قصتي هي قصة سجين رأي ، كنت ارى أن استمرار القذافي في حكم ليبيا يعد كارثة تراكمية على الوطن والإنسان الليبي . لهذا قُبِض عليّ ، وقضيت ثمانية عشر عامًا خلف قضبان سجن أبو سليم سيّئ الصيت.
تفاصيل المحنة لا تُحصى : كيف عبرتُ كل تلك السنين ، ومراحل التعذيب ، والحرمان من التنقّل بين الزنازين ، طيلة السنوات الأربع العجاف (1984–1988) التي لم نرَ فيها ضوء الشمس مطلقًا .. وماذا عن قاطع المائة سجين الذين كنتُ واحدًا منهم ، والذين لم يشملهم الإفراج المزعوم فيما سمي .." أصبح الصبح" عام 1988 . لقد بقينا عامًا إضافيًا بعد خروج زملائنا.
في يناير عام 1989 ، اعتُقل آلاف الشباب الذين وُصفوا بـ “شباب الصحوة”، تلا ذلك بسنوات قليلة ما عُرف بـ " قضية ورفلة "، أي المحاولة التي قادها الضابط " مفتاح قروم " للإجهاز على حكم القذافي، وما أعقبها من نهايات بائسة لأعضاء التنظيم ، لقد أُعدموا بقرار مباشر من القذافي ، ونُقلت مشاهد الإعدام إلى الناس عبر الشاشة الفضية.
ثم إلى عام 1995، حيث أُفرج عن مجموعة من السجناء ، لتأتي بعدها مذبحة أبو سليم عام 1996، التي ذهب ضحيتها 1269 سجينًا ، بكل تفاصيلها الأليمة.
ثم اعتقالات 1998 التي ملأت السجون من جديد ، وكان من أبرزها اعتقال جماعة الإخوان ، ثم باقي التنظيمات المناهضة.
لا تزال حفلات التعذيب والإهانة حاضرة في الذاكرة ، وعندا استحدث النظام ما سُمّي بـ " التصالح مع السجناء " ، قيّض الله لي أن أُفرج عني يوم 27اغسطس 2001 ، بعد أن قضيت عامًا كاملًا إضافيًا نتيجة غفلة من إدارة السجن ، رغم إدراجي ضمن قائمة الأربعة عشر سجينًا المفرج عنهم .
لكم كافحت لأجد وضعية مريحة لاغفو قليلا ، أنت وحيد في عالمٍ قاسٍ ، ولا يمكنك أن تغمض عينيك وتشعر بالهدوء ولو لخمس دقائق .
كل ثانية تمر تشعرك بانها الجحيم ، تظن أنك لن ترى أحباءك مرة أخرى ، قد تصاب بالجنون ان لم تسعف ذهنك من التفكير بما هو خارج السجن .
تنقضي السنوات دون أن ترى أبسط الأشياء ، دون أن ترى زهرة ، تشعر بالحاجة إلى إعادة جدولة كل شيء ، لا تعلم ما ينتظرك ، مستقبلك ، مصيرك ، السجن مملكة من الضوضاء ؛ حراس يتحدثون بصوت عالٍ ، ينادون بعضهم البعض عن بُعد ، ومزاليج حديدية تُفتح وتُغلق باستمرار ، وانتظار جولات التفتيش المفاجئ ، عليك أن تتحلى بسلوك لائق مع رفاق سجنك ، أنهم الوحيدين الذين يمكنك الاعتماد عليهم وقت الحاجة ؛ انهم اقرب أصدقائك ، فلا يجب أن تخيب آمالهم .
السجن تجربة مروعة ! ، أسوأ بكثير مما نتخيل ، شعور دائم بالملل ، لأنّ الأيام متشابهة ، والوقت لا يمرّ ، بالإضافة إلى الخشية من ما هو قادم ، قد يحدث في أيّ لحظة استدعاء من قبل الحراس . فمن الضروري تجنب أي حماقة ، يجب عليك دائمًا التمييز بين الصواب والقانون الساري.
أذكر جيدًا لحظات ما قبل الإفراج ، حين اجتمع بنا آمر الأمن الداخلي، وقال كلمة لا يزال صداها يقرع طبلة أذني : “ ندرك أنكم لن تتحولوا إلى لجان ثورية ، وحتى لو حاولتم تقمّص ذلك ، لن نصدقكم . لكن يمكنكم ممارسة حياتكم اليومية بعيدًا عن الشأن العام ، بهدوء ، ولا مانع من عودتكم إلى وظائفكم السابقة.”
وبالفعل عدتُ إلى عملي ، لكن المكتب الذي استلمته كان قد عُلّقت على جداره صورة القذافي . رفضتُ أن أعمل تحت صورة الجلاد ، فقمت بإزالتها ، . وهكذا هي حياة من في طبعه رفض الظلم والإستبداد .
لا أريد أن أحتفظ بالكثير من أفكاري عن تجربتي السجنية في ذاكرتي . وست عشر عاما خلف القضبان ، آمل أن يمحو الزمن وحده هذه الفترة المعتمة من حياتي في أقرب وقت ممكن.
انها قصة حزينة ، ولا شيء يبعث على الأمل ، قصتي قصة "متعطش للحرية " يرنو الى الانتصار على شدائد الدهر .
لكم بقيت منكمشا على الأرض ، محاطا بالظلام ، كم فقدتُ إحساسي بالوقت ، ولم يسعفني حبسي في تلك الغرفة المظلمة على تحري ذلك .
مررت بحفلات التعذيب ، لخلع الاعترافات ، وصارت كل عضلة في جسدي المنهك تؤلمني ، وكل وضعية اتخذها أشعر معها بألم مبرح .
كثيرا ما قاطع أفكاري صرير الباب المعدني الضخم الذي يفصلني عن العالم ، وعندما يفتح تتقلص معدتي واشعر برغبة مفاجئة في التقيؤ .
حدقتُ بنظرة فارغة في عيني الجلاد ، غائرتان خاليتان من المشاعر ، شدّ شعري بقوة ، ووجهه على بُعد سنتيمترات من وجهي .. كدتُ أسعل عندما تحولت عيناه إلى عينَي ثعبان ، حاولت أن أحرك رأسي لكنه أبقاه في مكانه بكعب قدمه وبوحشية ، أغلقت عيني بإحكام بينما اشتد الألم.
قال : لدينا سؤال واحد فقط ، وإجابتك عليه ستحدد مصيرك أو تحررك من هذا الإرهاق ، والخيار لك ، هل أنت مستعدٌّ للتخلي عن ارائك في مشروعية حكم " الزعيم" مقابل حريتك ؟
لا تقل لي لدي رسالة يجب ان ابلغها للعالم ، دع العالم وشأنه ، العالم ليس في حاجة الى كلماتك بعد اليوم ، ولسوف تتعفن هنا إلى الأبد! .
الان وقد كتبت لي النجاة ، بودي ان ارى دراسات تتبع المسار التطوري للكتابة عن السجون الليبية في القرن العشرين في إطار مقارن ، ، تقدم تحليلًا أسلوبيًا دقيقًا لنصوص خصبة .، ( مذكرات ، روايات ، قصائد ) كتبها سجناء
قضيتُ فترةً طويلةً في السجن . وعندما خرجت ، شعرتُ وكأنني عدتُ بالزمن إلى الوراء ، كل ذلك ، أعدكم أنا ناصر زميط ، أن أتفرغ لرواية تفاصيل هذه المحنة ، كما عشتها ، بلا زيادة ولا نقصان .. قريبًا ، بعون الله ، يمكنكم زملاء المحنة اسعاف ذاكرتي بما قد فاتني .. لكم التحية .
الثلاثاء، 27 يناير 2026
مذكرات سجين .. ناصر زميط
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
-
طالعنا الاديب .. سجين الراي ، الرفيق منصور بوشناف ، هذا المساء بمقالة تستذكر معاناة سجناء الرأي بالأمس كما اليوم ، في محاولة لسبر...
-
" إليكم ايها البدايات المعمدة بالعذابات وبالدماء .. الحالمون بوطن والساعون لقيامه.. إليكم رفاق الملحمة سجناء الراي شركاء الق...
-
تتقدم الجمعية الليبية لسجناء الرأي بأحر التعازي الى اسرة الفقيد ، ورفاق النضال بالكلمة ، في وفاة صاحب الصوت الحر الرفيق : (...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق