تلك الحقبة ، والسنين الخوالي ، والمساهمة معه في كتابة تاريخ الملحمة ، طالما بات حريصا على كتابته .
" جلود .. من الضباط البارزين ممن شاركوا في ثورة الفاتح من سبتمبر 1969." افتتاحية تقديم الصحيفة .!! دون وضع قوسين ، ( ثورة ) ، وما حدث انقلاب على السلطة قاده شباب غر ، جاءوا من خلف اسوار معسكرات الجيش ، استولوا على السلطة ، في بلد سويسرا شمال افريقيا ، على الاقل هذا ما كان عنوان ليبيا في صحف اوربية لا ندفع لها ، و ( اعتبر ) ، الرجل الثاني في ليبيا ، في بلد الصقر الاوحد الوحيد ، حيث لا مكان ، سوى للحباري فقط ، فكان ما كان ، وأبعده حد النسيان .
يسري بنا " جلود " بلسان قوله : الساعة الثانية والنصف فجر ( الفاتح ) من سبتمبر 1969، ولا يزال يكررها حتى بعدما انشق عنها ، ( ليلة الفاتح ) ، أي فاتح ، واي فتح ، يا لها من ليلة كابوس ، " كلفت ضباط صف بالسيطرة على الباب الرئيس لمعسكر باب العزيزية في طرابلس " ، هناك مربط الفرس ، وانتظرت القذافي ان يأتي ليستلم كرسي العرش ، وكان نائما في حجرته ، في معسكر قار يونس ببنغازي ، مختبئا ، يريد ان يتنصل من المغامرة التي ورطنا بها فيما لو فشلت ، لقد اختفى عن الانظار ، ليته ترك لنا نسخة من بيان اعلان الانقلاب ، لنقرأه على الناس ، حتى في هذه لم يفعل ، أخيرا عندما ادرك اننا نجحنا ، قدم يتبختر على مكث ، وقرأ بحماسة ، اعلان انهيار النظام القديم ، من اذاعة بنغازي ، ومعلنا حالة الطفرة المناهضة لنواميس الطبيعة ، والقفز في الفراغ . ولقبت بنغازي بمدينة " البيان الاول " .
يخبرنا عن حجم المفاجآت في ليلة الكابوس ، السائق " أقصودة " . اشترى سيارة وكان سعيدًا بها ؛ ولذا خرج في جولة مع أصدقائه في المدينة ثم عاد إلى المعسكر، فقال له ضباط الصف: "عطكْ دعوة ، خلعتنا يا رجل ( أي لا سامحك الله لقد أرعبتنا ) ".. فقهقه الجنود وأخلوا سبيله.. كانوا بالطبع ، مرعوبين من اثم ما اقترفوا .
الحدث الطريف الآخر في تلك الليلة ، " التومي " كان مخمورًا، قال له رئيس العرفاء خليفة حنيش : "غيّر ملابسك بعد ساعة ونصف سنتحرك لإسقاط النظام ". كان ضابط الصف التومي شابًّا مثقفًا ، فقال لخليفة : " لن أتزحزح من هنا إلا حينما أعرف مَن على رأس الحركة ، وما هي أهدافها ؟ ". ثم جاء خليفة مسرعًا وسألني : أليس من الأفضل أن نقوم بإعدامه ؟ . قلت له : " كلّا. ضعه في السجن " ، منذ البداية لم يكن في قاموسك ومن حولك ، سوى خيارات السجن والاعدام ، وقد باتت سنة ، " لم يكن لدينا وقت ولا رغبة في حوار " .. ولانه كان مثقفا باقرارك لا مجال لمحاورته ، لقد كان في انقى لحظات صحوه ، ولم يكن مخمورا كما ادعيت ، ادرك كم انتم مهووسون . واختار السجن اولى به ، واشرف من مشاركتكم ما انتم عازمون على اقترافه من جرم ، في تلك الليلة البغيضة حالكة السواد ، يجب يقام لضابط صف " التومي " نصب تذكاري بساحة الشهداء بالعاصمة ، " نصب الجندي المثقف " ، الجندي المجهول .
غريب انت ، وانت الذي لا مكان للحوار عندك ، اليوم تحاورنا بقصة ملحمة الصمت ، ولجم الاصوات ، وتكميم الافواه ، ودهاليز السجون المظلمة ، ووطن سجين لاربعة عقود ونيف ، وتعتز بانك فارس الوثب على اسوار معسكر باب العزيزة ، سرة امآن العاصمة ، لتحيله الى وكر لممارسة الدجل السياسي ، وما نضح به وزيرك " شلقم " في كتابه " اشخاص " ، وتيجان في كتاب " الطرائد ".. يخبرك .
" واخرون حين علموا تفجير ( الثورة ) جاؤوا إليّ وهم يبكون : " كيف تحرمنا يا ريس عبد السلام من هذا الشرف ؟. لقد قام هؤلاء بأهم الأدوار في يوم الثورة ".. هل كانت هناك ادوار نظيفة في تلك المحنة ، قفز على قامات البلد واعلامها ، وإيداعهم السجون ، وإحالة وطن الى ثكنة عسكرية ، على غرار المرابض السوفيتية .
( من كتاب : الملحمة الوجه الاخر .. تاليف عضو الجمعية الليبية لسجماء الراي .. د . عبدالقادر الفيتوري .. سنتابع نشر الحلقات هنا .


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق