الخميس، 4 يونيو 2026

تكريم وجوه الاجرام

 


   تسابق منقطع النظير على تكريم اعوان القذافي بالأمس ، والبحث لهم عن أعذار تحتفظ لهم بما الوجه ، رغم جرائمهم التي امتدت لاربعة عقود ونيف ، وها هو الضابط الانقلابي ليلة الاثنين أول سبتمبر 1969 ، ( احمد عون ) ، يحظى بتكريم في وسط العاصمة . ولمعرفة من هو ( احمد عون ) ، وتاريخه الاجرامي ، سعت اللجنة الاعلامية بالجمعية الى اقتفاء شيء من اثر اقدامه ، في ثنايا مقابلة اجرتها اللجنة الاعلامية بالجمعية  مع احد ضباط الصف ممن شاركوا في تلك الليلة الغبراء انطلاقا من معسكر قار يونس ببنغازي . يقول :

   ( احمل وسام الشجاعة .. من الضباط الوحدويين الاحرار .. بل واعضاء مجلس القيادة لا يحملون وسام الشجاعة .. وسام الشجاعة منح فقط للذين تحركوا ليلة الاثنين اول سبتمبر .. الخويلدي كان في سبها .. بشير هوادي في ودان .. محمد نجم كان في مصر .

      يوم 31 اغسطس .. في الاوامر اليومية .. الجمع الصباحي يوم الغد بلباس الرياضة .. كنت قلم سرية مخابرة الجيش بمعسكر قار يونس .. آمر السرية ادم الحواز .. يساعده ابراهيم عبدالعزيز صهد ..  كنت مقرب من الخروبي احد ضباط السرية .. وامر احد الفصائل الثلاثة المكونة لها .. وعضو القيادة لاحقا .. سألته : كيف يكون الجمع بلباس الرياضة .. والحصة الاولى ” مهنة ميدان ” .. قال لي : ” في صباح الغد تعرف ” .

     حسين الشريف .. عمر عبدالجواد .. ضمن ضباط سريتنا ..  معسكر قار يونس يتألف من عدة وحدات .. سرية مخابرة الجيش .. سرية المخابرة العامة .. سرية الهندسة .. صنف الهندسة .. مدرسة الهندسة .. امر المعسكر يونس العمراني اصبح فيما بعد سفير .. احمد ضياء الدين  المدفعي .. امر صنف المخابرة .. ( سرية الجيش .. سرية المخابرة .. مدرسة المخابرة )

      فجر الاثنين 1 . 9 . 1969 .. الساعة الرابعة صباحا .. تحركت المحاور من معسكر قار يونس .. محور الخروبي توجه للسيطرة على معسكر البركة .. كنت من بينهم .. محور معمر توجه للسيطرة على الاذاعة .. محور احمد عون توجه للبريد العسكري ..  محور امبارك عتيق .. ومسعود الزغرات .. الى معسكر الدقادوسته .

       كان القذافي مساعد امر المعسكر .. وكان متمردا .. اختار مكتبه بجانب الحلاق .. منزوي عن مكتب الادارة .. مكتب كئيب كتب على الواجهة ” مكتب المساعد ” .

     في احدى المرات .. وبينما انا القلم ولي حرية الحركة بالدخول والخروج لمكتب الامر .. اتلقف شوارد الكلام .. المقدم رمضان غريبيل يجري تحقيقا مع الخروبي .. قال له : انت ومعمر تحركاتكم مشبوهة ، وتقارير وصلتنا عنكم .. ما خطبكم .. اجابه : ” كواسم كيفنا انا ومعمر يغيروا حاجة .. اذا كان هناك شيء يستحق التغير تلك مهمتكم انتم قادتنا .. الامراء والرتب الكبيرة ” .

    محور الاذاعة .. سيارة بيت فورد يقودها زيدان الهتش بها 25 جندي .. وسيارة ” جيب ” بها القذافي وحراسات .. وسائقه الصالحين احمد مختار من قرية الغريفة وادي الاجال .. اخطأ الهتش الطريق الى الاذاعة .. اتجه عبر طريق البلد .. فيما الجيب أخدت طريق البحر وشارع الشط .. عند مركز البركة سألهم عن طريق الاذاعة .. من هنا .. كانت الجيب في انتظارهم .. ادعن الحراس للأوامر بتسليم اسلحتهم .. دون مقاومة .. وتمت السيطرة ..  مبنى الاذاعة يقع بشارع ضيق ومحصور .. ما يسر امر محاصرتها من الجانبين .

      محور البركة .. لاندروفر الخروبي امامنا .. وحافلة بها 23 جندي .. انا من بينهم .. معسكر البركة حيث ادارة التسليح .. السجن العسكري .. الموسيقى العسكرية .. مجموعة وحدات .. كان الحراس نائمون .. ليبقى كل في مكانه .. ابقى مكانك ولا تتحرك من البطانية .. لا تنهض من فراشك .. كانت كل وحدة بالمعسكر لها مدخل خاص .. سيطرت حراساتنا على المداخل .. لا احد يخرج .. ومن يأتي من الخارج نترصد له وننتظره .. اي ضابط يأتي مع اطلالة الصباح لمباشرة دوامه اليومي .. نعتقله .. نضعه بالسجن تحفظا .. امر الشرطة العسكرية اظهر انزعاجه .. كان الخروبي شاب مكتنز .. قوي البنية .. صفعه على وجهه حتى طار كاب الرأس .. ورمي به في حجرة الحراسات جوار سابقيه .

    محور الدقادوسته .. حيث ادارة الامداد والتموين .. محور المستشفى العسكري حيث كان كل الضباط الكبار يقطنون هناك .. باب واحد يجمعهم مع مبنى المستشفي .. ما يسر السيطرة .. وثم نقل بعض الضابط الى مبنى الاذاعة واحتجازهم هناك .

       الساعة الواحدة ظهرا كانت كل الامور هادئة .. وتمت السيطرة التامة .. بقينا في البركة مركز القيادة الجديدة لمدة شهر . ) 

 ***

 

  وفي في ثنايا مذكرات الطالب ( عبدالسلام دنقو ) بمدرسة مرزق الثانوية وقد زج به في حرب تشاد تحت امرة ( احمد عون ) ، عنوانها ( الهروب الكبير )

الهروب الكبير

الحلقة ( 8 )

    شعور ساحق بالخسارة عندما تدرك أن كل يوم مؤلم يمر ببطء ، وعمر انقضى ، لن تعود إليه أبدًا . يوم كان من الأفضل أن تقضيه صحبة العائلة والأصدقاء ، يا له من عبء كبير ، لا يطاق ، انت مسؤولاً عن حياة من حولك ، متى ما قتل أو جرح اي منهم ، كل هذا يتم تفكيكه في الذهن بين الحين والآخر ، متأملا لحظات  الرعب والفوضى عندما يشتعل وطيس القتال .

   هناك أوقات تحدثك النفس بإلقاء بندقيتك والعودة إلى الوطن  ، لكنك لا تفعل ذلك لأنك إذا توقفت ستموت ، لا يمكنك ترك زملائك خلفك أبدًا.

    هناك العديد من الكلمات لوصف واقع الحال والاشتباكات ضارية : مرعب ، مقزز ، غير ضروري ، مدمّر عقليًا .. أتمنى ألا يمر أحد بالتجارب التي مررت بها .

     لا أستطيع أن أشرح بكلمات الرعب والخوف والغضب الذي تشعر به في تلك اللحظات ، والرصاص يتطاير يبحث عن ضحية اخرى ،  وقد تكون انت ،  فقط لا أستطيع ، بل ولا أريد ذلك . اريد فقط أن انسى ، ولكن المشاهد لا زالت تتكرر باستمرار امام عيناي ،  كل ما يمكنني قوله بمجرد الوصول إلى هناك ، انك لن تعود إلى المنزل . هذا كاف ؟

     أنت منتبه للغاية ، حواسك متيقظة . حياتك تعتمد على ذلك . العديد من الأفكار المتضاربة تخالجك في اللحظة ذاتها ، كم عددهم ؟ هل يقتربون منا ؟ هل يرونني ؟ هل رأوني ؟ ما مصدر هذا الانفجار الذي حدث للتو ؟

    بمجرد أن يبدأ إطلاق النار ، تسوء الأمور، " من أين يطلقون النار؟ ما هذا ، مدفع هاوتزر؟  هل أغير مكاني ؟ حاليا ؟ في وقت لاحق ؟

كل جندي يخاف في المعركة .. الحيلة هي إبقاء خوفك تحت السيطرة . فمن أجل البقاء على قيد الحياة في القتال ، عليك أن تكون سريع التعلم . صحيح حقًا أنك لن تسمع الطلقة التي تقتلك . وهو درس آخر يجب أن تتعلمه ، ولكن لا يمكنك أن تتعلمه إلا إذا نجوت .

    إنه مزيج من الرعب ، والإثارة ، والبؤس الجسدي ، والإرهاق ، والعطش ، إنه وصف " الألم" لشخص لم يختبر هذا الألم من قبل . وهذا شبه مستحيل ، من المحتمل أن تبقى الذكرى ماثلة  في ذهني وأنا الفظ أنفاسي الأخيرة.

    كيف لنا الخروج من وادي الدوم، وليس أمامنا الا بوابه واحدة ، جنوب شرق القاعدة ، الساعة العاشره صباحا ، اسرجنا ما تبقى من ذباباتنا ، وعدد 60 فرد مجند وطالب ، تسللنا محاذاة حقل الألغام ، ارواحنا على اكفنا ، والإصبع على الزناد ، التحق بنا مجموعة من الطلبه والجنود على طريقنا للخروج ، كانوا فزعين جدا ، اقتربنا من البوابة بحذر ، تبين انها خالية من القوات التشاديه ، عبرنا البوابة وسط غمامة قاتمة من الدخان الاسود ، حجبت نور الشمس ، وبعدما تمكنا من الابتعاد عن القاعدة مسافة 5 كم ، توقفنا نسترجع انفاسنا .

 


  الهلع والتوتر، والبعض يحاول تهدئة الخواطر ، والفكر في طريق العودة للوطن ، لا ماء ولا زاد ،وصحراء جرداء قفر ، قبضات اليأس والإحباط تستشرف المصير المجهول ، البقاء على قيد الحياة على المحك ، وخلاف في الرأي بين العسكر العارفين بالمسالك ، كل يشير الى طريق وانه الاكثر امانا .

      تأملت المحيط ، ولا اجد سوى افق الصحراء الممتد ، اين المفر ،  لا نجاة من الموت ، بعد نصف ساعة من حوارات العسكريين ، بين شد وجدب ، تقرر الابتعاد اولا عن القاعدة لاكبر مسافة ممكنة ، توجهنا غربا قاصدين  منطقة " قورو "  اذ يتعذر  الذهاب الى " اوجنقا "  المترصدين على الطريق من القوات المهاجمة تجعل المغامرة محفوفة بالمخاطر ، وبينما نحن نستعد لبدء المسير ، غبار سيارة تسابق الريح يعلو عنان السماء ويتجه نحونا ،  صوبنا بنادقنا نحوها ، وما ان اقتربت ، تبين انها سيارة " تيوتا " يقودها زملاء مجندين ، هم ايضا هاربون من ويلات جحيم القاعدة ، اسرعنا نحوهم مهرولين ، كانت السيارة مجهزة تجهيزا كاملا ، للسفر مسافات طويلة ، تحمل التموين الكافي على ظهرها ، عندما اسدل زجاج السيارة ، تبين انه " الامر : احمد عون " ، ذلك الذي ما انفك يقدم لنا مواعظه ، عن الشجاعة والإقدام ، والصبر والثبات في ساعات الوغى ، وان لا خيار امامنا ، سوى الموت  او الصمود ، وان العدو من امامنا ، والالغام وراءنا  ، ها هو الان يفر هاربا على متن عربة فاخرة مجهزة وكأنها اعدت مسبقا للمهمة ، ويتركنا خلفه متلبكين .

       كل ما سمعنا منه ، أكد لنا سقوط قاعدة  وادي الدوم بالكامل في يد المهاجمين ، عندها سأله أحد العسكريين ، والآن ما العمل ؟  أجاب : واصلوا سيركم وسوف تجدونني أمامكم . وواصل سيره على عجل ، مخلفا زوبعة من الغبار اجتاحت عيوننا والمسام ،  هاج احد الجنود منفلا ،  أراد أن يستهدف سيارته  بقاذف "  ار بي جي " ، إلا أن زملائه العسكريين منعوه من ذلك . 

 

 

   واصلنا سيرنا وسط الصحراء الى المجهول ، ارض قفر لا بشر ولا شجر ، قطعنا مسافة طويلة ، صهيل الدبابات والعربات يكسر جدار الصمت ، وطالما لم تتوقف ، الامل باق ، لكن نفاذ الوقود بات حبل يلف اعناقنا ،  توقفت الدبابات تباعا ، وكلما توقفت واحدة ، تركها الجنود وامتطوا الاخرى التي لا تزال صامدة ،  وعندما لم يتبقى منها سوى دبابة ، ركب الجميع على ظهرها ، 60 مجند وطالب ،  وصلنا منطقة قورو مساء اليوم الثاني ، كان الوقت متأخرا، وجدنا معسكر الجيش الليبي قد احترق بالكامل ، ولا احد هناك ، غادره الجنود يوم أمس بعدما بلغهم  نبأ سقوط قاعدة الدوم ، لم نجد به  ماء ولا زاد ، كنا نتضور جوعا ، والماء الذي بحوزتنا بدأ ينفد ، عشر لترات كل ما تبقى ، وكيف لنا سد رمق 60 مجند انهكهم الجوع والعطش ،  نصيب كل فرد ملء غطاء " الزمزمية " ، رشفة ماء تبتل بها شفاه كالحة . 

        حططنا الرحال بجوار منطقة " قورو " ، بقينا في ترقب حتى الصباح ، لا أحد منا عرف النوم طريقه اليه ، الكآبة تعلو الوجوه ، والقادم المجهول يغتال الامل في النجاة  ، البعض لا يتوقف عن الدعاء والتضرع للمولى عز وجل بالخروج من هذا المأزق ، وثم خطب اخر ، وقود الدبابة الوحيدة ، بدأ ينفد ، وحيرة قادة المسير حول اي اتجاه ينبغي لنا ان نذهب ، البعض يقترح قاعدة " السارة " داخل الاراضي الليبية ، واخر يقترح السير نحو منطقة " اوجنقا " ،عمي عبد السيد حسم المر ووافقه الاخرون ، إلى " اوجنقا " .

       امتطينا ظهر الدبابة ،  انبعث منها لحظة الانطلاق دخان أسود كثيف ، شعرنا بالاختناق ، وبعد قطع مسافة 5 كم ، تراجعت سرعة الدبابة ، ثم توقفت ، كيف لنا عبور هذه الفيافي القاحلة مشيا على الاقدام ، وأنياب الجوع والعطش تنهشنا ، حملنا اسلحتنا وتركنا الدبابة ، كنا نقطع مسافة وجيزة ونتوقف لبعث نشاطنا من جديد ، وقد كلت الابدان  من شدة التعب .

     عند شجرة " طلح " يتيمة " توقفنا " نستظل بظلها  ، جرب البعض مضغ اوراقها الصغيرة يتلمس الارتواء ، لم تكن مستساغة في مضغها ، ثم واصلنا المسير ، وجوه كالحة اضناها العطش والكدح ، وكان علينا التخلص من اسلحتنا التي اصبحت تثقل كاهلنا ، وتعيق المسير ، لم نعد نقوى على حملها ، حفرنا حفرة بالأرض وطمرنا تلك الاسلحة بالتراب ، وواصلنا سيرنا .

    عدد من قوادف " ار بي جي " وبنادق كلاشنكوف ، ورشاشات اغراض عامه ، رمانات مهداد ، ومسدسات بلجيكي ، اضافة للذخائر .

احتفظنا ببندقية كلاشنكوف يتعاون على حملها اثنين ، وعدد مخزنين عتاد ، اتشار مع زميلي مصباح خليفه من منطقة " قطة " بوادي الشاطي حمل بندقية ، ربطت  اخمس البندقية بمعصم يدي ، وربط مصباح السبطانة بمعصمه ، وسرنا بجوار بعضنا طوال ليل اليوم الثالث .

         حبل العطش حول اعناقنا يشتد ، أحد العسكريين اقترح أن لا نتبول هدرا ، وأن نحفظ  البول بـ " الزمزمية " لأوقات اشد قسوة ، قد نضطر لشربه غدا ، كان الامر مقززا فضيعا .

   اهتدينا الى طريقة اخرى تخفف وطأة ما نحن فيه ، رمي الاحذية العسكرية الثقيلة  ، ومزق جيوب ستراتنا ولف اقدامنا بها ، للوقاية من وخز الحصى والارض الحجرية الوعرة .

    بدأت أجسامنا تخر ، حتى الحزام العسكري بات ثقيلا ، رميناها هو الاخر ، بتنا نسير ببطء شديد ، واخيرا وصلنا الى حطام شاحنة عسكريه ، يبدو أنها تعود زمن حرب التمانينات ، وجدنا بها علب جبنة غلفها الصدى ، قام أحد الزملاء بسحقها وطحنها على حجر، لكن جفاف الحلق حال دون بلعها ، انياب العطش تنهش اجسادنا

 بضراوة ، وصدق اعتقاد زميلنا العسكري ، كان الملاذ شرب البول . حدث ذلك على مضض . ولا خيار اخر ، الموت ينادينا .


 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

احمد قذاف الدم يبحر في القارب المثقوب

  جاء في كتاب – اشخاص حول القذافي .. تاليف الوزير.. الوزير عبدالرحمان شلقم         احمد قذاف الدم .. احد افراد الحلقة الاضعف حول م...