لقاء معايدة في مناسبة عيد الاضحى المبارك ، بمقر الجمعية الليبية لسجناء الرأي ، وحواديث يمكنك ان تخمن الكثير من تفاصيلها ، إعادة التأقلم أمر بالغ الأهمية ، صدمة ما بعد السجن ، واليوم الأول الذي حشر فيه داخل الزنزانة ، ينتظر صباح الغذ ولحظة الإفراج ، ولم يكن يتوقع ان الوقت المتبقي قد يطول ، لكن الأمر لا علاقة له بطول الأيام ، صالح يروي انه دخل السجن في سن العشرين ، مكث عشر سنوات فقط ، في انتظار تلك اللحظة ، يقول لا زلت أشعر أنني قضيت في السجن مدة أطول من مدة حريتي ، و ينبغي لي التخلي عن طريقة التفكير التي اعتادها في السجن ، فالحياة خلف أقبية الزنازين ، تختلف تماماً عن الحياة في البراح الطلق .
بدأت المشاعر الجياشة لحظة إطلاق سراحي ، كانت مشاعر مختلطة ، فرحة بالخروج ، وخوف الآن وقد دخلت عالمًا جديدًا ، لأن السجن كان حياتي طوال عشر سنوات ، ليست بالقليل .
في صباح اليوم التالي ، كانت امي تنتظر لحظة صحوي ، بقيت الى جوارها وقتا ، تسألني وتعيد السؤال ، هل انت بخير يا ولدي ، انحدرت دمعة سخية ، مسحت أطراف محاجري مرتين ثم خرجت إلى الشرفة ، هناك سمعت اصوات عصافير تزقزق وتهلل لإطلاله صباح يوم جديد ، ونباح كلب من بعيد، ، كانت تلك الأصوات بمثابة نداء الحرية .
معظم سكان الحي يعرفونني . وجلهم على دراية بقصتي ، وأنني كدت اشرع في توزيع منشور مناهض للسلطة ، وهذا جرم لا يغتفر في قواميس الأمن الداخلي ، وشريعة سجن " بوسليم " سيء الصيت ، ومع ذلك ، وجدتهم يعاملونني كأي شخص آخر منهم ، هذا يعني لي الكثير، لقد ساعدني أكثر مما يتصورون في إعادة تأقلمي ، مجرد أن يحييني أحدهم بعبارة "صباح الخير حاج صالح " ، ولم يسبق لي الحج ، يُشعرني بالسعادة ، بينما اجد لي مكان في طابور المصرف ، او المخبز ، او في انتظار " تاكسي اجرة " ، او طابور محطة الوقود السرمدي ، بعدما تفضل علي شقيقي بسيارته " اللانسر " القديمة ، مفتاح " كاشيك سبولة " . تمر لحظة صمت ، وقد توقف الكلام ، يبادر السجين " ابوبكر " ، لا ادري لما تأخر تطبيق قرار احالة سجن " بوسليم" الى معرض لمقتنيات السجناء الذين ذاقوا ويلات اصفاده ، يبتسم السجين " ناصر " 17 عاما ، بمرارة ، ويتسأل : وماذا عن تأخر تطبيق " قانون جبر الضرر " ، قانون وليس قرار ، فلا تذهب بعيدا ، وقد بات السجان بريء بحكم محكمة ، ولعله أولي بجبر الضرر منا ، برهة صمت ، وقد توقف الكلام ، طبيب الاسنان السجين " بشير" المبتسم دائما ، كتم تلك الابتسامة المشرحة لوقت طويل ، وصار يفرك فروة راسه ، وكأن حرقة نالت منه ، أما السجين " عادل " فقد اسعف الموقف ، رأى ان الوقت مناسب لتقديم عصير " روزاطة وعبمبر " ، عسى ان يتناسى الجميع تلك المحن ، وقد اجاد .
السجين " سعد نصر " ، يغوص في تحليل الموقف الراهن ، برؤيته الثاقبة ، انه الاديب الذي تفضل بكتابة مقدمة كتابي " حرس ملك ملوك افريقيا " باسلوب راق ، وقد زف لي خبر صدور الكتاب في نسخة ورقية ، وهو ما انتظرته طويلا .. السجين يوسف ختريش ياخد بيدي الى الركن الحر .. تعال ننفث مجة سيجارة . لقد نال منا الارق حده

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق