الخميس، 16 أبريل 2026

اغتيال الكلمة

 


 

       عندما يتمادى الطاغية في صلفه ، فقد يقدم على جريمة الاغتيال للاصوات المناهضة لمجرد ايماءة ، او  كلمة تقض مضجعه الهش ، ذلك ما حدث مع الشاعر محمود محمد شعيب الملقلب بــ (البولندى) ، من سكان مدينة المرج ومن قبيلة العرفه ، فقد تم اغتياله بتاريخ 1988/1/19 ، لمجرد انه تفوه بكلمة قصيرة تلخص جريمة بعمر 42 عاما ، مجرد بيت من قصيد ( علم ) ، تقول :

(  غارن اطناش ذيب .. على غنم في مراح رايضة )

   الرمز في هذا البيت لزمرة مجلس انقلاب سبتمبر ، وعددهم 12 ، وكيف احالوا وطن ينعم بالامن والطمأنينة ورغد العيش زمت الحكم الملكي ، الى اشلاء مجزرة .

       بعد اغتياله ، داعت ابيات من غناوة ( العلم ) التي كان يجيد نظمها ، ويجد فيها متنفسا لما يكنه من  وجع على وطنه وهو يتداعى امام عينية ، ويهوي في قاع قارعة الدهر . منها :

                              ( سمسارة هَوِيدْ الليل ... كدّوا الضان وازوا ثنوها )

في اشارة الى زوار الفجر ، والاعتقالات العشوائية اخر الليل .

                             ( الذيب ما القيِ قناص ... يلقط مساربه نين يقتله )

( إن زلت في اطراد الذيب ... بسلاح ياغلم نين نقتله )

    عندما بدأ يستشعر اقتفاء اثره ، ومن قائل بيت العلم ، وتتبع  المسارات أي من قائل الى اخر بحثا عن المصدر القائل .

                          (   حتى لو قتلت الذيب ... ايجي ولده ساطي ع الغنم )

     قصد بها عندما بدأت الالسن تلوك جوقة توريث القذافي لاحد ابنائه  .

                                 ( كاثر جفيل الضان ... تمّا كلبها كيْ ذيبها )

    بعدما بات نهب المال العام سنة ، ولا عيب فيها . فالكلب الحارس أي المسؤول تحول الى ذئب يسرق اموال الرعية.

                 ( مامن اغذا قزّنت ... قزّن ضناك ياذيب يا الله )

الخطاب هنا موجه للقذافي ، بعدما تمادي في القتل والسجون ، وكم من الاطفال اصبحوا ايتام بسبب اغتيال ابائهم ، ودعاء ان ينتهى القذافي هو الاخر الى الى المصير ذاته ، ابنائه ايتام مشردين بين الاوطان ، ولا ادل على استجابة دعوته ، ان ابناء القذافي من مات ومن هو اليوم شريد طريد لم يجد له مأوى سوى في ( وطن مربط الحمير ) كما وصفه القذافي بنفسه ذات يوم .

 

                          (  على من تريد اتخيل ... الراعي حجدْ ريحة الغذا ؟! )

     عندما علت اصوات الناس همسا ، تعلن احتجاجه على ورطة حرب تشاد ، وإعداد الجنود القتلى الذين طمر رفاتهم في مجاهل صحارى تشاد ، ولا زال الى اليوم . حرب على الدولة الجارة ، حرب لا ناقة ولا جمل للشعب اليبي فيها ، ووصمة الهزيمة التي ظلت باقية امد الدهر . فعلى من تداري بالانكار والناس تدرك الحقيقة . ( الغذا ) صغار الأغنام ، وترمز هنا للشباب الغر .

                ( حليبكْ كمَل تشحيت ... وهلكْ يا غنم في عازتهْ )

             (جواعا ضناك وهلكْ ... رعيانك لمن فيك يحلبوا ؟! )

    عن اموال الشعب الليبي التي يتم تبديدها هنا وهناك ، بين نزوات القذافي وابنائه ، ودول افريقيا وامريكا اللاتينية وشرق اسيا وغيرها من دول مضارب العربان للشحاتة . والشعب يعاني ضنك الجوع .

                        ( حالبينك جيران ... وانتي اغذاكْ موتى م العطشْ )

    عندما استشعر القذافي اهتزاز عرشه وصار يغازل رؤساء بعض دول الجوار ، فنادق بالسودان ، عشرة مليارات هبة لمصر ، مجمعات سكنية وادارية لموريتانيا ، طرق وفنادق لتونس .. الخ . وكان ليبيا البقرة الحلوب لغير اهلها .

( بعدك يا ثقيل الروز .. الوطن ضاع غيبوبه رقى )

   كناية عن وطأة الحزن وثقل المسؤولية على عاتقه امام وطنه ، وكم هي مرهقة وقدرته على التحمل  والوطن يتداعى وشعبه في غيبوبة وضياع .

( حتى لو حكم تاريخ .. على ظلمنا ما نطيعله )

  مهما قالت كتب التاريخ والمؤرخون من ان ما جرى على وطني امرا سوي ، لن اقبل بما يقولون ، انا الشاهد على ما جرى من قهر وبطش  ، وهذا يكفيني .

( متباعدين واقف ياس .. إيريدوا فزع موعندنا )

  تبدو الاشارة الى صمت الشعب امام هول المأساة ، وغياب المنقذ من بين ابنائه .

( ان دام هظا حال الوقت.. يا عين ياما اتودعي )

  كلما استمر هذا الطاغية في الحكم ، فسوف يدفع الشعب ضريبة اكثر قسوة ، وكم من دموع ستذرف لأمهات مكلومات على فقد ابنائهن وأزواجهن ينتظرنا ، نهايات الاستبداد دامية دائما .

( الناس في اسنين الكرب .. اللي ما فنى داله جضر )

   الوطن يمر بسنوات عجاف ، والناس بين من توفاه اجله ، ومن لا زال حيا ضجرا وكأنه ميت

( اينوض جيل يفنى جيل ..غدار لآجل مودايم لحد )

   مهما طال هذا الحال ، فسوف ياتي جيل جديد يزيح الغمامة عن جبين الوطن .

( وما من اللي م لوقت.. جمام غير كامي دمعته )

    كم من نفس حزينة في هذا الوطن الكليم ، تدارى حزنها باحتباس دموعها

( يبان يوم مو محسوب.. وتراجع اللي كانت جفا )

  سيأتي يوم ليس في حسبان الطاغية ، وسينتهي حكمة على عين غرة . نهاية الظالم ، والظلم ظلمات

( م الياس ما نجضو يوم .. خذينا علي قولت جرا )

   بلغ منا اليأس مبلغه ، فلم نعد ننزعج لخبر مفزع جديد ، في وطن الرعب .

( رميت تاقزة للوقت ..الطمت ما علي شي واكدت )

 حاولت استشراف المستقبل بضرب الودع ، لكنه هو الاخر لم يخبرني متى تنهي سنوات الضياع

( توارى الكبش وضاع ..و بعدا يا ثني خوذ غايتك )

   شبه القذافي بابن الخروف الصغير الذي صال في القطيع عندما غاب الكبش راعي القطيع

( انخانوا على غفلات ..ناس اشراف ظاعوا ياعلم )

  عن خيانات القذافي واختياره اذلال العائلات من اهل الشرف والعفاف

 

    نحتاج الى التغلب على مرارة هذا العالم ، لذا ، نحن بحاجة الى تفجير براكين الابتسامة ، لأجل ذلك ، انصحك ان تكتب ، لن يعترض الورق على تحبير القلم ،  ولن يملي عليك الافكار التي ينبغي لك التحدث عنها  ، وتلك التي لا يمكنك التحدث عنها .

    الكتابة تحرر ، حتى لو لم تصبح كاتبا ، ستكون قضيت جزءًا من حياتك منخرطًا في واحدة من أكثر الأنشطة متعة وإثارة

   صديقي العزيز سجين الراي ، ما اود ان أكتبه إليك وأخبرك به ؟  ، ليبقى الأمل ، تحتاج فقط إلى الكتابة .. ينبغي لك الان تلمس ازار الكيبورد  وأُفراغ ما بداخلك ، للكلمات قوة ، وكل ما نقوله ، بل وأكثر من ذلك ، ما نكتبه ، يبدو وكأنه يأخذ مكانه المحدد سلفا في هذا الكون الفسيح .

     الكتابة علاجٌ لألم الحياة ، بلسم وقائي ، كل نص إبداعي يعيد إليك السلام مع النفس ، وأحيانًا يرفعك مؤقتًا إلى حالة أعلى . تجاربكم خلف القضبان هي حق للاجيال القادمة ان تعرف ، فلا تتردد ، اكتب بالعامية ، الكلمة قوة .

اللجنة الاعلامية

تعقيب الناشط سليم اشطيبه :

  يا أهلَ البيانِ في ديوانِ الظلِّ والذاكرة ، يا مَنْ مددتُم جسرَ الحبرِ فوقَ هاويةِ القضبان ، سلامٌ على صبرِ أياديكم وهي تنتشلُ "العلم" من بين رمادِ الجريمة ، وتُعيدُ ترتيلَ "الغناوة" نشيدًا للعصافيرِ التي كُسِرَ جناحُها قبلَ الفجر.

    أيُّها الساهرونَ في محرابِ "جهنَّم"، تُدوِّنونَ وصايا الراحلينَ قبلَ أنْ تأكلَ النارُ أسماءَهم .. لقد أبدعتم حين جعلتم من الوجعِ وثيقةً ، ومن الصمتِ المذبوحِ شاهدَ حق .

      قرأتُ في سِفرِكم الموجعِ عن " البولندي "، ذاك الذي حوَّلَ ضلعَ الخيمةِ إلى منبرٍ ، وصهيلَ المأساةِ إلى استعارةٍ تفضحُ " الذئب" ولو بعدَ حين.

     أمَّا عن مجهوداتِ لجنتِكم الإعلامية... فواللهِ لقد فعلتُم ما عجزَ عنه سيفُ الطاغية :

الطاغيةُ اغتالَ الكلمةَ في حنجرةِ صاحبها ، وأنتم أطلقتم سراحَها من سجنِ الرماد.

هو أرادَ للبيتِ أنْ يكونَ قبرًا، فجعلتموهُ مهدًا لألفِ بيتٍ يولد…

    لا تقُلْ عن عملِكم "متواضعًا"، فإنَّ اللهَ حينَ أرادَ أنْ يهزَّ عرشَ الطغاة ، بعثَ في "حراءَ" المتواضعِ وحيًا ، وفي أتونِ النارِ نبيًّا، وفي بطنِ الحوتِ مناديًا.

     ما خطَّتهُ الأنامِلُ هاهنا ليس حبرًا على ورق ، بل هو نداءُ "البولندي" وقد خرجَ من قبرِ الصمتِ حيًّا ، هو أنَّةُ أمٍّ فقدتْ ولدَها في مجاهلِ تشاد ، هو صمتُ طفلٍ سألَ عن أبيهِ فلم يجدْ جوابًا غيرَ الرصاص ، إذا كانَ لحرفِنا أنْ يكونَ مقدمةً في سِفرِ "جهنَّم" ، فإنَّ السِّفرَ كلَّهُ قد كُتِبَ بدماءِ الشهداء ، ونحنُ لسنا إلا "سمسارةَ هَوِيدِ الليل"، ننقلُ الصوتَ من ظلمةِ الزنزانةِ إلى نورِ الذاكرة ، ونعيدُ ترتيلَ "الغناوةِ" التي كادَ أنْ يسرقَها النسيان. يا صاحبَ اليدِ الممدودةِ بالثناء، إنَّ قلمي ما كانَ ليدفقَ وجعًا، لولا أنَّ في الأرضِ وجعًا يستحقُّ أنْ يُكتَب ، وما كانَ ليتألّق، لولا أنَّ حولَهُ عتمةً يستصرخُ الفجر ، فدعِ الثناءَ لأهلِه ، أهلِ الجراحِ والصبرِ والانتظار، دعْهُ لـ"الضأنِ" التي جفلتْ من "الذيب"، ولـ"الراعي" الذي نامَ عن غنمِهِ فأيقظَهُ "العلم". نحنُ مجردُ ظلٍّ للحقيقة ، أمَّا الحقيقةُ فأنتم ، أهلُ النارِ والضياء ،أهلُ الصمتِ والكلام. فامضوا في تدوينِ الخروج ، فإنَّ "اليومَ مو محسوبَ" آتٍ، و"الذيبَ" وإنْ طالَ سربُهُ، فإنَّ "قنّاصَ" الحرفِ له بالمرصاد. دمتم للكلمةِ بيوتًا، وللذاكرةِ خيامًا، وللحقِّ طريقًا لا تخطئُهُ القوافل. والسلامُ على مَنْ قالَ بيتًا فكانَ رصاصةً في نحرِ الباطل، وعلى كلِّ مَنْ يكتبُ بمدادِ الدمعِ ليقرأَ جيلٌ لم يولَدْ بعد


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

احمد قذاف الدم يبحر في القارب المثقوب

  جاء في كتاب – اشخاص حول القذافي .. تاليف الوزير.. الوزير عبدالرحمان شلقم         احمد قذاف الدم .. احد افراد الحلقة الاضعف حول م...