الأربعاء، 21 يناير 2026

اغتيال سجين

 


    كتبت صحيفة" Μαχανονική Μουρεντία" اليونانية تقريرا صحفيا ..

اغتيال سياسي في أثينا : تفاصيل جريمة قتل المعارض الليبي أبو بكر عبد الرحمن على يد فرق اغتيال القذافي

--------------

     حول الحادثة  كتب لاحقا وبتاريخ  ديسمبر 31, 2020: القائم بالأعمال بالسفارة الليبية باليونان . عاشور مفتاح الامام بدرجة وزير مفوض منتدبا من قبل ديوان وزارة الخارجية :

     ( فى صباح  يوم 22 او 23 من شهر مايـو 1980، وذلك عندما اتصل بى هاتفيا موظـف الاستقبال  ” محمد الميار”  بالدور الارضى حوالى التاسعة والنصف صباحا ليفيدنى بان أحــد المواطنين الليبيين لم يعلن عن أسمه موجـود بصالة الإستقبال بالـدور الأرضى يود مقابلة السيد السفير لأمر هـام وعاجــل… فأذنـت لـه بالدخـول على ان يكـون هـو ورجـل الامن برفقتـه طالما أن هذا الزائر مصرعلي عدم الإفصاح عن اسمه ولا عن الغرض من المقابلة

    وفعـلا بعـد دقائـق معـدودة فتح باب مكتبى من قبل السيد ضابط الامن ” محمد بن عمران ” ومعه موظف الإستقبال  ” محمد الميار ” ودخـلا معا  إلي مكتبي  وبرفقتهما المواطـن الليبى ، ممسكا بأحد يديه بمظروف أصفر كبير ، وكان حينها كما بـدا لى ذلك اليـوم من مظهره وملامـح وجهه الأفريقي الأسمر أنه تجاوز عقـد الخمسينات من عمره، كان فارع الطـول، عريض المنكبين، صارم القسمات ، قـدم نفسه لي بنوع من الزهـو والخيلاء بأنه  ” فـلان ” من أنصار وداعمى ثـوار  وثورة الفاتـح العظيـم

    ورغما عن مطالبتى له بالجلوس  ” بعـد ان تشرفـت بمعرفة أسمه وصفتـه ” ظـل  الرجل واقفـا أمامى ولـم يجلس، وانما أندفـع فى إتجاهي  قاصدا طاولة مكتبى ليفـرغ فـوق سطحها فى غلضة وهمجية وبأيادى مرتعشه متوتره محتويات مظروفه الاصفـر، والتى كانت عبارة عن جـواز سفـر ليبى تناثرت عليــه بقـع من الدماء وخنجـر  ” أبـوخـوصة ”  ملوث هـو الآخـر بالدماء، رمى بهما أمامىى فى وهــو يتمتـم  ” لقد صفينا أحـد الكـلاب الضالة  أعداء الفاتح العظيم … وهـذا جـواز سفـره… وهـذا يضا  هو الخنجـر الـذى أنهينا بــه حياتـه “

    والحقيقة اننى  وزملائي صدمنا من هـول هذه  المفاجأة الغير متوقعـه فى ذلك الصباح ، وفارت الدماء فـى عروقى بعـد أن اعتلانى الغضب، ووجدتنى من هول الصدمة بعـد ان فقـدت اعصابى أصرخ فى وجه الرجـل ودون ان أتحكـم فى كلماتى من هول مارأيت …” عليك اللعنة ..شيل خـراك من قدامى يا حقيـر… وأخرج حـالا مـن مكتبى… أخــرج… أخرج … ويبـدو أنـه هو الآخر الذى كان يتوقع ترحيبى بما فعل ومباركتى له ، قـد صدم بما انتابنى من حالات غضب لم يكن يتوقعـه منى، فاغتاض من صراخى وتحقيرى له، وغلت عنده مراجيـل الغضب  فانتفخـت أوداجـه، وارتعــدت شفاهـه الغليضـه، وتطايـر الشررمن عينيـه،  فرمى فى وجهـى بمنتهى الوقاحـة  بكتلـة مظروفه الاصفـر الذى كان قـد اعتصـره داخـل قبضة يده اليمنى محاولا التهجـم على، والنيل منى، لولا ان تدخـل كل من مسؤول الأمن بالسفارة  المقدم محمد بن عمران  وموظف الاستقبال محمد  الميار، اللذان  حــالا  بينـه وبيــن الوصـول الى، و قـامـا معـا بجـرجـرتـه وسـط  صراخـه وسبابه وتهديداتـه  بعيــدا عـن طاولـة مكتبى، كما تمكنا بعـد جهـد من السيطـرة عليه واخراجـه نهائيـا من مكتبى مصحـوبا بجـواز السفـر وبخنجـره الملوث بالدماء البريئة


 

   ومر ذلك اليـوم قاسيا ومؤلما على شخصى، ولـن تنمحـى ذكراه أبـدا من مخيلتى، ولما كنـت قـد احتفظـت فى ذاكـرتى باسم ذلك المجرم ، فقـد فوجئت فى اليـوم التالى عند قدومى لمكتبى، واثناء فتحى ملف البريـد اليومى الـذى قـدمته لى السكرتيرة للتهميش والتوقيع على بعـض المراسلات والصكوك ، فوجئت بوجـود صـك من بيـن تلك لصكوك بمبلغ معيـن من الدولارت مسحوب من حساب السفارة الليبية بالمصرف العربى اليونانى لصالح ذلك  ” المجرم ” فرفضـت توقيـعه ” كطـرف اول ” وطالبت المسؤول المالى بإلغائه فورا وعـدم تمكيـن هــذا المجرم من استـلامه ، الا انـه يبدو ان الصـك قـد وقـع “للاسـف” فيما بعـد من وراء ظهرى فى اليـوم التالى ودون علمى من قبـل عضوىن من أعضاء اللجنـة الشعبيـة بالمكتب، وكان جميع اعضاء اللجنة الشعبية  الخمسة وبما فيهم امين المكتب مخولين بالتوقيع على الصكوك المصرفية التى تصدر عـن السفارة والتى عادة ما تصرف بتوقيعين فقـط

    وعلمت فيما بعـد ان هـذا المجرم بالتعـاون مع بعـض الطلبـه الموالين للنظـام السابق قـد قاموا بتنفيذ جريمة اغتيال الشهيد عبد الرحمن ابوبكر فى شقته، والشهيد هو من عناصر الشرطة او القوات المسلحة الليبية  كان قد حضر الى اليونان خلال  شهر مارس من عام 1980 مكلفا ” كما أشيع  حينها والله أعلم ”  باغتيال المحامى الأستاذ الفاضل ” عمران ابو رويس ” الذي كان  يترأس الحركة الوطنية الليبية والتى كانت من أول تنظيمات المعارضة الليبية المضادة للنظام الليبى بالخارج ، ويبدوا ان الاستاذ عمران أبو رويس توفرت لديه معلومات عن هذه المؤامرة فسحب اطفاله من المدرسة الليبية باليونان واختفى فجأة عـن الانظـار

     وكان المرحوم بإذن الله عبد الرحمن ابوبكر. أمام صحـوة من  ضميرة قــد تباطأ أو ربما أمتنع عـن تنفيذ مهمته التى كلـف بها باغتيـال الاستاذ  ” عمران ابو رويس ” وفضل ان يقطـع صلته بالنظـام نهائيا، وان يعيش بسلام  بعيدا عن ليبيا، كعامل بالأجـرة فى أحـد المصانع بالعاصمة اليونانية، شأنـه في ذلك شـأن العـديد من الليبيين الذين هربـو من قمع وطغيـان النظـام ، وقـد أثـار هذا التمرد من قبل ” عبد الرحمن أبوبكر “على تعليمات الارهابيين فى ليبيا غضب السلطات الليبية التى سارعت الى تكليف ” المجرم ” بالبحث عنه بالتعاون مع عناصر من المكتب الشعبي باليونان ومع بعض الطلبة الليبيين الدارسين فى اليونان فى مجال الكهرباء وتركيب الاسنان والعمل على تصفيته فى أسرع وقت ممكن حتى لا يكشف سر المهمة التى كان قد كلف بانجازها، وفعــلا  استطاع  المجرم  بما توفـر لـه من دعـم مادى كان يصرف له بالتأكيد بسخاء، ان يتقرب الى الطلبه الليبيين الدارسين فى اليونان وان يتودد لهـم ويحوزعلى ثقتهم  بما أغدق عليهم من أموال وهدايا وخاصة الطلبه الذين كانت تربطهم علاقات وثيقة بالضحيـة،  وعندما سنحت الفرصة واللحظة المناسبة، دبر المجرم مع كلابه المسعورة من الطلبة ومع من انظم اليهم من المتعاونين المقيمين باليونان خطة اغتياله فى شقتـه التى ذبح  فيها  ذبـح الخراف وفصل فيها رأسه عن جسمه فى أبشع جريمة أعلنـت عنها السلطات اليونانية فى 21 من شهر مايو 1980

    الا أن عدالة السماء كانت بالمرصاد لهذا المجرم  فمنذ قدومه لليونان ونزوله بهوتيل ” الريفا  ” فى شارع ميخالوكوبولو كانت الجهات الامنية اليونانية قد وضعته تحت المراقبة وكثفت من مراقبته بعد ان قام باجراء لقاءات سرية مع بعض اعضاء المكتب الشعبى ويقال انها  زرعت له احدى العاملات بالهوتيل ” ريفا ” لكى تتودد إليه وتطلع على أسراره وترصد تحركاته واتصالاته والمترددين على حجرته وكانت تبلغ الجهات الامنية اول باول عن اى معلومات تتوفرلديها

      وفعلا بعد  اكتشاف جريمة اغتيال المرحوم عبد الرحمن أبوبكر الكومباص سارعت الجهات الامنية بتتبع من كانوا على اتصال به خلال الايام الاخيرة التى سبقت مقتله، وحامت الشبهات والشكوك حول ثلاثة اشخاص كان المجرم من ضمنهم، وتأكدت شكوك الجهات الامنية عندما أبلغتهم عميلتهم  بالهوتيل باستعداده لمغادرة اليونان الى ليبيا، وعلى اثر ذلك سارعت الجهات الامنية  بالقبض عليه ووجهت له تهمة المشاركة فى اغتيال الشهيد عبد الرحمن.. وحكـم عليه القضاء اليونانى بالسجن لعدة سنوات، وأودع فى احد السجون بجزيرة كريت…..وكان شكل الصك الموقع لصالحه من قبل المكتب الشعبي الليبى باليونان والمسحوب لصالح المجرم على المصرف العربى اليونان إحدى إدانات تعاون السفارة الليبية معه فى تنفيذ الجريمة ، وكلفت السفارة الليبية محاميها  اليوناني  المدعو ” بليفرس ” بتتبع اخبار المجرم  والدفاع عنه والعمل على عودته إلى ليبيا بأى ثمن

     والمعروف أن حملة التصفيات الجسدية بدأت من داخل ليبيا مع أوائل عام 1980. ففي فبراير قتل المحامي المعروف عامر الدغيس والمحامي محمد الصغير، وفي مارس من نفس العام صُفي القانوني محمد حمي ثم تلاه المهندس محمود بانون في أبريل . أما في الخارج فقـد استهدفت الحملة

محمد سالـم الرتيمي فـي رومـا   (21 مارس 1980)

محمد مصطفى رمضان في لنـدن (11 ابريل 1980)

عبـد الجليــل عـارف في رومـا    (19 ابريل 1980)

عبد اللطيـف المنتصر في بيروت (21 ابريل 1980)

محمود عبد السلام نافـع في لندن (25 ابريل 1980)

عبـد اللــه الخـــازمـي في رومــا (10 مايو 1980)

عمــران المهـــدوي فـي بــون   (10 مايـو 1980)

محمـد فـؤاد أبـوحجر فـي رومـا (20  مايو 1980)

عبـد الحميـــد الريشي في رومـا (28 مايو 1980)

عـزالديـن الحضيري في ميلانو  (11 يونيو 1980)

    وقد شكلت هذه الإغتيالات المتتالية مفترق الطريق بينى وبين النظام القمعى فى ليبيا وجعلتنى أعــد العـدة للإنفصال عنه بأى صورة من الصور، الا ان ان الظروف الصحية السيئة لاسرتى لم تكن مواتية، وقـد تجعلنى هدفا سهل المنال اذا ما جاهـرت بانشقاقى عن النظام ، خاصة وان دولة اليونان التى أقيم فيها تربطها علاقات وثيقة بالنظام الليبى واجبرتنى هذه الظروف على ان انتهج الدبلوماسية االهادئة وعدم التصادم الصريح  في التعامل مع النظام واعوانه ،ولكن للأسف تأتى الرياح بما لا تشتهي  السفن ، فقد كانت حادثـة طــرد ” المجرم القاتـل ”  من مكتبى وكذلك إمتناعى عن توقيع الصـك المسحـوب من حساب المكتب الشعبى بالمصرف العربى اليونانى لصالحـه ، وتسرب معلومات عن لقائى ببعض رموز المعارضة الليبية بالخارج، ولما تسربت بعـض الشكـوك الـى السلطـات الليبية تفيـد بالشك في ولائـى للنظـام خاصـة بعــد تسرب معلومات عن تعاطفي ولقائاتى مع بعض من رموز المعارضة الليبية فى الخارج ، اقترح بعض الزملاء من افراد المعارضة الليبية بالخارج وعلي رأسهم المناضل عبد الونيس محمود ان يتم التشهير بى فى احـدى منشورات المعارضة بانى متعاون مع النظام الليبى، وتمت الموافقه علي هذا المقترح ، وفعلا نشر هذا التشهير والطعـن فى شخصى فى احد منشورات المعارضة الصادرة عن الحركة الوطنية  الليبية ، وفعلا نجحت الفكرة  وكان لهذا التشهير دوره فى تخفيف الضغوط عن شخصى وعن أفـراد أسرتى

     كنت قد تناولت فى إدراجي السابق كيف ان (القاتل) وهو مواطن ليبى قد فاجأنى  فى مكتبى بالسفارة الليبية فى اليونان خلال النصف الاول من شهر مايو 1980 بالإدعاء  فى فخر وخيلاء بارتكابه لجريمة قتل لمواطن ليبى آخــر… وصفه بأنه أحد الكلاب الضالة، ورمى بحضورى وحضور مقدم الامن وموظف الاستقبال على سطح مكتبى  بادوات الجريمة، التى كانت عبارة عن جواز سفر الضحية  والخنجر ( أبوخوصة) الذى أدعى ارتكاب الجريمة به… ثم حدث ما حدث بينى وبينه من عراك وصدام بعـد ان طردته من مكتبى،  وتدخل بعض موظفى السفارة الذين جرجروه بالقوة إلى خارج  مكتبى )

-------------------

 

البعد السياسي للجريمة

منذ اللحظات الأولى، رجّحت قوات الدرك اليونانية أن الدافع وراء الجريمة سياسي بامتياز. خصوصًا أن أسلوب التنفيذ حمل طابع التصفية الثورية، تمامًا كما في ست عمليات اغتيال سابقة جرت في مدن أوروبية أخرى، من بينها روما، حيث عُثر على جثة رجل أعمال ليبي مخنوقًا في مسكنه، وإلى جانبه شعار مماثل:

 "الله أكبر، والأول من سبتمبر قائمة . . أعداء الشعب لن يفلتوا منا أينما كانوا.

عاشت اللجان الثورية الليبية ."

لكن ما ميّز جريمة أثينا عن سابقاتها هو استخدام السكين بدلًا من السلاح الآلي، وهي سابقة في سجل فرق الإعدام التابعة لنظام القذافي.

---

هوية الجناة: اعترافات وتسلسل الأحداث

التحقيقات اليونانية قادت سريعًا إلى اعتقال ثلاثة ليبيين. كان الجاني الرئيسي عبد الله سعد ، خمسينيٌ من العمر ، ضابط سابق في الجيش الليبي وموظف في شركة النفط الليبية .

ذبحوه كما تُذبح الكلمة في حلق شاعر، وكتبوا فوق دمه شعارات تمجّد القاتل وتبصق على الضحية.

أربعة عقود ونيف ، والقتل في ليبيا خارج العدالة هو القاعدة ، لا الاستثناء .

صار الدم  يُراق في الزنازين كما يُراق في الصحراء.

صار شعار "من أنتم؟"

يكفي لإصدار حكم بالإعدام  يكفي لتذكرة موت دون عودة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

هرطقات القذافي