الاثنين، 18 أغسطس 2025

الوجه الاخر ( لملحمة جلود ) - 3


 

 

      اول معرفة لي بالرائد " جلود " ، محاضرا في معسكرات الاعداد العقائدي ، فترة عطلة نصف السنة ، اسبوعين ، والعطلة الصيفية ، وطائرات " الليوشن " الروسية الضخمة ، تجمع قطعان الطلبة وتنقلهم الى العاصمة ، معسكر السواني ، معسكر معهد ابن منظور ، معسكر تاجوراء ، وسلسلة المحاضرات الشهيرة عن " ثورة اليسار العالمي الجديد " ، وبطولات كاستروا ، وتشيجفارا ، وحركة التحرر العالمي ، ويوم ان احتجبت نتيجة اجازة المرحلة الثانوية ، كنا ننتظر على احر من جمر ، متى ينتهي المعسكر ، ويتم اعلان النتيجة ، وفي اليوم الاخير ، جلس " الرائد بشير حميد " ، آمر معسكرات الاعداد العقائدي ، تصدر منصة الخيمة الضخمة بمعسكر تاجوراء ، وكل من سمع اسمه يجمع خارج ، وتم ابلاغهم بأنهم لم يجتازوا المرحلة ، ويمكنهم حمل امتعتهم ومغادرة المعسكر .            انتهى المعسكر بإعلان نتيجة المرحلة الثانوية بمدارس البلاد ، وحجبت نتائج من لم يحضروا الدورة .

     لا زلت اذكر عبارة كنت ترددها كثيرا : " ان الانسان لا ينتفض مناضلا من اجل الظلم ، بل من اجل الشعور بالظلم " ، الم تدرك يومها ان حجب نتيجة الطلبة ، ورهنها بحضور محاضراتك ، ظلم وضيع .

 


          ينبغي ان تاتي مذكرات الملحمة على تلك الفترة ، وتكمل لنا اين صارت تنبؤاتك لمستقبل كوبا ، وفنزويلا ، ونضالات الثورة البافارية  ، ولما كانت نهاية تشيجفارا على يد راعي غنم ، لا له في العير ، ولا في النفير . لكنه سئم الحرب وقد قضت مضجع قطيع غنمه .

        بداية الثمانينات قال : ( ما لم يكفي تجريد  القوى المضادة  من جميع أسلحتها وقوتها التنظيمية والإقتصادية والإجتماعية للحد من خطرها على النظام ، فإن "التصفية الجسدية " هي الحل النهائي والجذري لحسم هذا الصراع لصالح "الثورة ! ) . اما خشيت التصفية وانت داعية " الدولة المدنية " . اظن لم تنطلي عليك تلك الطرق الماكرة للتخلص من " الرفاق" ولو بتصفيتهم جسديا ً؟ .. كتب الناشط وراء الشطآن الباردة ، " سليم الرقعي " في المناسبة ، اذكرك به : ( لا أخال شخصا ً كمعمر القذافي متأصلا ً في ممارسة الجريمة السياسية ونظاما ً شموليا ً مخباراتيا ً قمعيا ً موغلا ً في الإجرام كنظامه سيعدم الحيلة والوسيلة في تصفية شخص مثل الرائد "عبد السلام جلود"! .. ولو بالطريقة الخبيثة والمضحكة التي تمت بها تصفية عضو مجلس قيادة الثورة سابقا ً" الرائد موسى أحمد " عام 2005 في مزرعته بطرابلس ، قيل لنا يومها أن عصابة مجهولة من " الأفارقة ؟ " قامت بالسطو على مزرعته وقتله ، والتمثيل بجثمانه ، ثم فرت إلى مكان غير معروف !.. القضية قد قيدت ضد مجهول!.. والمجهول نحن وأنتم نعرفه يقينا ً جيدا ً!.. فمن غيره بظنكم! ؟.. إنه ليس سوى " مستر جون"!.. وما أدراكم ما "مستر جون" لو كنتم تعلمون !!!!؟؟؟." ).

         فصول لا ينبغي لها ان تغيب عن الملحمة ، محطات المعتمة حالكة السواد ، وما اكثرها ، وتلك الزوبعة التي اثارتها صحيفة " اويا " نوفمبر 2010 ،  حول عودة الرائد " جلود "  لتولي منصب قيادي ، بعد أكثر من سبعة عشر عاما من اعتزاله للعمل السياسي الرسمي والمعلن ، وان الغرض ، ترميم النظام المتداعي الذي كان هو يوما  مساهما في زرع خناجره بجسد الوطن ، وانه اختير حصان طروادة لمحاربة الفساد المستشري بهياكل الدولة المهترئة .

      قيل يومها " اويا "  منبر إعلامي بصوت سيف الإسلام القذافي ، المندفع اللاهث لوراثة والده ، حتى وهو حي يتنفس . لعبة سيفية مخاطرة ومغامرة ومقامرة ، ومتمادية ، تنوي سحب البساط من تحت ارجل الاب ، والإخوة الأعداء في الأسرة الحاكمة ، وبحسابات قبيلة مرتعشة من توجهات وصراعات الإخوة الأعداء . هل هذا كان محض افتراء ؟ .

        اورد صاحب التكهنات السالفة ، الكاتب ابراهيم قرارة ، طرفة تحكي قصة جارين فقيرين ضاقت بهما السبل ، فتفتق ذهن أحدهما عن وسيلة ارتزاق ، بأن ذهب وابنه الصغير الى مقر جلود بـ " قصر الشعب" ( قصر ولي العهد ، والمكتبة القومية بعد اعتزال جلود ) ، وما أن لمح الفقير وابنه سيارة جلود حتى تظاهرا بأكل عشب الحديقة الأمامية ، ليأمر جلود سائقه بالتوقف ، مستدعيا الفقير متسائلا عن سبب تصرفهما ، فأسهب الفقير في ذكر الاسباب ، فأمر جلود بحل مشاكل الفقير وتوظيفه وصرف مبلغ مالي عاجل له . رجع الفقير غانما ، ليبلغ جاره الفقير الأخر بالحيلة . الفقير الأخر ، حاول التذاكي على امل ان تأتي الغنيمة أجزل ، ذهاب رفقة كل أسرته امام مقر القذافي في " باب العزيزية " ، تربص المسكين حتى لاح في الافق عبور موكبه ، وشرع افراد الاسرة  في التهام العشب بنهم ، عندما شاهدهم القذافي ، لم يستدعيهم ، أرسل احد حرسه للتقصي ، عاد الحارس مخبرا ، فكلفه القذافي قائلا : " باهي ، قل لهم يأكلوا من جهة العشب اليابس ، موش من العشب الأخضر." .. وفي الطرفة  دلالة  كافية ، وطن اوكار الفقر ، وان نتاج الديكتاتورية ، أي كانت هو الذل والهوان ) .

     طرفة اخرى تلوكها الالسن ، جلود برفقة القذافي لحضور حفلة عرس ، قدموا لهم ( قصعة  بازين ) .. جلود يخاطب القذافي وهو منهمك في الرفس ،  ارفس ارفس يا معمر  .. ومن يومها 42 عام وهو يرفس فينا .

    طرفة اخرى ، يوم ان قال القذافي في خطابه  ، لي مرتبي فقط ، حتى اضحية العيد ،  استلفت ثمنها من جلود ، ( 200 دينار ) . هل كان صادقا يومها ؟ . انت فقط من يعرف الحقيقة . ومن سلف السبت .

   واحدة اخرة من زمن " الملحمة " ، لن اوزع عليكم الثروة لتشتروا بها شكلاطة .

   جلود خطر على القائد ، ينتمي لقبيلة المقارحة ، والتي تصطف تاريخيا في الصف المقابل لقبيلة القذاذفة (صف القبلة ، صف البحر، أو صفي يوسف وشداد) . وقيل أن جلود كان يقول عندما يسمع وصفه بالرجل الثاني في النظام : " بل الرجل الأول مكرر" .. هل هذا حدث ؟

      امام فشل القذافي ، جلود الذي جاب ساحات السياسة الخارجية بالشرق الاوسط ، من طهران الى لبنان ، مشرف ملف تسلح الجيش ، المفاوض في تاميم النفط ، وتجيير اجلاء القوات الاجنبية ، التي هي خطوة تم التفاوض حولها من قبل العهد الملكي ، وأنجز الاتفاق ، وفي تدشين  قيادة اللجان الثورية ، منسق " مكتب الاتصال باللجان الثورية " ،  وقيادته الميدانية الشخصية لعملية استعادة قطاع اوزو أغسطس 1987 ، منقذا ماء وجه رفيقه من تداعيات هزائمه المتكررة  . هل هذا كان كافيا لمنح جلود الحصانة ؟ ، وهل فشل جلود حقا في ثني القذافي عن مشروع " النهر الصناعي" لتكلفته الباهظة ووجود بدائل أنجع .. الاخيرة ربما مجرد اشاعة ، فقد ارتجل الرائد خطبة عصماء ، قال بعجب : كم من عائد جنينا بانجازه ، وفرق سعر لتر الماء ، بدلا من استيراده ، او تحلية مياه البحر . لابد انه كان يجاريه منذ البداية . اليس في ذلك جريمة ، مياه في جوف الصحراء منذ العصر المطير ، ومليارت من الاموال انفقت لتجسيد مجد شخصي . كنت تدرك ذلك ؟ .. لماذا تاخرت في الانشقاق تلك اللحظة الفارقة ؟

      معسكر السواني ، محاضرة حول الديمقراطية وفقا للنظرية العالمية الثالثة ، يلقيها الرائد جلود مساء اليوم ، الساعة الرابعة مساء ، التجمع الساعة الثالثة والنصف ظهرا ، اصفاف الطلبة ، والجلوس داخل الخيمة انتظارا لقدومه ، يأتي متاخرا الثامنة مساء ،  وقد لا يأتي ، ويتولى الرائد بشير احميد سد الفراغ ، يجلس على المنصة ويعيد سيرة ثورة اليسار العالمي الجديد ، هو الاخر هذا ما يحفظه .. كيف حدث كل هذا التماهى معه فكريا حتى انك تحاضر عن " نظريته  العالمية "  ؟ .

    هل حقا طلب جلود وقف سنة الإعدامات في ساحات الجامعات سنتي 1983 و1984، ، وطلب من القذافي وقف إعدام رشيد كعبار ؟ ، وان القذافي وعده ليخلفه ؟ ، وتلك سنة انت من ابتدعها ، وأُعدم  رشيد منصُور كعبّار، يوم 16 أبريل 1984م .

     في خطاباتك اعتدت نعته بـ ( الاخ معمر ) ، ومع الايام لم تقبل منك ، وصدحت اصوات الحشد المعد في حضوركم  ، وكلما كررتها : " دوم معمر هو القائد .. ومن غيره خراف وزايد " ، لما تقرأ الدرس كاملا لحظتها ، وتعلن انشقاقك ؟

     كان يمكن للخطوة ان تحسب له ، تأتي بمثابة اعتذار صادق للشعب الليبي عما اقترفه ، لعل الشعب يحسبها له بعد التغيير والعدالة.

 

 ( من كتاب : الملحمة الوجه الاخر .. تاليف عضو الجمعية الليبية لسجناء الراي .. د . عبدالقادر الفيتوري .. سنتابع نشر الحلقات هنا .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

هرطقات القذافي