الثلاثاء، 27 يناير 2026

مذكرات سجين .. اغتيال امر مكافحة الزندقة



 
    قضيت في سجن " بوسليم " الشهير ، بالعاصمة طرابلس ، مدة 12 عاما ، تهمتي انني ضمن ابناء الشارع الذي صنف بأنه متمرد  ، لا لشيء سوى ان اثنين من ابناء شارعنا متهمين ، وتربطني علاقة بهم كما بقية ابناء الشارع ، الاول متهم بانتمائه الى جماعة الجهاد الاسلامي ، وكنت كل ما اعرفه عنه انه ملتزم دينيا ، ، ولا دراية لي بطموحات جماعته ، ربما الشيء الوحيد الذي يميزه عنا ، علاقاته المتعددة مع شباب من مختلف انحاء ليبيا ، ودائما اراه يستقبل هؤلاء بمنزله ، وأحيانا تجمعنا جلسة دكة الشارع بهم ، وكان قد قبض عليه عام 1989 م ، وأفرج عنه بعد فترة وجيزة ، لكن في عام 1990م اهتز الشارع لزلزال مفاجئ ، فقد اغتيل امر شعبة مكافحة الزندقة ، العميد " منصورالمصباحي "، وهو الاخر ابن شارعنا ، " حي دمشق بالهضبة " ، وان لم تكن تربطنا به علاقة ، لتعاليه على عوام الناس ، ومعرفتنا بمدى قربه من الحكومة ، لكني كنت على علاقة طيبة بأبنائه ، ابناء شارعنا ، وان عن بعد ، كان المقتول ابن شارعنا ، والقاتل ايضا ، وقد سبق للأخير المشاركة في حرب افغانستان ، ويبدو انه اغتاظ من ملاحقات شعبة الزندقة للابرياء ، او سماع اخبار سجونهم وأساليبهم في التعذيب ، او شيء من هذا القبيل ، اغتاله امام منزله ببندقية صيد " مقرون " ، وفي تلك اللحظة ، عج الشارع بسيارات وجنود الاجهزة الامنية المختلفة ، بحثا عن القاتل ، لم يجدوا له اثر ، لذا اقدموا على اعتقال كل شاب من ابناء الشارع ممن صادفهم ، وتم اقتياد 40 شاب في ذلك اليوم ، حشرنا في زنزانة واحدة ، ثم نقلنا الى مركز شرطة شارع النصر ، من كان منا متدينا ، ومن لا يعرف اتجاه القبلة ، وفي محاولة لاقتفاء اثر الجاني ، تم تفتيش عدت منازل بالشارع ، من بينها منزلنا ، ولم يعتروا على دليل ، وفي اليوم الثالث قبض على الجاني بالمطار ، كان ينوي مغادرة البلاد ، ومع جلسات التحقيق المرعب ، عرضوا عليه اسماءنا ، ومن تربطه به علاقة جيدة ، وكنت احدهم ، ولم تكن في الواقع سوى علاقة جيره ، " ابن شارعي وجاري " .
    كنت حاضرا يوم مجزرة بوسليم ، وقتل 1200 سجين ، اصوات الرصاص تصم الاذان ، لكنهم اختاروا نقلنا الى العنبر الخلفي ( القسم 5 ) ، قبل قدومهم على المجزرة التي اعدوا لها . اما ابناء شارعنا الاثنين ، فقد اغتيلوا ضمن تلك المجموعة ، في ذلك اليوم المشئوم .
    قتل بداية سبعة سجناء ، ردا على الهرج والمرج الذي احدثوه ، كانوا يشتمون من هم بالخارج ، والقذافي وجلاوته ، ثم قدم عبدالله السنوسي ، موسى كوسا ، عبدالله منصور ، منصور ضو ، وغيرهم من قيادات الاجهزة الامنية ، وبقدومهم توقف الاعدام ، واستدرج بعض السجناء في مقدمتهم " ابوسدره " ليس للتفاوض ، بل لمعرفة مطالب السجناء ، وسبب احتجاجهم . عرفنا ذلك لاحقا ، وتفاصيل بقية القصة اليوم على كل لسان .
   الواقع ان الاحداث تزامنت مع قدوم ما عرف  بقضية " كرسه " وهي جبال مجاورة لمدينة درنة شرق البلد ، اختبأ فيها جماعة من الاسلاميين ، فاضطر القذافي الى حرق تلك الجبال وأشجارها بقنابل " النباليوم " ، وتمكن من محاصرة الاحياء منهم ، وجلبهم الى سجن بوسليم بطرابلس العاصمة . بداية وضعوهم معنا في القاطع ( 4 ) ، ثم نقلوهم الى قاطع ( 1 ) و ( 2 ) . كنا كلما اتى سجين جديد ، نرحب به ، ونقوم بالواجب ، كما هو متعارف بيننا ، تقاسم لقمة العيش والفراش ، وكل ما قد يجعله متقبلا لهول الصدمة ، ففي سجون القذافي ، الجميع يعرف ان النهايات ، اما اعدام او مؤبد ، وعذابات التحقيق التي تنتظره ، كل ذلك كان حديث الشارع همسا .
    بعد الانتهاء من التحقيق معنا في السجن العسكري ، نقلنا الى السجن السياسي ، اغلب رواده من الجماعات الاسلامية ، وجماعة المعارضة الليبية التي تدعمها العراق والجزائر " جماعة جبهة انقاد ليبيا " او " جماعة المقريف " ، اذكر منهم " جمعة اعتيقه " ، " سالم هارون " ، " عزت المقريف " ، " جاب الله مطر " ، وشخص اخر يدعى صلاح ، وقد اعدم بعضهم لاحقا .
       قاطع الجماعات الاسلامية يتكون من 14 زنزانة ، كل واحدة تسع عشرون سجين ونيف ، وذات يوم تم تعليق قادتهم على ابواب الزنازين من الخارج ، من امثال : " عوض الزواوي ، و " فتحي باقنده " ، " ابوشعالة " ، و " عبدالحكيم البركي " ، ضلوا هكذا يتأرجحون وأيديهم مكبلة اعلى الابواب ، ثم دخل ضابط بزي مدني ، وأطلق عليهم الرصاص واحد تلو الاخر ، لقد تم اعدامهم على مسمع من زملائهم داخل الزنازين ، كان الامر مرعبا ، وفي غاية الوحشية ، تابعنا نحن ايضا احداث تلك المجزرة عبر شقوق الابواب .
    من طرائف تلك المحنة التي استمرت عقد من الزمان ونيف ، اننا بقينا لوقت طويل نستحم بالماء البارد ، اوان الشتاء القارص ، كان الامر مرهقا حقا ، اذا اضفنا لذلك جلسات التحقيق والعذاب ، وذات يوم تمكنا من فتح كوة صغيرى في الجدار ، تواصنا من خلالها مع زنزانة بالجوار مكتظة بسجناء احكام الاعدام ، ارشدونا الى فكرة غريبة علينا ، مجرد الحصول على سلك كهربائي ، وما كان لنا تدبر ذلك ، ارشدونا الى نقطة توصيل المصباح بالسقف ، ولم يكن المصباح يعمل ، تطلب الامر منا الصعود الى الاعلى على اكتاف بعضنا البعض ، ثلاثة اشخاص ، يتولى الاعلى سحب السلك ، وتحقق لنا ذلك ، وهنا يكفي ربط الاسلاك بقطعة خشب صغيرة ، دون تماس الاسلاك ، وإيصال الاسلاك بالمقبس الحائطي ، ثم غمر الاسلاك والقطعة الخشبية في جردل من البلاستك مملوء بالماء  ، وبالفعل نجحت الفكرة ، وتمكنا بعد امد من الاستحمام بالماء الساخن ، لكني الى اليوم ، رغم مرور زمن طويل على تلك المحنة ، لا زلت اعاني اثار ذلك الصقيع الذي نخر عظامي وجسدي طوال تلك الفترة ، وأجدني لا اكتفي بارتداء لباس ثقيل واحد خلال فصل الشتاء ، ناهيك عن تنمل الاطراف ، ووجع العظام .
     كان السجين " صابر الشاعري " ماهرا في خياطة الملابس ، ورتق الممزق منها ، وبمهارة فائقة النظير ، حتى انه ذات يوم ، صنع قفاز ملاكمة من بواقي النفايات ، وعندما اطلع الحارس المفتش على ذلك القفاز وإتقان حياكته ، ظن ان احدهم سربه له من وراء الرقيب ، فأقدم على التحقيق معه  ، معرضا اياه للضرب المبرح ، كي يعترف ، لكن  دون جدوى .
   كان الشاعري طالبا بالمرحلة الجامعية ، السنة الثانية طب بشري ، وقد تمكن من مواصلة دراساته اعتمادا على ما تسربه له الاسرة من كتب ، وبعد قضاء سنتين بالزنزانة ، افرج عنه ، عاد لمواصلة دراساته ، واجتاز المرحلة بتفوق ، وهو الان يعمل طبيب جراح قلب ماهر ، له شهرته ، بالمملكة المتحدة . ومع انبلاج فجر الحريات في فبراير 2011 ، عاد الى الوطن لفترة قصيرى ، اجرى خلالها عمليات  جراحية دقيقة ، كللت بالنجاح ، اما عن تهمته ، " ملتزم دينيا " .
   كنا نتقاسم اقلام الرصاص ، قلم واحد يقطع الى قطع صغيرة ، للتداول مع الرفاق ، كما الورق ، اذ اننا ادركنا حيلة نقع الكرتون بالماء ، ثم فصل طبقاته ، وتركه حتى يجف ، ليصبح قرطاس الكتابة .
  ايضا من الطرائف ، النوم جوار بعضنا البعض ، او ما ينعث بـ "علبة السردين " في تعبيرنا ، وكان لزاما على كل سجين قص فراشه لمسافة شبرين  فقط ، ليجد له مكان .
    كان آمر الدوريات التي قبضت علينا برتبة نقيب ، ولحظة الافراج عنا ، نقلنا الى ادارة الامن الخارجي بطريق السكة ، وهناك كان في استقبالنا ، هذه المرة برتبة عميد ، وقد اشتعل الراس شيبا .
     في ادارة الامن الخارجي ، استقبلنا ايضا زمرة من جلاوزة اللجان الثورية ، وسفاحي السابع من ابريل  بالجامعات ، تولوا القاء المحاضرات الدينية علينا ، ولم يكن اي منهم يفقه القليل في امور الديانة ، مجرد فيض من الهدر ، وفي اعتقادهم اننا سجنا لأسباب دينية .
     اليوم ، وبعد مضي 25 عاما على تلك المحنة ، وخمسة عشر عاما على ربيع الحريات ، اشعر بالمرارة ، مرارة العلقم ، وإنا ارى اولئك الجلاوزة يتصدرون المشهد ، ويصرحون بكل صفاقة حول مستقبل البلاد ، من امثال " المهدي امبيرش " الذي يشغل مستشار بالهيئة الليبية للبحث العلمي ، وقد كا يوما مشرفا على ما سمي " بيت الشعب " بالمانيا ، الذي استأجره باسمه عندما كان يشغل منصب السفير ، لمنح المكان صفة الحصانة الدبلوماسية ، وليستدرج وزميله في الاجرام " مصطفي الزائدي " المنتحل صفة " جراحة التجميل " ، عناصر المعارضة الليبية بالمانيا واوروبا ، وتعذيبهم ، ناهيك عن جرائمهم بالجامعات تحت مسمى " طلائع السابع من ابريل " ، وقد كافأ القذافي الاول بمنصب وزير الثقافة بعد سفير ليبيا بالمانيا ، والثاني وزيرا للصحة ، وها هو يعقد الاجتماعات بالداخل ، تحت مسمى " جبهة تحرير ليبيا " . وثالثهم " صالح ابراهيم " المتهم بإطلاق النار على عناصر المعارضة الليبية  في حشد سلمي امام السفارة الليبية بلندن ، والذي اسفر عن مقتل شرطية بريطانية . وهو الاخر كافأه القذافي بتخليصه من الازمة بالمال ، وبعمادة اكاديمية الدراسات وغيرها حال عودته ، ويشغل الان مستشار بالمجلس الرئاسي ، ورابعهم "  محمد زيدان " ، مشرف عام المشانق بالجامعات ، والذي شوهد وهو يركل الشيخ البشتي في سجنه ،  ويوبخه ، والاشراف على نهايته باحدى غابات طريق المطار ، وقد كافأه القذافي بمنصب مدير مجمع الحديد والصلب ، ثم وزيرا للموصلات ، وألان مستشارا لشركة ونزريك للنفط ، والمقاول من تحت الطاولة . اما عن مستشاري الرئاسي ، المنفي والكوني ، حدث ولا حرج ، من " ردينة الفيلالي " صاحبة قصيدة بطاقتي الشخصية ، الى بقية الكادر . كل هؤلاء يتجولون اليوم بأريحية في شوارع العاصمة ، وقد ردت لهم املاكهم التي نهبوها من قوت الشعب بالأمس قسرا .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

هرطقات القذافي