غاب كياني ، وتبخرت احلامي ، ارى الخط منعرج وقد تعثرت الاحرف والنقط وعلامات الوقف والترقيم وتوارت الكلمات ، اعرف انك ستسألني لماذا ايها الربان ؟ . وبعد ما قد كان ، تحطمت سفينة المد ، والشاطئ صخري صلد ، والزمن الممتد ، سبق السيف العزل ، كم من الامهات المكلومات تركت ورائي ، زرعت وحصدتم ، وعن امرأة ترتعد وتحتضن طفلا تحيطه بذراعيها وهو يصرخ خوفا وهلعا ، بينما يدس رأسه بصدرها وكأنه يريد ان ينفذ بداخله .
راس الخيط ، صرخت بحماس هستيري منددا بالخيانة التي تعرض لها الوطن ، صخب وهيجان ، " ابليس ولا ادريس " ، قفزنا لحظة دروة الهيجان ، قنصت ثورة وصرت بطل هذا الزمان ، وطاب المقام والمكان ، وعلا الشأن ، انا الصقر الوحيد ، والكوكب الفريد ، في الليل العربيد ، والسهر والتأمل والهيام ، وكانت ليلة مظلمة حالكة ، كدت اهجع لنومة قصيرة ، وسخرت من نفسي ، أي صقر ووحيد ، طريد شريد ، متفرد بلا انصار ، بئس الاختيار ، وكأنني ارى متطفلين ، لسمائي مخترقين ، ونجوم اخرى في مجرتي تائهين ، انا الشمس المشرقة ، الصقر الاوحد ، النجم الاوحد ، الرأي الاوحد ، الرمز الابد ، انا ومن بعدي الطوفان ، وكان ما كان ، كما ترى الان .
انه من الواجب احيانا ، ان تخفي مشاعرك الحقيقة ، وان تتحكم في انفلات وجهك ، وان تفعل ما كان يفعله الجمهور ، ويجب ان يتعودوا على هذا ، النفط والمال ، في جبيرتي ينهال ، والسلطان بالجند ، والجند بالمال .
ذات يوم دخل رئيس حرسي وقال : قبضنا على خائن ارعن ، والشعب يحتفل بالساحة الخضراء ، في ذكرى المناسبة الغراء ، الاثنين عام الف وتسعمائة وتسع وستون ، الليلة الغبراء ، لكنهم اعدموة ، " ما ترحم من خان .. شنقا في الميدان " ، واستمر النقل المباشر ، وعلا الرقص الساحة والمنصة ، هتاف وهيجان ، ثم شنقوا جاره بعده .
كان يستحق العقاب الذي وقع به ، والسحل بعد الشنق ، وجاره ايضا ، ففي لحظات يمكن فيها ان تكون تعبيرات عينيه كشفت حقيقته ، مهم ان اكون على معرفة دقيقة بمشاعر الشعب ، وكل شيء ، وما تضمره قلوبهم من ازدراء وكراهية واشمئزاز ، الشعب الشريد ، مثلما اريد ، كتلة من الحماس الاحمق ، والولاء الاعمى ، وغباء مستحكم ، شراسة متنمرة ، الطاغية لا يصنع نفسه ، وإنما يصنعه الناس ، استخف قومه فأطاعوه .
قرأت بلهجة وحشية بيانا ، معظم الابناء باتوا مصدر رعب لأهلهم وآبائهم ، مثابات ومعسكرات ، وسواعد واشبال وزهرات ، تثقيف ثوري ومسيرات ، تحويلهم بشكل منهجي الى رعاع لا يمكن ضبطهم ، وهذا بدوره يقتل فيهم اي ميل الى الثورة ، او مجرد تسلل الفكرة الى اذهانهم ، " الفاتح كيف عقار الجد .. الفاتح ما نخلوه لحد " ، " يا قائدنا عدي بينا .. غيريك ما يقود السفينة " ، " وعقبال مية عام " ، بل على النقيض من ذلك سيصبحون عبيدا لي ، ولكل ما يتصل بي .
ان الاغاني ، والمواكب ، وحمل الرايات ، والتدريب العام على السلاح ، وتقديم فروض الطاعة ، والهتاف بحياة الاخ القائد ، صار نوعا من اللعب الممتع بالنسبة لهم ، اما ضراوتهم وشراستهم كنت اوجهها الى الخارج ، الى اعدائي ، من مجرمي الفكر ، اصدرت قانون الشرف العام ، كان امر طبيعيا لمن يعولوا الخوف على اولادهم وذويهم ، اتذكرون قصة البطل الصغير الذي قبض على اباه واولجه السجن ، واخر ينتظر ان يشي بوالديه لشرطة الفكر بنقله ملاحظة عنهم تضعهم موضع شبهة .
للانتصار في معركة الامة ، ستخفض حصة الفرد ، وحناجر الكادحين ، الحيارى التائهين ، تصدح " بالخبز والماء قررنا الحياة " ، وتفشى عصر الطوابير ، عصر صبر الجماهير ، منشأت وجمعيات ، واسواق عامة وثكنات .
كانت الساعة الثانية بعد منتصف الليل ، شهر " الطير " ، تناهى الى سمعي صوت قذيفة صاروخية انفجرت محدثة دويا رج الارض رجا ، طرابلس وما حولها ، كانت غارة جوية امريكية غادرة ، هدمت منزلي ، كنت في الطابق السفلي ، نجوت بأعجوبة ، كنت اتوقع غدرهم .
في اليوم الثالث ، انهى الشعب مراسم دفن ابنائه ، وبكامل قيافتي العسكرية ، ومن سردايب غرفة العمليات والمغارات ، ارتجلت خطاب ، هنأتهم بالنصر المبين ، وان ليبيا منذ هذه اللحظة تزينت بتاج العظمة ، فما يقارع العظماء سوى عظماء مثلهم ، واكثر من هذا ، لقد هزموا وتقهقروا وفروا ، واسقطنا طائرة ، كنت اهم بالخروج ، وقع مقبض الباب من يدي ، وكدت اقع ، كانت لحظات تاريخية عصيبة ، غير ذلك ، قدر لكم ان لا تحرموا من بركاتي ونسكي ، وهدي ورشدي ، نجوت ، هذا يوم عيدكم ، يوم انتصاركم المجيد ، وهتف الناس .. امين .
واخر طرف الخيمة ، نفرت حاجباه بعد سماعه الخطاب ، تدارك ونابه الحذر ، قال له الذي حدق في عينيه ، لا تكثرت ، انا معك ، ضيعة تشرين " تارينا منتصرين واحنا ما نندري " ، وقهقه معا : ( عطيك دعوى .. حسبتك في الاول امن داخلي ) . صوت الشعب يتضور همسا .
كم هي جعبة اعياد انتصاراتنا المباركة متخمة ، عطلات رسمية ، اطفال المدارس في ابتهاج ، وريح عجاج ، وتائهين في اهتياج ، حق الشعب ان يتفرغ يوما ليحتفل ، وكل ايامنا انتصارات ، احتفالات ومسيرات ، عطالة وعطلات ، مؤتمرات ومحاكمات ، الاحتفاء واجب قسري ، ونظرك في نظري ، يوم عظم شأن الناس والبلاد ، الجوعى منهم والأوغاد ، وصارت عظمى على رؤوس الاشهاد .
نقشت صورتي على العملة الورقية ، وطوابع البريد والازقة المنسية ، الكتب والإعلانات ، الهدايا والمقتنيات ، تائه في غابات قاتمة في اعماق البحار ، في عالم وحشي ، حيث انا هو نفسه ذلك الوحش .
الماضي ميتا ، والمستقبل مجهولا ، والحاضر اجردا ، وفي هذه الايام التي باتت زمانا للخوف والكراهية والألم ، كيف لي ان اقوض ثقافة قائمة وانقض نظاما فكريا بحركة بارعة من الزمن القديم ، من يسيطر على الماضي يسيطر على الحاضر والمستقبل ، كانت مآثري تتوغل تدريجيا في الماضي ، زعيم الثورة وحاميها ، والقيم عليها ، وقصة والدي يوم ان اخترقت رصاصة صدرة ، لكنه لم يكل ، ولم يوليهم الدبر ، وظل يشارك رفاقه حتى اللحظة الاخيرة ، وتحقق النصر ، وفرت بقايا جحافل الطليان ، وطهرت ارض الوطن ، واعدت العبارة ، رصاصة اخترقت جسده ، يوم تصدى للغزاة دفاعا عن الوطن ، وقهرهم ، وأرغمهم على التقهقر ، وطهرت ارض الوطن .
كان الضباب يحجب كل شيء ، ولا احد يعرف ما هو الحقيقي وما هو المختلق ، رفة عين واحدة يمكن ان تؤدي بك الى المهلكة ، التاريخ لوح تم تنظيفه واعيد النقش عليه ، كل شيء يتلاشى في عالم الظلال الى حد يصبح معه حتى اشهر السنة يمكنك ان تخترع لها اسماء ، ناصر ، الفاتح ، أي الماء ، ولما لا . اعكف على انتاج نسخ محرفة ، وابحث عن من يتمتع بموهبة مدهشة في التعامل مع القوافي والاوزان .
حملات التطهير الكبرى ، يجب ان تشمل الاف الناس ، محاكمات علنية للخونة ومجرمي الفكر الذين اقروا بخسة ما اقترفوا من جرائم ، وما دبجوا من مقالات وشتائم ، وجرى اعدامهم فيما بعد .
لم تكن سوى عينات خاصة للعرض ، اما الامر المألوف فهو اختفاء من ينالهم غضبي من الوجود ، واختفاء ذكرهم معهم ، وفي بعض الاحيان فليطلق سراح بعضهم ويمنحون حريتهم لسنة او سنتين ثم ينفذ فيهم حكم الاعدام على ارصفة الطرق .
ما اكثر المناسبات ، وما اكثر الانتصارات ، ولابد لي من ان اكرس خطابي القادم لأحياء ذكرى انتصار مختلق ، لعلك تظن ان مهمتنا ابتكار كلمات جديدة فقط ، ان ما نقوم به مما هو اهم ، تدمير الكلمات وسلخ اللغة حتى العظام .
قال احدهم : لم يكن عقلي هو الذي يتكلم ، بل حنجرتي ، الفاظا معزولة انثرها ، وصخبا يصدر عن حالة من اللاوعي ، اشبه بصوت بطة ، وشنقوه في الحال .
كان المرء يحس دائما باصوات احتجاج تنبعث من معدتهم ومن تحت جلدهم ، انه لخطر جسيم ان تدع افكارك تجري على عواهنها حينما تكون في مكان عام ، فاهون الاشياء يمكن ان تؤدي بك الى التهلكة ، حتى لو كانت نظرة قلق لا ارادية او همهمة اعتدتها ، او نفرت حاجبين ، او اي شيء يوحي بنقص في الولاء .
كنت الجأ لحيلة طرح الاسئلة ، ثم تقديم الاجابة الفورية عليها بنفسي ، اتدرون ايها الرفاق ما هو الدرس ، هو الاشتراكية ، والطبلة والرشاش ، والخيمة والمهراس ، ( ونرقص ونقاتل ونغني ، وبالدبابة والمرزم ، الجولان نخلطها دم ، حافظ حافظ لا تهتم ، وكركر نفايات حديد روسيا ، وعرض في الساحة الخضراء .
واجعني حال رفيقي بوبكر ، كان المسكين يظل واقفا متسمرا طوال مدة العرض ، وكان العرض يمتد لساعات وساعات طوال ، متنكبا المنصة الارضية ، يرد التحية لأفواج مجنزرة تجرف صفائح اسفلت العاصمة ، وقعقعة تهتز لها جدران السرايا الحمراء العتيقة ، وعتان دخان الحديد لمسوس ، ( إلا ما انعمى بوبكر وقتها .. انظر وين دايرها ولاقيها ) .
ومن على عرش المنصة السماوية ، اضفت بضع ملاحظات عن الطهر والإخلاص التي اتمتع بها في خطابي بالمناسبة ، وان ربع الراتب يجب اقتطاعه لسداد التبرعات - التي يعجز المرء عن احصائها - ، صندوق الجهاد ، النهر الصناعي ، مساهمة الليبيين في الشركات ، سعر البندقية ، قفص الدجاج ، دعم قضية الهنود الحمر ، جبهة الساندنيستا ، لويس كارخان ، بوسياف ، وحليمة بو .. عقد الماس ، وعن حادثة صفع ابني للوزراء وقد سمعها القاصي والداني ، أكدت انني عنفته ، ووعدني ألا يكررها ثانية إلا مضطرا ، وفي كل الاحوال ، ( اولادي كيفهم كيف اولادكم .. طين سانية ) . والوزراء لم يشتكوا لكم ، تعودوا على الركل والصفع .
طرحت بعض قواعد الحساب جانبا ، واكرر الدرس هو الاشتراكية ، والاعداء هم اعداء الاشتراكية ، ولابد من الحاق الهزيمة بالعدو ، وتعقب الجواسيس لصوص الكلمة المخربين ، مجرمي الفكر . ومن استراق السمع لحديث كان يبدو انه يتضمن ميولا اجرامية ، وسرت في اوصالهم نوبة فزع شديدة .
سر رشاقتي انني لا اشرب سوى مياه جبال الهاملايا ، وافضل شواء الخرفان الصغيرة ، لا اشرب الخمر ، وأدخن السيجار الكوبي فقط .
الطوابير تتحرك ببطء ، والقاعة تغص بمن فيها والضجيج يصم الاذآن ، " سوق عام " ، ومن على طاولة التوزيع ( يحذف لك صرة ، انت وحظك ، الصره اللي تجيك ، السوم واحد ، بدل انت وجارك ، عطيه فردة مداس يسار ويعطيك ايمين ، وإلا سروال عيل ، ويعطيك كندره قرن ) ، وعام الحلبة ( بتشري حاجة من السوق العام ، تشري معاها اثنين كيلو حلبة ، صفقة حلبة اغرقت المخازن ) ، قال احدهم : " افضل صفقة تتحفنا بها لجنة الاستيراد ، تحس باوجاعنا ، " مش عاجبك .. سف الحلبة " ، قبضوا عليه في الحال ، ولا احد يعلم نهاية قصته .
لم يكن للمرء اصدقاء ، بل رفاق . غير انه كان من بين الرفاق من رفقته الطف من رفقة غيره ، قال احدهم ، عينين جاحظتين عليهما مسحة من الحزن المفعم بالسخرية ، تبدو كأنهما تتفحصان وجهك اثناء حديثه اليك ، وبلغني .. وشنقوه .
الولاء يعني انعدام التفكير . بل انعدام الحاجة للتفكير .. الولاء هو عدم الوعي ، في المعسكر الصيفي للتدريب العسكري العام لطلاب المدارس ، دفع بـ " الكاويطه " من تحت القضبان ، فوضع له طاهي " الميز " غرفة كاس ، ارز والسوس يطفو ، امسك بملعقته وغمسها في المرق الاصفر ثم رفعها الى فمه ، تمعن باستياء في الحياة التي يحياها ، وتسأل : اهكذا كانت الحياة دائما ؟ . هل كان مذاق الطعام رديئا كما هو الآن ؟ والقى نظرة حوله ، حشد وتراصف ، كاويطات منبعجة ، واباريق خشنة ، وروائح حمضية رديئة ، وبدا له كل الاشخاص كانوا قبيحي الشكل ، وان هذا القبح لن يزول حتى لو ارتدوا ملابس اخرى ، وخلعوا الرداء الاخضر المعهود ، ثم انحنى برأسه على زميله حتى يتسنى له الحديث بصوت منخفض ، قال غير عابئ : " وجبة مقززة ، وكأنه طعام تقيأه احد ما ، قجاج ، ويبدو ان ابناء عامة الناس ليسوا بشرا " ، كان يرى ببصيرة نافذة ويتحدث بصراحة شديدة ، نسي نفسه ، وحذره رفيقه ، يوما ما ستختفي من الوجود ، ذلك ما اراه مكتوبا على جبينك ، هل كان المرء يضيق ذرعا بتلك الاوضاع التي لا تطاق لو لم تكن لديه ذاكرة ما توحي اليه بأن الامور كانت تختلف عما هي عليه الآن .
وقال اخر غير عابئ : " لا ادري لما يلقي برأسه الى الوراء وهو يتحدث ويتطلع للسماء ، انه من المستحيل تقريبا ان تميز كلمة واحدة من بين ذلك السيل من الكلمات المتدفقة من فمه ، ضجيج وجعجعة " .. وشنقوه في الحال . رجعي انبطاحي زئبقي .
حال يهونك حال ، ( كنت اود ان اسألك ما اذا كان لديك شفرات حلاقة يا جار ؟.. ولا واحدة ، لقد بحثت وجربعت الاسواق والجمعيات ، والفراشين على الارصفة والطرقات ، لم اجد .. لم تعد موجودة الان ) ، واختفوا الاثنين عن الانظار ، اما نهاية قصتهم ، فلا علم لأحد بها .
واخر قال غير عابئ " الدقيق ناقص في السوق " ، حكم عليه بالأشغال الشاقة مدى الحياة ، ونقل الى السجن التابع لمؤسسة السلع التموينية ، شيال في مخزن الدقيق الرئيسي " ، واخر ما نقل عنه ، " الحمد لله ما قلنا الفلفل ناقص " ، اما نهاية قصته ، فلا علم لأحد بها ، وكم من الاعدامات التي تنفذ وراء زنازين مظلمة ، بطرق وادوات مختلفة .
كانت عملية شنق جيدة ، كنت احب ان ارهم وهم يرفسون ، واللحظة الاكثر اثارة اتت في النهاية ، تأبطت فتاة باحدى قدميه ، " هدى بن عامر " ، ظلت تتأرجح وتتمايل مع رفسات روحه الاخيرة ، مهللة زهوة ، وحينما تدلى لسانه الى الخارج وقد اصبح داكن الزرقة ، تلك اللحظة هي التي تحوز اعجابي ، لماذا لم تذهب لمشاهدة الرجعيين يشنقون ؟ . انت رجعي ، جماليات اللغة الجديدة التي كنت مولعا بها وبارعا فيها .
الذي كان لا يرد حتى على الخيال ، اصبح حقيقة راسخة ، والذي لم يسبق ان كان له وجود في الحاضر ، اصبح موجودا في الماضي ، وحينما ينسى الناس عملية التزوير ويطويها النسيان ، فلسوف يصبح وجودي يضاهي وجود شارلمان او يوليوس قيصر او صلاح الدين في صحته وثبوته .
وساروا في الشوارع حاملين الرايات وهاتفين بحياة القائد صلاح الدين ، امتنانا له على الحياة الجديدة السعيدة التي وهبها لهم ، والفردوس الارضي الذي اهداهم ، بفضل قيادته الحكيمة ، لا تنسوا اننا في حالة حرب ، ولمح احدهم شخص تبدو ملامحه غريبة ، ملابسه تشيء بالخيانة ، والسأم المتعالي يكسو تغضنات وجهه المكفهر ، وظل يقتفي اثاره ، ثم سلمه لأحدى الدوريات ، اما ماذا حدث للرجل بعد ذلك ، هذا ما لا يعرفه احد على وجه التأكيد ، درست اخباره ، لا استغرب اطلاقا اذا ( عدى فيها كيلو زيت ) ، من الممكن ان تكون قد فضحته ملامح وجهه .
" الفردوس الارضي " ، اول جماهيرية ، العبارة البهية ، تجرعوا وهم الرزية ، وهتفوا برب البرية ، ينهشهم المرض والعوز ، والغربة في جماهيرية الموز ، وسنوات عجاف قساة ، تلتهم اجيال حفاة ، كان كل شيء ، وكل انسان ، آخذ في الانزواء والتقهقر للوراء ، وحيثما التفتوا حولهم ، ثمة مخلوق بلا عينين ، ابتلعه حماس التعصب ورغبة متقدة في تعقب كل من تسول له نفسه .
وقال غير عابئ .. بعدما قابل السيد الامين الوزير ، ووعده ، " يسخر الله .. يعني انسى " .. وطغت عليه رغبة جامحة في ان يصيح بأعلى صوته متفوها بكلام بذئ ، او ان يضرب رأسه بالحائط ، غادر يتمتم " يسمنون في وقت مبكر جدا .. وجوه ممتلئة وعيون صغيرة .. لا اعرف الكيفية التي تمكن من خلالها هذا النمط من الجرابيع النفاذ الى هنا ".
انه النمط الذي يزدهر بصورة افضل في زواريب الفردوس الارضي " ، ثم اخد يردد بينه وبين نفسه : " ان الد اعدائك هو جهازك العصبي ، وما يعتمل في نفسك من توتر قد يورطك في ما لا يحمد عقباه " . لكنهم افرجوا عنه في اليوم التالي ، وبرئ من تهمة شتم الامين الوزير ، وقال القاضي : شتم الوزير او حتى صفعه على زومته ، لا يعد جناية ، " واخذ على الهزايب " .
القنبلة السكانية ، مشروع المواجهة ، تزاوجوا وتكاثروا ، الحاج محمد جارنا تزوج ولية ثانية ، وشدها ، تسعة اشهر واربعين يوم بين العيل والعيل ، ووحدة من النساوين من سر ، كل بطن ثوائم ، بعد 20 عام اصبح عدد الاولاد فقط 25 ، والمرتب 200 دينار ، قانون 15 ، وكلها داهشه ، وعلى هال الحال ، في جلسة المؤتمر الشعبي : " يا جماعة احنا في اول السبعينات قلتولنا القنبلة السكانية مشروع المستقبل ، في مواجهة القنبلة النووية الصهيونية في ديمونة ، انا ساهمت بعدد 25 جندي ، والخير انشالله لقدام ، والان ، ما عندي لهم ما يأكلوا ، والمرتب ما لحق حتى على السلع المدعومة ، حكة طماطم وشكارة دقيق من الجمعية ، غذانا عصيده ، وعشانا عصيدة ، كيف الرآي ؟ . قولولنا ، نكلم فيكم من جدي ، من اللي يتحمل المسؤولية ، " انا اش ذنبي " ، وشكرا .
كلام في مؤتمر شعبي في اخرها من غادي ، " ييبس ويشيح وتقله الريح "، لكن ربك ما يخلي ، اربع سنين ما زاد عليه عيل ، كيف صار يا عمي محمد ، من تسع شهور واربعين يوم ، اصبحنا في اربع سنين ؟؟ . زعل .. اخرها قاعدين تحسبولي باليوم ، الحق في انا ، يوم جبتهم نحسابكم بتحرروا فلسطين .
- نحسبولك حاسدينك ، انت من كيفك ، رد الحاج مخلوف يلملم اطراف الكلام ، ياريتنا تزوجنا كيفك في هذاك الوقت اربع نساوين ، يا ريت ، يترمد يتمرمد وينوض ، الجرادة وهي طايره في السماء تبيض وتحذف ، تقول : " جندب وإلا لا جندب " ، العيل اللي ياكل قفيز تراب يصير منه ، ويا ريت خوتي ثلاثين واولاد عمي بزايد ، ولا ياكلوا لقمة الدين ، ولا يلبسوا جرد بايد " .. " وعد ارجالك وارد الماء " تقول الناس لوله ، و" المراة ليا جابت ولد ردت راس مالها ".. و" العمر تفناه زريبه " .
" ارحم بوى خلانى هواوى ** كيف النجم في قلب السما
لالى غرس منبوته سناوى ** ولا زيتون معصاره دوا
ولانى من قصيرين الخطاوى ** ولانى من حماميل الصغا
ولانى من عديمين الفتاوى ** نصلى بالتراب حدا الما
كيف البوم يبقى في الخلاوى ** نين يموتوا تحت الغطا
وحتى الصقر ركاز العلاوى ** ان جاه الضيم من وكره جلا
ونا الطير لربد بو جلاوى ** عندى البعد والدانى سوا
بوادى بر فى منع الشهاوى ** نقيموا صبح ونشيلوا غدا "
الله لا تقدر غدوه يصير ما يصير ، وهي كيف ما تشبح ، بن عمي بن عمك ، قبايل ودول وحدود عرفية ، واسوار مرئية وغير مرئية ، ورياح عاتية تعصف رواق خيمة ، والأوتاد متهالكة قديمة ، اقل ما فيه يشكلوا كتيبة ، " وتريبك بر يا وادي لحصان .. وريت البل جاتك من زمان " .
تحت ضوء قنديل ينبعث منه نور ضئيل ، وكانت الشوارع خاوية ، والكهرباء مقطوعة ، هل تعرف ما الذي زودناهم به مؤخرا ، اجهزة تنصت تتعقب اصوات الناس من ثقب الباب ، تسترق السمع ضعفين ، ولدينا افكار اخرى مناسبة ، غيمة من الغبار الكثيف غطت الانقاض ، في زاوية ناشئة عن نتوء واجهة احد المنازل . وقف ثلاثة رجال متقاربين جدا وقد امسك اوسطهم بجريدة مفتوحة فيما كان الاخران يتطاولان لقراءتها من فوق كتفيه ، وحتى قبل ان يصبح على مقربة تسمح له باستقراء تعابير وجوههم رأى استغراقهم الشديد الذي شمل كل ذرة من اجسامهم ، وكان ظنه في محله ، " امن داخلي " .
هل تسمح لنا بهويتك ، ماذا تفعل هنا ؟ اهو طريقك المعتاد في العودة لمنزلك ؟ .. وهلم جرا ، الى الكتيبة ، شعب مسلح ، اخلع نعليك وارتدي ملابسك الجدد ، لقد صدر لك رقم عسكري ، جندي مأمور ، الجمع السادسة صباحا .
" شارع اول سبتمبر قلب العاصمة تاكلك فيه الغوله " ، اطبق جفنيه وضغط عليهما باصابعه محاولا ان يمحو ذلك المنظر الذي ظل مطبوعا في مخيلته ، وصر باسنانه وود لو استطاع ان يبصق ، طمس الصورة الحقيقة للحياة قبل الانقلاب ، وافرغ الحماقة في كتاب ، واذ افقرت جعبته ، كتب عن مثالب فساد الملك ، استلم 4000 جنيه عهدة اثناء سفره الى سويسرا ، ولم يقم بتسوية العهدة ، اقراوا كتاب " حقيقة ادريس " ، الملك الذي رفض الحج على حساب خزينة الشعب ، يبدر اربعة الاف جنيه ، ولا احد تحدث عن ما ينتظر اموال الليبيين من نهب على يديه وبسببه .
وقال اخر : الحقيقة ترويها المدن الكئيبة والقرى المتداعية الايلة للسقوط ، يذرعها بشر جياع ، يعانون سوء التغذية ، وينتعلون احدية " داتا " البالية ، وسورية وسروال صيني مهلهلة ، واشد ما كان يربض على صدره مثل الكابوس انه لم يفهم ابدا لماذا يمارسون علينا الخداع والدجل ، في الماضي كان من الجنون ان تعتقد ان الارض تدور حول الشمس ، اما اليوم فالجنون ان لا تعتقد بان القائد هو الشمس ، والمنظر ، المعلم ، المهندس ، الدكتور ، الكشاف الاول ، الرياضي الاول ، المرشد ، الملهم ، المبشر ، الربان ، عميد الحكام ، ملك الملوك ، واثنين واثنين يساويان خمسة ، وعليك ان تصدق ذلك ، ضلال الضالين هو عين اليقين ، لا تصدق ما تراه عيناك ، ولا ما تسمعه اذناك .
عدد مرات الحضور لجلسات المؤتمر الشعبي الاساسي كان موضع مراجعة وتدقيق .. يعرقل تجديد كتيب الجمعية وتحجب الحصة في السلع الاستهلاكية.
مسودات ومذكرات مطولة لا تنتهي . ومدة انعقاد المؤتمرات شهر قابلة للتمديد . يحتدم النقاش فيما بينهم . تشوب حديثهم مماحكات وخلافات . يتشاجرون ويهدد بعضهم بعضا . ينظرون الى بعضهم نظرات شاخصة تتلاشى مع صياح الديكة .
مجتمعا شموليا يخضع لدكتاتورية فئة تحكم باسم " الاخ القائد " . يبني سلطته على القمع والتعذيب وتزوير الوقائع والتاريخ ، باسم الدفاع عن الوطن والكادحين من ابنائه . يحصي على الناس انفاسهم . مراقبة تجردهم من اي تفرد وتخضعهم لنظام واحد . لا ينطبق على الاخ القائد وزبانيته .
طالما انه لا يعمل او يتناول طعاما او ينام ، فسوف يجد وقتا للتفكير ، وفيما عساه ان يفكر في غير السياسة ، الوطن جوال مملوء جردان ، ان توقفت عن الحركة ، نهشت جدران الجوال ، ثقبته وخرجت ، رج الجوال لن يترك لها فسحة للتفكير في قضم الجدار ، او الهروب ، تلك حقائق كنت اؤمن بجدواها ، ما كان لمواطن ان يكون لديه وقت او فراغ او ان ينفرد بنفسه اطلاقا إلا عند نومه ، تدريب عسكري عام للشعب ، ثكنات تدريب وتجديف ، ومعسكرات تثقيف ، ومن النساء والشيوخ جحافل المقاومة الشعبية ، والمناوبة الدورية ، الشعب المسلح غير قابل للهزيمة ، وعلى كل مواطن دفع ثمن بندقيته ، وان تخصم القيمة من مرتبه ، كان مشروع تربية الدواجن اكثر نفعا ، لكل اسرة 21 دجاجة وقفص ، اذبح الدجاجات واحذف القفص ، وعندك اخصم من المرتب .
ان كان هناك من امل فإنه يكمن في العامة . عندما تصوغ ذلك في كلمات فانه يبدو معقولا . في رحلة الشتاء والصيف . شهر التمور . وفزان . كنت اسير بين اكواخ تصطف محطمة الابواب تطل مباشرة وكأنها جحور جردان . وكنت ارى بركا من الماء القذر هنا وهناك . مداخل الابواب المعتمة . الازقة الضيقة . وكانت اعداد هائلة من الناس تتكوم . ونساء مترهلات يسرن متهاديات يمشين على مهل . ونساء عجزة يسرن على اقدام مفلطحة ، واطفال في ثياب مهلهلة واقدام حافية يلعبون في برك الماء الآسن . رغم سماعهم لصيحات غضب امهاتهم . وباعة يعرضون مقتنيات ذابلة . وعدتهم " ان فزان سوف لن تكون نسيا منسيا بعد اليوم " .
من السهل ان تنتقد الاخرين طالما ليس عندك من المشاكل ما عندي . هل اعلمكم الالف باء مرة ثانية . مزال في ظني ان القنبلة السكانية هي الحل . وان السود سيسودون العالم .
عشقتم الهتاف باسمي . وطاب لقصائدهم تمجيدي . وكنت احب ان ارى فيكم هذا التوقير والاعتراف . وان كنت اعلم ان لا احد منكم موافق على ما اقول . وان ما يفعله مضطرا اليه . لم يكن قد بقى على قيد الحياة من الذين كانت افكارهم مزعجة .. فقد ادى بهم ما لاقوه من ارهاب الى حالة من الاستسلام .
دوامات الغبار في صباح يوم عاصف . اول سبتمبر . بينما كانت الحقائق الرئيسية واقعة خارج مدى رؤيتنا . كنا كالنملة .. ترى الاشياء الصغيرة بينما تتعامى عن الكبيرة .. السجلات المكتوبة زائفة . وحينما يعتري العجز الذاكرة . يصبح الادعاء بتحسين اوضاع الحياة الانسانية واجب القبول ، لأنه لم توجد ، ولا يمكن ان توجد ، اي معايير قياس صحة ذلك من خطئه .
منكم من اطلق لأفكاره العنان . وقادته قدماه مرة اخرى الى ذلك المكان من تلقاء نفسها . فما عساه ان يتعلم مما في " الكتاب الاحمر " لماركس الشيوعي الملحد . ومن قراءة " معالم على الطريق " لسيد قطب . الاخواني المسلح . ها هنا تجد شمعة تستنير بها حتى الفراش . وها هنا منجل لحز رقبتك . أليس من واجبنا ملاحقة الكتب الصفراء وإتلافها .. واخرى منع وصولها ليد المواطن تحصينا من شرورها .
بصمات العهود المفقودة والتي ما زالت موجودة في مكان ما ، او اتخذت شكلا اخر تم اصبحت في طي النسيان . لقد كانوا دائما ياتونك ليلا ، والأفضل لك ان تقتل نفسك قبل ان يقبضوا عليك ، ومن المؤكد ان كثيرا سبقوك لذلك ، وبلغك نهاياتهم . لكن الامر يستلزم شجاعة اليأس حتى تقتل نفسك في عالم يتعذر فيه الحصول على سلاح ناري . او على سم سريع المفعول وأكيد الاثر .
في غرفة التعذيب ، تغدو القضايا التي تحارب من اجلها طي النسيان . وحتى اذا لم يشل الرعب حركتك او لم يجعلك تصرخ ، فان الحياة تظل صراعا موصولا ضد الجوع والبرد ، او ضد حموضة وحرقة المعدة ، او الم الاسنان .
هناك خطوات الاعتراف التي عليك ان تمر بها ، من الزحف على الارض والصراخ طلبا للرحمة وطقطقة العظام المتكسرة والاسنان المهشمة وخصلات الشعر التي تنتزع . لم يحدث ان افلت احد من الملاحقة او صمد على الاعتراف .
ان للمنزل مدخلين ، احدهما يمر عبر الساحة الخلفية ويطل على زقاق . لقد كان الحرص على ان لا تطفو مشاعر المرء على وجهه بمثابة عادة باتت اشبه بالغريزة . كانت رسائل البريد تفتح عند نقلها . ومن ثم ما كان يقدم على كتابة خطابات الا قلة من الناس .
كان حلما مقطوع الرجاء . مر كعصف القبلي في صيف قائظ . كلمات وأحلام بعثروها . استلبت افئدة العوام . احتفال بالعيد الفضي . بالعيد الذهبي . الاستعدادات الهائلة والمعقدة التي تسبقه القت بمزيد من الاعباء على كاهل كل مواطن . وخلف مكاتب يغطيها الغبار . منتج يؤدي عملا قليلا . عين عضوا في لجنة فرعية منبثقة عن لجنة فرعية كانت بدورها قد انبثقت عن عدد لا حصر له من لجان شكلت لمعالجة الصعوبات . والخطة الثلاثية العاشرة حققت فائضا في نصيب الفرد من اربطة الاحذية .
في يوم الاحتفال يتمخطل المواكب ، الاجتماعات ، الاستعرضات العسكرية ، المحاضرات التثقيفية ، صنع الدمى ونقش الشعارات ، وصياغة الاغاني واطلاق الشائعات . تزييف الصور . وعند تجمع نسائي ما . رائحة شعرها وإطلالتها البهية . تغلغلت في جوانحه .. واصبحت ضرورة بالنسبة اليه ، بل واستحالت شيئا لا يريده فحسب بل يشعر ايضا بأن من حقه الحصول عليه . ولذلك فعندما قالت انها لن تستطيع المجيء .. ساروه شعور اخر .. كيف يحدث هذا .. وهرعت الزبانية لجلبها قسرا .. ورميها حيث جهنم مخدعه .
كمن حفر قبره بمحض ارادته. تلك هي جنته . قصره وخيمته . حريمه وما ظفر . وحاشيتة حماة الخطر . وقد طاب المستقر . ليس ثمة ما ينقصهم من تبر وبر . وبطبيعة الحال يستطيع الخدم والنذل ان يسرقوا بعضا مما عنده خلسة .
تملكه شعور بان ذلك الكابوس الذي لا يفتا ينتابه من حين لاخر طوال حياته قد عاوده من جديد . لقد كان دائما الكابوس نفسه الذي يرى فيه نفسه واقفا امام جدار من الظلام وعلى الجانب الاخر كان ثمة شيء لا يمكن احتماله ، انه شيء كريه على النفس لا يمكن للمرء مواجهته .
انها اثر من الماضي فاتهم ان يمحوه . انها رسالة يعود تاريخها لسنين مضت . هذا ان استطاع المرء ان يقراها . كان دوي اطلاق الرصاص يحدث انفجارات هائلة . يسمع عن بعد دون ان يجد احد تفسيرا له ، الامر الذي كان يسمح بتطاير شائعات لا معقولة حولها . وفي اليوم الرابع . شائعة تطوف ارجاء المدينة . " اعدام سجناء " . تمردوا . سرطان ينبغي بتره كي لا يعدي بقية المجتمع . نعم .. اعدمناهم .
يحيكون الرايات ويرسمون الصور ويخطون اللافتات وينصبون صواري الاعلام فوق المنازل والطرقات . نوبات من السعار الوطني . تغزل خيوط حاضر لا مستقبل له . يسري اعتقادا راسخ بان كل شخص تقريبا يضمر في قريرته نقمة . وانه لن يتردد في خرق القواعد متى أمن عاقبة ذلك . ومن ثم . ابقاء الشعب في حالة من الفزع ترويضا له .
ينبغي للأكاذيب ان تتزيا بزي الحقائق . كل السجلات تم اتلافها او تحريفها ، وكل كتاب اعيدت طباعته . وكل صورة اعيد رسمها ، واسم كل شارع وبناية جرى استبداله . كل تاريخ جرى تحريفه ، وما زالت هذه العملية متواصلة يوم بيوم دقيقة بدقيقة . لقد وصلنا الى نهاية التاريخ . وعليهم ان يكونوا على استعداد لقبول الاساطير المؤسسة لان الفرق بين الحقيقة والزيف لم يكن يهمهم من بعيد او قريب .
السلع المدعومة المحدودة قوت الشعب . كانت بالكاد تقيم اودهم ، ولان حالة العوز التي نزلت بهم اثر ذلك لم يكن لها ما يبررها مما جعل ظهور المعارضة امرا محتوما . بوسع المرء ان يتخيل امكانية ظهور جيوب صغيرة للمقاومة . تظهر هنا وهناك . ويكون من العسير استئصال شأفتها ابدا . ذلك لان ما يجمع بين اعضائها فكرة تستعصي على التدمير . وتأخذ في التكاثر تاركة وراءها ولو بضعة سجلات حتى يتسنى للجيل التالي ان يبدأ من حيث انتهوا . انني لا اتخيل انه سيكون بمقدورنا ان نغير اي شيء في حياتنا الراهنة . ولقد كان لافتقادهم للفهم فضل في جعلهم بمأمن من الجنون .
نهاية مخيفة او بعبارة ادق ، هي اشبه بتدوق مسبق لطعم الموت قبل ان يجيء ، واشبه بكونك حيا ولكن لا معنى لحياتك . تعتريه رعدة يرتجف لها جسمه ، وينتابه احساس بان قدميه تهويان به نحو رطوبة القبر ، ولم يكن هذا الاحساس جديدا عليه لانه كان يدرك دائما ان القبر هنالك في انتظاره .
الاجواء المشحونة بالقلق والصخب يخيم . عضات الجوع التي تنهش احشائه تسوغ له ذلك . اذا اعترفت فسوف يعدمونك رميا بالرصاص ، واذا رفضت الاعتراف ستلاقي المصير نفسه وستموت بالطريقة نفسها .
يتعثر المواطن بالارصفة والشوارع . يدفن يده في جيبه ، ويذرع الارض كما لو انه يفكر بشكل افضل حينما يكون هائما على وجهه . يلاحقه شعور بالرعب ، مع كل خطوة يخطوها مخافة ان يبرز له بغثة ، من وراء حجاب ، حارس ذور ثياب سوداء يطلب منه اوراقه .
" الفاتح عقيدة .. الفاتح ايمان " ،"لا ثوري بدون فقه ثوري " ،." كل ليلة هي ليلة الفاتح وكل يوم هو السابع من ابريل " . عيد المشانق . " السابع من ابريل قرب من قيام سلطة الشعب " . ومن المفترض ان يكون ادنى عضو لجنة ثورية مرتبة كفؤا ومجدا في العمل ويتمتع بقدر من الوعي ، ولكن من اللازم ايضا ان يكون شخصا سريع التصديق ومتعصبا عن جهل لعقيدته وتتملكه مشاعر الخوف والكراهية والتملق والانتصارات الزائفة . وبعبارة اخرى يتعين ان تتوفر له عقلية تتلاءم مع حالة الحرب ، وليس مهما ان تكون ثمة حرب تدور رحاها فعلا . وفي الوقت نفسه لا يمكن لعضو ان يتزعزع ايمانه الغامض ولو للحظة بأن الحرب حقيقية وستنتهي بانتصارنا وستغدو ليبيا العظمى سيدة العالم وبلا منازع . القضاء قضاء مبرما على كل امكانية للتفكير المستقل . ومن غير المسموح به ان يعرف اي مواطن شيء عن فلسفة النظريتين الاولى والثانية . ولا يحق له اقتناء او قراءة كتاب " راس المال " لماركس منظر الشيوعية . ولا كتاب " ثروة الامم " ودعه يمر ، دعه يعمل . والمذهب الحر . يلقنون ان هاتين النظريتين او الفلسفتين ليستا إلا عدوانا وحشيا على الاخلاق والذوق العام . ففي جميع العصور كان الحكام يسعون الى فرض رؤية زائفة عن العالم على رعاياهم . وفي الفلسفة والسياسة يمكن ان يكون حاصل اثنين واثنين هو خمسة . في عالم قائم بذاته يمكن ان ينمو فيه الفكر المشوه والفاسد في امان . واما الواقع فانه يمارس ضغوطاته من خلال متطلبات الحياة اليومية . كالحاجة الى الماكل والمشرب والماوى والملبس ، ليصير المواطن اشبه برجل معلق في الفضاء بين النجوم وقد سلب القدرة على تمييز الاتجاهات . وعيشة مسحوقة تحت وطأة مطالب الحياة اليومية فلا يعي شيئا خارجها .
ان فكرة الفردوس الارضي الذي يعيش فيه كل الناس معا كاخوة دون اللجوء الى قوانين او دون الحاجة الى التعب والمشقة ، كانت تشغل الخيال البشري منذ الاف السنين . واذا ما استثمر المد الثوري التقنيات الحديثة ومهارته الخطابية . اصبح من الايسر التلاعب بالراي العام . الراديو والتلفزيون دفعا بهذه العملية قدما . حيث بات بامكان الحكومة ان تضع كل مواطن تحت طائلة الدعاية الرسمية الموجهة مع عزله عن جميع قنوات الاتصال الاخرى . اصبح بالامكان فرض حالة من الاذعان المطلق لإرادة الدولة ومن الاتساق التام في الرأي حول جميع الموضوعات .
الجماهير لا تثور لمجرد تعرضها للاضطهاد ، وما لم تتح لها امكانية المقارنة بين اوضاعها الراهنة وبين اوضاع اخرى ، فانها لن تدرك ابدا حقيقة كونها مضطهدة .
القائد الملهم ، معصوم من الخطأ ويتمتع بقدرة مطلقة ، وكل نجاح وكل انجاز وكل انتصار وكل اكتشاف علمي ينسب اليه ، كما ان كل معرفة وكل حكمة وكل سعادة وفضيلة انما يعزى الفضل فيها مباشرة الى قيادته الرشيدة الملهمة ، عبادة الزعيم الملهم ، والاقتصاد القائم على الحرب ولاجل الحرب .
البشر لا يصلحون لحكم انفسهم بانفسهم ، ومن ثم واجبنا ان نحكمهم ، من اجل مصلحتهم وفي سبيل منفعتهم .
لي عنق الحقيقة وصوغها في القالب الذي يشاؤونه . " افريقيا للافريقيين " . اتحاد افريقي . اتحاد الساحل والصحراء . التنافس على المواد الخام مسالة حياة او موت . جميع الدول التي تشهد نزاعات وحروب غنية بالثروات . هذه المناطق تملك احتياطيا لا ينفذ من العمالة الرخيصة . اقرب الى العبيد . يستنفذون كالفحم والزيت في سباقات التسلح والتنافس لحيازة المزيد من الاراضي . وامتلاك المزيد من الايدي العاملة . وانتاج المزيد من السلاح .
المواطن العادي لا ينبغي له ان يتصل بالاجانب . الاوروبيين والغربيين منهم بالذات . كما يحظر عليه تعلم اللغات الاجنبية ، فلو سمح له بالاتصال بالاجانب لتبين له انهم مخلوقات بشرية مثله ، وان معظم ما قيل عنهم لا يعدو كونه اكاذيب وافتراءات ، وحينئد ينكسر طوق العالم المغلق الذي يعيش فيه ، ويتبدد جو الخوف والكراهية والتعصب للذات . وقد تساوره نفسه ويفشي اسرار الدولة .
وطاة الهراوات وهي تحطم مرفقيه ، والاحذية ذات النعال الحديدية وهي تهشم ساقيه ، وكيف سحل على الارض وصرخ طلبا للرحمة بعد ان تهشمت اسنانه . المجد كله يؤول الى الضحية . بينما يبقى الخزي من نصيب المحقق .
كل الاعترافات التي تجري هنا صحيحة ، اننا نجعلها كذلك ، وفضلا عن كل ذلك نحن لا نسمح للموتى ان يبعثوا من قبورهم ليناهضونا ، ولذلك يجب عليك ان تكف عن التوهم بان الاجيال القادمة ستبرئ ساحتك وتجعل منك شهيدا . انهم لن يسمعوا عنك ابدا لانك ستزال من سجل التاريخ ، سنحيلك الى غاز ثم نطلقك في الهواء ، سنجعلك نسيا منسيا ولن يبقى منك شيء ، لا اسما في سجل ولا اثر في ذاكرة حية ، ستمحى كل علاقة لك بالماضي كما بالمستقبل وستصبح وكأنك لم تكن . لا تتصور انك ستنقذ نفسك مهما كان استسلامك لنا مطلقا ، فما من امرئ انحرف مرة عن جادة الطريق ثم ابقينا على حياته . ستكون اجوف لاننا سنعصرك حتى تصبح خواء من كل شيء ثم نملأك بذواتنا . لحظات يمكن فيها ان يكون اثنان واثنان يساويان ثلاثة او خمسة حسبما يتطلب الامر .
اعرف ما تعانيه هذه الجموع من المخلوقات البشرية من اذلال وانحطاط وباية اكاذيب واساليب يمكنني ان ابقيها على ما هي عليه . وما من احد يمسك بزمام السلطة وهو ينتوي التخلي عنها . ان السلطة ليست وسيلة بل غاية ، فالمرء لا يقيم حكما استبداديا لحماية الثورة ، وانما يشعل الثورة لاقامة حكم استبدادي . ان الهدف من الاضطهاد هو الاضطهاد ، والهدف من التعذيب هو التعذيب ، وآية السلطة هي السلطة . السلطة سلطان على البشر ، على اجسامهم وعلى عقولهم قبل كل شيء . ان السلطة الحقيقية ، السلطة التي ينبغي علينا ان نقاتل من اجل بلوغها ليل نهار ليست السلطة على الاشياء ، بل على الانسان . كيف يؤكد انسان سلطته على انسان اخر . بجعله يقاسي الالم . السلطة هي اذلال وانزال الالم به ، وهي ايضا تمزيق العقول البشرية الى اشلاء ثم جمعها ثانية وصياغتها في قوالب جديدة من اختيارنا .
اننا بالفعل نعمل على تفكيك العادات الفكرية التي ورثناها من العهد السابق . لقد فصمنا عرى العلاقة بين الطفل ووالديه ، وبين الصديق وصديقه ، وبين الرجل والمراة . ولم يعد احد يجرؤ على الثقة بزوجته او طفله او صديقه ، وكلما ضعف معارضو السلطة اشتدت قبضة الاستبداد والطغيان .
تلك هي مقتطفات من رؤية " جورج اوريل " . في روايته الشهيرة 1984 . استعادة للمواقف ذاتها وتوضيفها مع حاضر ليبيا طوال 42 عاما . من حكم " الاخ الاكبر يراقبك " .. ملك الملوك .
رواية 1984 ، رواية تفرض على المرء قراءتها ، ومن نافل القول ، تمة قصة طريفة حدثت في مع الرواية ، اذ اعتبر كل من يتعاطى قراءة الرواية مصيره السجن . اذ الرواية مصنفة ضمن قائمة " كتب تقود الى السجن " . بداية القصة عندما تمكنت قوات الامن الداخلي بعد تحريات ومتابعة من القبض على الروائي الانجليزي جورج اوريل اثناء محاولته التسلل للدخول من الباب الخلفي للجامعة ، بمعية بعض العملاء من طلاب الجامعة .
القصة ليست مفبركة ، عندما قفز شاويش على السلطة بالدبابة ، والف كتيب ، ليكون دستورا جديدا ، قلب الحياة الهادئة الراسخة الى حقل تجارب ، وزج بالمثقفين والكتاب بزنازين السجون . ويوم ان قبض الامن على طالب يحمل نسخة من رواية 1984 ، جريمة حمل كتاب ليقرأه .
لعل اطرف تعليق ما كتبه الطالب الجامعي إيهاب حسن .. ينقل فحوى حوار دار بينه وزميل له ، وقد دعاه لقراءة رواية خلسة :
– معايا رواية .. تيجى نقراها سوا
- لا ياعم ، افرض اتمسكنا
– ياعم ميبقاش قلبك ضعيف .. أنا أعرف مكان العيال بتقرا فيه الرويات والحكومة مبتروحش هناك ! ها هتيجى !
- أنا بصراحة نفسى أجرب من زمان! بس خايف نتمسك ، أبويا هينفخنى لو عرف!
– متخافش مش هيعرف.
- لا أنا أبويا بيشم بوقى وبيعرف أنا قريت روايات ولا لا.
- حكومة حكومة .. ارمى الرواية بسرعة ، وطلع الحشيش ، واعمل نفسك بتلف سيجارة ! ، عقوبة الحشيش اخف وطأة من عواقب جريمة اقتناء رواية .
الكلمة اضحت سلاح يؤرق السلطة القادمة على ظهر دبابة ، ولتحترق كل الاصوات المناوئة . والكلمات المناهضة .
( من كتاب : الملحمة الوجه الاخر .. تاليف عضو الجمعية الليبية لسجناء الراي .. د . عبدالقادر الفيتوري .. سنتابع نشر الحلقات هنا .

















ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق