الأحد، 22 فبراير 2026

جرائم القذافي ..وثائق من التاريخ المغيب .



الوثيقة الاولى ..


بتاريخ  17-2-1372 و.ر


تنفيذا الى قرار منسق القيادة الشعبية الاجتماعية بالشعبية رقم (13) لسنة (371) اور) 

بشأن ترحيل عائلة (المبروك) خارج شعبية سرت ..

يطلب منكم عدم قبول او تمكين اى من أفراد العائلة المذكورة اعلاه  بالعمل أو الدراسة تطبيقا للميثاق المشار إليه أعلاه وفق القائمة المرفقة  ..

 قرين صالح قرين

 أمين اللجنة الشعبية لشعبية سرت ..

الختم والتوقيع 




********

الوثيقة الثانية ..

تحية الفاتح العظيم ...

اشارة الى قرار المؤتمر الشعبي الجماهير ورقلة بشأن التبري من الخونة والجواسيس في 1995/8/28 ف 

و على قرار جماهير ورقلة في 1430/7/17 ميلادية

 بهذا الشأن وحيث انه ثم تنفيد كل ما اقرته الجماهير من الطرد وهدم اوكار المستهدفين ومقاطعة من استهدفوا بالمقاطعة الا ان عائلات : 

سوف سالم الجدك

 الصغير سالم الجدك 

احمد سالم الجدك ..

 والذين شملهم القرار 

تبين أنهم لم يمتثلوا للتنفيد وتبين ان ابناءهم يدرسون بالمدارس التالية : 

  1 / صلاح سوف سالم الجدك مدرسة  7 ابريل

2 /  وليد سوف سالم الجدك 

مدرسة 2 مارس 

3 / سالم سوف سالم الحدك 

ثالثة علمي مدرسة 2 مارس  

4 / عبد التي سوف سالم الجدك 

كلية الهندسة 

5 / رضوان احمد سالم الجدك

 الصف السابع مدرسة المسيرة الكبرى 

6 /  هناء الصغير سالم الجدك 

الصف السابع مدرسة المسيرة الكبرى .

7/ نجاح الصغيرسالم الجدك 

الصف الأول المسيرة الكبرى

8/ انتصار الصغير سالم الجدك 

الصف الخامس المسيرة الكبرى 

9/  ابتهال الصغير سالم الحدك الصف الخامس المسيرة الكبرى   10/ مي الصغير  سالم الحدك

الصف الصف السادس

 11/  ابتسام الصغير سالم الحدك ثالثة ادبي  مدرسة 2 مارس

12/ اسماء الصغير سالم الجدك

  ثالثة علمي مدرسة  2 مارس

 وحيث ان عدم طردهم سبب  ... واضعاف القرار الجماهيرى

 الأمر الذي يستوجب ...... اجراءات فاعلة بشأن منع ابناءهم من الدراسة ........،

 كما نفيدكم بان حركة اللجان الثورية من خلال ملتقاها على مستوى المنطقة في 14 أبريل 1369

  قررت الأتي : 

1- اختيار يوم 7 أبريل يوم فاصل عدم تواحد ابنائهم داخل المؤسسات التعليمية المذكورة اعلاه .

 2-  الأجراءات الأدارية اللازمة بشأن طردهم من المدارس استعداد التطبيق الخناق .... عليهم المغادرة المنطقة امتثالا القرار الجماهير ....

 

وكل ليلة في ليلة الفاتح ...

وكل يوم هو السابع من أبريل  


 منسق فريق العمل الثوري بني وليد

الختم والتوقيع


*********

انتهى ..

(هذا فريق العمل الثوري لما لم يقدموا للعدالة  ) .. ﺗﻢ ﻫﺪﻡ عدد من ﺑﻴﻮﺕ لعائلة ﺍﻟﺠﺪك .. وذلك بعد أحداث اكتوبر 1993 :






1- منزل خليل سالم الجدك في بني وليد.

2- منزل خليل سالم الجدك في طرابلس.

3- منزل صالحين سالم الجدك في بني وليد .

4- منزل خليفة سالم الجدك في بني وليد.

5- منزل عامر سالم الجدك في بني وليد.

6- منزل سوف سالم الجدك في بني وليد.

7- منزل الصغير سالم الجدك في بني وليد.

8- منزل احمد سالم الجدك في بني وليد .

9- طرد علي سالم الجدك من منزله وتسليم المنزل لشخص اخر في بني وليد.

10- قتل تحت التعذيب ل حوسين سوف سالم الجدك 

ﻭﻗﺪ ﺗﻢ ﺍﻳﻀﺎ ﺍﺟﺒﺎﺭﻫﻢ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺮﺣﻴﻞ ﻣﻦ ﺃﻣﺎﻛﻦ ﺳﻜﻨﻬﻢ ﺇﻟﻰ ﻣﻨﺎﻃﻖ ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ ﻭﻗﺪ ﻋﺎﺷﻮﺍ ﻓﻰ ظرﻭﻑ ﻏﺎﻳﺔ ﻓﻰ ﺍﻟﺼﻌﻮﺑﺔ .. ﺣﺮﻣﻮﺍ ﺧﻼﻟﻬﺎ ﻣﻦ ﻛﻞ ﺷﺊ .. ﻭتم طردهم ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻤﻞ وقطع الماء والكهرباء و ﻗﻄﻊ ﻋﻨﻬﻢ ﻣﺼﺪﺭ ﺍﻟﻌﻴﺶ وطرد ابنائهم من المدارس .

**********



الجرائم لا تسقط بالتقادم ... ولا يطويها الغبار ولا تمحوها الشعارات .. تبقى شاهدة في ذاكرة الناس كما تبقى الندبة في وجه الزمن .. حين تقرأ الوثيقة الممهورة باسم قرين صالح قرين امين اللجنة الشعبية لشعبية سرت .. وتجد قرارا بترحيل عائلة المبروك ومنع افرادها من العمل او الدراسة ..

اي حرمانهم من حقوقهم المدنية  ... تعرف ان العقوبة لم تكن على فعل بل على نسب ..

وان الوطن ضاق حتى صار بطاقة هوية .. تقرر من يعيش ومن يطرد

وحين تقف عند الوثيقة الثانية .. وتقرأ اسماء سوف سالم الجدك .. والصغير سالم الجدك .. واحمد سالم الجدك .. وترى ابناءهم

وتقرأ الامر بطردهم ومنعهم من الدراسة .. وتضييق الخناق عليهم حتى يغادروا المنطقة .. تعرف ان الدولة حين تتحول الى قطيع ... تعاقب الطفل بجريرة الاسم .. وتهدم البيت فوق ذاكرة ساكنيه .. وتظن ان الخوف يصنع الولاء للبقية .. والتبريء ....

يعني هذه الممارسات فاقت الصهاينة مع المقاومين  من هدم وجرف .. اما ما صدر لاحقا عن قرين صالح قرين من اساءات وكذب وتدليس على تاريخ المملكة .. وعلى الاباء المؤسسين .. وعلى الملك الصالح ادريس السنوسي رحمه الله .. (للأسف لايزال طليقا يسرح ويمرح ولم يقدم للعدالة ) .. فليس رأيا تاريخيا مشروعا ..بل صدى لرواية صنعتها سلطة وغذتها ايديولوجيا .. فالرجل لم يعش زمن التأسيس .. ولا شهد لحظة الاستقلال .. ولا تشكل وعيه في بيئة حملت عبء النضال ضد الاحتلال .. بل استند الى سردية رفعها قديسهم المزعوم معمر القذافي .. الذي قال عن سلالته انها هاجرت الى تشاد ايام الاتراك .. ثم عاد قرين من تشاد في زمن لاحق .. فوجد رواية جاهزة .. فحملها كما هي ! ..ورددها كما لقنت له ! ..دون صلة حقيقية بمصادر التاريخ ... ولا بشهود المرحلة .. ولا بذاكرة الوطن .. وهكذا تصبح الكلمة امتدادا لقرار .. ويبقى الحق مؤجلا .. لا يسقط ! ..لان ذاكرة الشعوب لا تموت .. ولان الجرائم لا تسقط بالتقادم

صفحة التاريخ المغيب

الجمعة، 20 فبراير 2026

صالح القصبي .. ذاكرة سجين



  قضيتُ زمن طويل في السجن ، ربع قرن ونيف ليس بالقليل ، كان كل يوم يمثل صراعاً ، وبعد السنوات الأولى ، يصبح المرء غير مبالٍ بتجريده من إنسانيته .  إنها فترة مد وجزر بين الأحزان ، بعضها أقل بؤساً من غيرها.

     الأمر أشبه بالعيش في عالم موازٍ .. منفصل تماما عن المجتمع ، وبالتالي عن الواقع .. اقضي عقوبة صنفت قانونا بـ " الحرمان من العيش في المجتمع الجماهيري السعيد " . 

    دعوني أروي لكم قصة سجين حكم بالمؤبد .. إنها قصة حقيقية محزنة عن ضياع حياة .. لا تقرأوا هذا المقال إن كنتم تبحثون عن قصص تُضفي بريقًا على السجناء ، اقرأوه إن كنتم تريدون معرفة حقيقة قضاء عقوبة السجن المؤبد ومواجع اخرى.. " او الحرمان من التمتع بمباهج العيش في المجتمع الجماهيري السعيد ".

   من المحزن أن يعيش المرء حياته بعيدا عن عائلة وأصدقائه ، ومن المحزن ان تكون هذه المقالة نعي لرفيق الزنزانة الذي اعدم ونحن ننتظر عودته ، لقد اضاف فقده ثقل اخر ، لا انسى انه تمكن لزمن طويل من تحرير كتاباتي خلف القضبان ، بتمريرها خفية خارج اسوار الزنازين ، وبعيدا عن اعين الجلاد ، لقد تولت المناضلة زوجته بالمهمة اثناء زياراتها له ، لتكون مغامرتها تلك ، اعلانا بميلاد كتابي " كانك معي " حال خروجي من السجن الصغير ، وتحرر الوطن من اصفاد الاستبداد .

   اذكر يوم ان ذهبت لاسرته معزيا ، واستلمت رزمة الاوراق التي احتفظت لي بها بمنزل الاسرة ، ذكرت لي ان زوجها هو الاخر ترك كتابات لا تزال تحتفظ بها .

 الان وقد طال الامد ، وانقطع الوصل ، لا ادري اين انتهت بصماته ، لكنها بالتأكيد تعد سجل لصفحة مطوية من تاريخ وطن اسير ، اتمنى ان ترى النور ذات يوم . رحم الله الرفيق " احمد الثلثي "

أحمد الثلثي .. ذكرى سجين


      احمد عبدالقادر الثلثي ، سجين سياسي تم اعتقاله من منزله في حي بن عاشور بطرابلس ابريل عام 1986. وفي عام 1988 التقته منظمة العفو الدولية "أمنستى" داخل سجن أبوسليم بطرابلس أثناء زيارتها الى ليبيا لتفقد أوضاع حقوق الانسان هناك ، وفي زيارتها الثانية عام 2004، طلبت ايضا مقابلتة مرة أخرى، لكن المسئولين الليبيين ومن بينهم مدير سجن أبوسليم لم يلبوا الطلب ، وأبلغ مدير سجن أبوسليم منظمة أمنستى بأن أحمد الثلثي ليس ضمن السجناء السياسيين الـ 625 الموجودين لديه .

    لم تتلق أسرته أي أخبار عنه منذ صيف عام 1996؟ تهمته انه احد أبرز المحرضين والمنظمين للاحتجاجات امام السفارة الليبية في لندن ضمن حوالى 60 طالبا ، رفضا لمشانق الطلاب في مجازر السابع من ابريل بالجامعات 1976 .

   رفيقه بالمهجر "جمعة القماطي " ، قال في حقه :

    (   في عام 1979 تم تأسيس فرع بريطانيا لإتحاد عام طلبة ليبيا المعارض لسياسات نظام القذافي كبديل لفرع اتحاد طلبة الجماهيرية الذي سيطرت عليه عناصر ثورية ومخابراتية ، وكان أحمد الثلثي هو القوة الدافعة الرئيسية وراء تأسيس هذا الفرع وأختير رئيسا للجنته التأسيسية. وبدأ الفرع في نشاطاته المختلفة ومنها اصدار مجلته الشهرية " شهداء ابريل" .

   نظّم فرع الاتحاد مظاهرات واعتصامات عديدة أمام السفارة الليبية في لندن ، وكان الطلبة المشاركين في نشاطاته هم القاعدة الصلبة والمخزون البشرى الذي استفادت منه أبرز فصائل المعارضة في بناء قواعدها وكوادرها النضالية في بداية الثمانينات. إختار أحمد الثلثي أن يكون مستقلا في انتمائه التنظيمى تمشيا مع موقفه المبدأ في ضرورة التعاون والتنسيق مع الجميع، وكان اجتهاده هو أن العمل الحقيقى يجب أن يكون داخل ليبيا، ولذلك كان يحث الطلبة على ضرورة العودة الى ليبيا بعد اتمام الدراسة ، وانسجاما مع هذا التوجه كان قرار أحمد الثلثي في أوائل عام 1986 أن يعود الى الوطن لإيجاد قاعدة عمل سلمى منظم يوظف أساليب الاتصال واللقاءات الخاصة والمناشير وغيرها من أجل ايجاد وتحريك تيار شعبى يطالب بحقوق الشعب الليبى في قيام دولة مدنية يحكمها الدستور وسيادة القانون.

   بعد حوالى أربعة أشهر من عودته ، قامت الأجهزة الأمنية الليبية باعتقاله ، أحمد الثلثي موجهة له تهم ملفقة مفادها بأنه كان يحاول القيام بأعمال مسلحة ضد النظام الأمر الذي يتناقض تماما مع تفكير وتوجه أحمد الثلثي الذي كان دائما يدعوا الى النشاط الحركى السلمى سواء في مسيرته من خلال العمل الطلابى في الخارج أو في ما كان ينوى القيام به في داخل ليبيا.)

    اما رفيقة بالزنزانة " علي العكرمي " ، ذكر في مقابلة مرئية ان الثلثي : (  كان ينتسب الى جبهة الكفاح العربي ، وقام حقيقة بادخال متفجرات واسلحة ، ليقوم بتفجير بعض مقرات مثابات اللجان الثورية ، مع رفاقه ، نجم الدين الناقوزي ، يوسف الاحيول  .

    وعن يوم اغتياله : (  كان يوم السبت اقتحم القسم مجموعة من قوات الصاعقة ، وأخذوه معهم ، وفي الادارة تمت تصفيته ، وعن قصته ، انه قبل عام ونصف تقريبا ، كان هناك قاضي فرنسي " قاضي الارهاب " ، جاء الى ليبيا للتحقيق مع عبد الله السنوسي في حادثة اسقاط طائرة اليو تي اي بصحراء النيجر ، المتهم بتفجيرها ، استدعى " احمد الثلثي " للادارة ، وقدم له عرض ، قال له : الاسلحة والمتفجرات  التي قمت بادخالها ووجدناها لديك ، هي ذات المتفجرات التي استخدمت في تفجير الطائرة الفرنسية ، نريد منك الخروج ومقابلة القاضي الفرنسي والاعتراف بأنك وراء تفجير الطائرة ، لكن " الثلثي " ذو الشخصية الجريئة ، اجابه : " كون راجل مرة في حياتك ، انت درت العملية ، وأنت تحمل مسؤوليتك ، انت تبي تضحك على الفرنسيين ، انا سجين ويعرف الفرنسيين انني سجين قبل حادثة الطائرة ، فكن رجل وتحمل مسؤوليتك " ، قال له : اذن ستدفع الثمن يوما ما  . وفي يوم المجزرة تم اخذه قبل بدء المجزرة ، واعدم .

  


المريب ان أسرته التي منعت من زيارته بعد اعدامه 1986 .. ظلت تواصل تقديم ما يمكنها تقديمه له .. من الاكل الى المقتنيات الأخرى.. وكانت إدارة السجن تستقبل ما تجود به اسرهم .. غنائم للجادين 

الأربعاء، 18 فبراير 2026

لمن يترحمون على الزنديق ٨

 


·

في شهر رمضان سنة 1984 شنق عددا من خيار الناس لاسباب صادمة ولفق لهم تهما باطلة، وعشنا ذلك الشهر في رعب وكأنه  شهر عذاب ونقمة. 

كان من ضمن الذين شنقهم صديقي وأخي الاخ الطيب المفضال الحيي  صاحب الابتسامة الدائمة، فرحات عمار حلب، رحمه الله وجعل مثواه الفردوس .

كان رحمه الله مثالا  للمسلم الخلوق  التقي، الذي لا تسمع منه إلا خيرا ، وكان قليل الكلام ، لا تلتقي به فجأة  الا ويبادرك بابتسامة ونظرات تعكس الاخوة والود الذي يكنه لك!.

اتدرون يا من تترحمون على الزنديق السفاح المقبور ما هى جريمته عند نظام سبتمبر القمعي: 

حضوره لمحاضرة ألقاها محمد المقريف في مدينة بتسبرج التي كان يعيش فيها!.

حين خرج في اعترافات تحت الإكراه والتعذيب قال ان السعودية دعمتهم في عملية باب العزيزية ، ولم يكن رحمه الله من المشاركين في العملية وكان يعمل اذذاك مهندسا في مصنع الحديد والصلب بمصراتة!.

حاول بعض الاحرار من مدينة زوارة منع عملية الشنق لكن نظام المقبور غلبهم على أمرهم وأصاب والدته من الحزن والألم والمرض بعد ذلك الشنق الارهابي ما الله به عليم، وأغمي على قريبة لي شاهدت عمليات الشنق في شهر رمضان عبر التلفزيون ، ثم لا تريدوننا أن نفرح بثورة فبراير المجيدة التي أطاحت بالمقبور ونظامه القمعي!

رحم الله فرحات حلب والصادق الشويهدي ، والشيخ محمد  سعيد الشيباني وكل من شنقه وقتله الزنديق المقبور الذي تترحمون عليه أيها الظالمون الجهلة!.

ادعو الله ان يحشركم معه حشرا ابديا لا فراق من بعده!. .

 سالم عمار

جرائم القذافي وازلامه

 










السبت، 14 فبراير 2026

جماهيرية الرعب ومتلازمة استكهولم

 



ان لم تستحي فاكذب كما شئت

قلوب متوحشة .. ابوغريب الجماهيرية


بعدما أنهكها كل شيء ودمر اقتصاد سويسرا شمال افريقيا جاء ليتشفى ..أغنى دولة وافقر شعب


استخفاف بالعقول في اعتى صوره




الجمعة، 6 فبراير 2026

سيف الاسلام القذافي في سطور


 

عندما ذابت أجنحة إيكاروس.. سيف الإسلام بين الصعود والخيبة

5 فبراير، 2026

    ذات يوم من أيام نالوت المملة في منتصف الألفينيات، استيقظت على صورة ضخمة لسيف الإسلام القذافي، وقد علقت غير بعيد عن صورة بنفس الأبعاد تقريبا لوالده، كان ذلك إعلانا بأن زيوس قد تناسل كما يبدو وأنجب إلها جديدا، وعلى الجماهير الشعبية أن تستعد لفصل جديد من طقوس العبادة ومراسم التكريس، كانت تلك الإطلالة جزءا من جولة قام بها سيف الإسلام القذافي حول مدن عديدة على طول البلاد وعرضها، وقد اتبعه رهط غير قليل، عاقدين الأمل فيه على كسر دائرة اللاحياة التي طبعها والده على هذه البلاد لعقود طويلة، وبالطبع، التف حوله أفضل خريجي مدارس الهتاف وال”زيد تحدى” والبراعم التواقين لفرص الصعود، كنت أعرف بعض من التصق به معرفة شخصية، شخصيات فارغة انتهجت ما يتجاوز البراجماتية إلى انحطاط لا قرار له في مهاوي التطبيل والانتهازية.


   محاطا بكل هؤلاء، خرج سيف الإسلام القذافي في مشهد كان قبله يائسا، وبعث أملا غير موثوق في إمكانية أن يتغير شيء ما، كان التوقيت مثاليا، فوالده الذي مارس طفولته ومراهقته في الحكم، وعبثت نرجسيته وتقلباته وعناده غير السياسي بمصير البلاد، كان قد بلغ الحلم أخيرا، وتخلى عن كثير من أوهامه، بل ارتد على كثير من مبادئه الرئيسية، فالدول الإمبريالية لم تعد إمبريالية جدا، والفلسطينيون لم يعودوا محقين تماما، بل أغبياء فوتوا فرص السلام، السلام نفسه الذي طالما صلبه وجلده في خطاباته، أصبح فرصة ضائعة، الإشتراكية لم تعد فكرة غير قابلة المساس.. ملامح الرأسمالية ورموزها كانت قد غزت المدن الليبية تدريجيا، والوحدة العربية التي أوقف الملايين ليتغنوا بها، صارت نكتة في كلماته المرتجلة أمام جموع المرتعشين، -لاحقا- حتى السيادة، كانت قابلة للتفاوض، وقد سمح للمجتمع الدولي بالتدخل من الأسلحة الكيماوية وحتى المساجين والشأن القضائي، لم يكن قد بقي من قذافي الثمانينات والسبعينات سوى نرجسيته المريضة، ومرآته التي يرى نفسه فيها إلها محاطا بالنساك، يبحث عنهم في واقادوغو وأنجامينا بعد أن أضلهم في دمشق والقاهرة.


   كل ذلك جعل الأمل مضاعفا، ثمة كوة ترى بوضوح في الجدار الذي ظن الجميع أن لا سقوط له، شيء ما على وشك أن يحدث بعد أن أيس الجميع، إعلانات متلاحقة لمشاريع، ملتقيات تتلو أخرى، وعود تقطع، مشهد سريالي لجموع من الحالمين والعابثين والقطط السمان والحرس القديم المتوجس من الإيقاعات الجديدة لنغمة لطالما كانت تعزف على وتر واحد، دون سلالم، وخلف هؤلاء جميعا هناك القذافي الأب، وحوله ما تبقى من “الهاربيز” الذين لا يعيشون دون احتقار وأذية الآخرين.. كان هناك مواجهة يصعب تجنبها.. ولم يجر الإعداد لها بشكل واضح.


    وفي ذروة تحليقه، ومع اقترابه من شمس الفاتح، ذابت أجنحة “إيكاروس” وهوى إلى الأرض مرة أخرى، أصبحت الوعود بالتغيير سرابا، وبدا لكثيرين أن الاندفاع الكبير وراء “الغد” كان مبالغا فيه، فأبناء الأمس مازالوا قادرين على إدارة اللعبة، وقد أثبت والده أنه ما يزال في ضلاله القديم، قادرا على اختراع الأعداء وخوض معارك على طريقة “الدون كيخوته”، فاتهم الفيفا بالتآمر حين سخرت من ملف ليبيا وألقته في المزبلة رافضة التصويت عليه، وأعلن الجهاد ضد سويسرا بسبب مشكلة تافهة مع أحد أبنائه، وفيما عدا بعض المشاريع التي ظلت صامدة، فإن الإحباط عاد، وقد عاد لينتقم، مضاعفا ثقيلا قاسيا على الجميع، غير قابل للإزاحة مرة أخرى.


    كانت المعركة داخلية في الحقيقة، فقد كان سيف الإسلام نفسه نصف متعلم، ونصف متخلف، نصف قبلي ونصف متمدن، نصف إصلاحي، نصف ظل لوالده ونصف مارق عنه، وكان على كل نصف أن يهزم الآخر، وفي كل اختبار حقيقي كان ينتصر نصفه السيء، في مقابلته على الجزيرة حين سألته صحفية عما يرغب في رسمه، أجاب بلغة حمقاء: نرسم بحر ليبيا.. ونقول اللي مش عاجبه بابا يشرب منه!


   في كتابه الذي صدر قبل عشر سنوات، يروي مستشاره محمد الهوني تفاصيل ليلة ما قبل خطاب “الإصبع الشهير”، متحدثا عن نص وسيناريو مختلف تماما جرت مناقشة إلقائه من قبل سيف الإسلام، يتضمن لغة تصالحية وتصحيحية، لكن اجتماعات جرت بينه وبين والده وبعض حاشيته أفضت إلى خطابه الشهير، واحد من أغبى الخطابات التي يمكن أن يكون سياسي قد ألقاها في التاريخ، الكلمات التي أفضت إلى لحظة اللاعودة، والانفصال التام بين مؤيديه ومعارضيه.


    لاحقا، وأمام جمع ممن تبقى من أنصاره، أعلن سيف الإسلام القذافي عن إستراتيجية ما بعد النصر، مؤكدا أن الجيش سيعاد هيكلته ليتكون من قبائل معينة ومدن معينة فيما ستحرم مدن وقبائل أخرى من الانخراط فيه، عقابا لهم على معصية والده، إلى جانب ترهات أخرى اختفى فيها “الإصلاحي المتعلم” خلف قبلية تنتمي لجاهلية والده الذي يصر على معرفة جدا كل من يخاطبه ليحكم عليه من قصص جدته، ويحمله جريرة أساطير الأولين، وخيالات الشعراء والحكائين.


     كان سيف الإسلام “أوديب الخائب” كما تصفه رجاء سلامة في تقديمها لكتاب الهوني، كان نجاحه يمر فقط من خلال إقصاء والده، وكان يمني نفسه بذلك، لكنه كان يجبن في كل مرة، لم يتردد في انتقاد سياسات والده من خلال رجل قش يسميه القطط السمان والمتنفعين والأشخاص اللي مافهموش الكتاب الأخضر إلخ، لكنه كان يتراجع في كل مرة تصل فيها المواجهة للحظة الحقيقة، لم يكن سيف الإسلام مؤمنا بترهات الكتاب الأخضر والفكر الثوري والمؤتمرات الوهمية، لم يكن يؤمن بها أحد في الحقيقة، لكن، في اللحظات المصيرية كان مضطرا للتمترس خلفها. في كل ما يتعلق بسيف الإسلام هنالك هذه ال “لكن”.


    أفهم الإحساس المعقد والكلمات المضطربة التي تسيطر على البعض وهم يتناولون خبر وفاته، إنه شعور طبيعي، لأنك أولا كائن بشري.. يمكن أن تشعر بأشياء متناقضة، ويمكن أن تتخذ مواقف مركبة ومعقدة، والأهم.. لأن سيف الإسلام القذافي كان كذلك! لم يكن شخصا واحدا.. كان مترددا، شكاكا، وريثا لعائلته في الصباح، ومتمردا عليها في المساء، لقد كان كل شيء ولا شيء، وهذا ما سمح لكل أحد برسم صورة خاصة لسيف، بنفس موهبته المتواضعة في الرسم، والخيارات غير المحدودة لملامحه الهلامية، لقد كان سيف مجرد أمل زائف في توقيت يائس… فالرفق ببعضكم.

بقلم .. خليفة البشباشي











 .قراءة «كتاب العِبر» ومقدمته لابن خلدون ليست فعلًا معرفيًا محايدًا، بل تجربة مقلقة، لأنها تنقل القارئ من موقع المتابع إلى موقع الشاهد على التكرار. فالتاريخ، في المنظور الخلدوني، لا يتحرك وفق منطق الصدفة أو الأخلاق، بل وفق قوانين الاجتماع البشري، حيث تتقدم المصلحة على القيم، وتتحكم العصبية في المصير، ويُترك الضعيف وحيدًا حين تعجز الجماعة عن تحمّل كلفة الانحياز. وحين يُقرأ هذا المنطق ثم يُسقط على الواقع المعاصر، يصبح الإحساس بالإنهاك أمرًا طبيعيًا، لأن ما نراه اليوم ليس جديدًا، بل استعادة حرفية لمسار قديم.

في هذا السياق، لا يبدو مشهد التباكي المتأخر على سيف الإسلام القذافي استثناءً أو حالة ليبية خاصة، بل حلقة جديدة في سلسلة تاريخية متكررة: خذلان الأحياء ثم تقديسهم بعد السقوط. فحين كان الرجل حاضرًا، مثيرًا للجدل، محتاجًا إلى موقف واضح وعصبية فاعلة، غابت النصرة، وتراجع المؤيدون، واشتغل الجميع بمنطق السلامة الفردية. لم يكن الصمت حينها موقفًا أخلاقيًا، بل حسابًا عقلانيًا للكلفة. وعندما انتهى المشهد، وصار البكاء آمنًا، ظهر الندم، وارتفعت الأصوات، وتحوّل الخذلان إلى قصة حزن جماعي.

ابن خلدون يفسّر هذا السلوك ببرود العالم الاجتماعي لا بعاطفة الواعظ. فالناس، في لحظات الاختبار، لا تسأل عن الحق بقدر ما تسأل عن الثمن. العصبية، التي يراها أساس قيام الدول وسقوطها، لا تتحرك بالشعارات ولا بالمحبة المجردة، بل بالمنفعة المشتركة والاستعداد للتضحية. وحين تغيب هذه العصبية، يُترك الفرد، مهما كانت رمزيته، مكشوفًا أمام خصومه، بينما يكتفي أنصاره بدور المتفرج الحذر.

هذا المنطق ليس خاصًا بليبيا ولا بسيف الإسلام، بل هو ذاته الذي حكم وقائع كبرى في التاريخ الإسلامي وغيره. مأساة الحسين في كربلاء، في القراءة الخلدونية، ليست حدثًا فريدًا بقدر ما هي النموذج الأولي لدورة متكررة: وعود تُقطع، رسائل تُرسل، تعاطف يُعلن، ثم انسحاب جماعي حين يحين وقت الفعل. وبعد الفاجعة، يبدأ طور آخر من السلوك الجمعي، هو طور البكاء والندم والمراثي، وكأن الدموع يمكن أن تعوّض غياب النصرة. هنا يتحول البكاء من تعبير إنساني صادق إلى وظيفة اجتماعية تريح الضمير دون أن تغيّر الواقع.

في الواقع السياسي المعاصر، يؤدي البكاء الدور نفسه. فهو طقس منخفض الكلفة، لا يهدد سلطة، ولا يزعزع توازنات، ولا يعرّض صاحبه لخطر. لذلك يُسمح به، بل يُشجَّع عليه أحيانًا، بينما تُحاصر النصرة الفعلية وتُجرَّم، لأنها تعني انحيازًا واضحًا، ودفع ثمن، وكسرًا لمنطق الحياد الزائف. وهكذا يصبح البكاء بديلًا عن الفعل، ووسيلة لإعادة إنتاج الشعور الأخلاقي دون تحمّل تبعاته.

المجتمع الليبي، في هذا الإطار، لا يعاني من غياب الشجاعة الفردية بقدر ما يعاني من تفكك الفعل الجماعي. فالأفراد قد يمتلكون قناعات، وربما تعاطفًا صادقًا، لكنهم يفتقدون الإطار العصبي الذي يحوّل القناعة إلى قوة مؤثرة. كل واحد يحسب موقعه، ومخاطره، وحدود خسارته، ثم يتراجع خطوة إلى الخلف، في انتظار أن يتحمل غيره العبء. وعندما يسقط المشروع أو الشخص، يبدأ تبادل الاتهامات، ويُلقى اللوم على الظروف أو الخارج أو الخيانة، دون مواجهة السؤال الجوهري: هل كنّا، فعلًا، مستعدين للدفع حين كان الدفع ممكنًا؟

تقديس الموتى في هذا السياق ليس دليل وفاء بقدر ما هو تعويض نفسي عن خيانة الأحياء. فالميت لا يطالب، ولا يحرج، ولا يذكّر بالتقصير، ويمكن تحويله بسهولة إلى رمز نظيف، منزوع الخطر. أما الحي، فهو مشكلة، لأنه يفرض سؤال الموقف الآن، لا بعد فوات الأوان. لذلك تُرفع صور القتلى، وتُكتب فيهم المقالات، وتُلقى الخطب، بينما يُترك الأحياء وحدهم في لحظة الاختبار.

القراءة الخلدونية لهذه الظاهرة لا تمنح عزاءً، لكنها تمنح وضوحًا قاسيًا. فهي تقول إن التاريخ لا يُدار بالنيات، بل بالاستعداد لتحمّل الكلفة، وإن القضايا لا تسقط لأن خصومها أقوياء فقط، بل لأن أنصارها لم يكونوا مستعدين للدفاع عنها في الوقت المناسب. ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا بكى الناس بعد السقوط، بل لماذا غابوا قبلَه.

ربما لهذا يبدو ابن خلدون متعبًا لكل من يقرأه بصدق، لأنه لا يسمح لنا بالاحتماء بالأخلاق المجردة أو العواطف المتأخرة. إنه يضعنا أمام مرآة غير مريحة، ويقول إن التاريخ يعيد نفسه ليس لأننا لا نفهمه، بل لأننا نفهمه جيدًا… ثم نختار السلامة.

بقلم الكاتب سليم اشطيبه


الاختباء وراء جثة

رحم الله المهندس سيف الاسلام وغفر له , والذي قضى نتيجة عملية اغتيال اجرامية, لم نخفي استنكارنا لها ,وقد احسن اهلنا في بني وليد صنعا باستضافة مثواه الالاخير وبمراسم الدفن المهيبة التي اقيمت من اجله,
لكن ان يتم اسغلال جنازة من بضعة آلاف لاختطاف رأي جميع الشعب الليبي والقول بانها استفتاء على رغبة الليبيين لعودة  النظام السابق وتحويل جنازة المرحوم الى شكل من اشكال الدعاية الانتخابية , فذلك ما لايمكن القبول به ومن حق كل من يحمل رأيا مخالفا ان يعترض على هذه المصادرة لرأية والحديث باسمه دون,وجه حق
لاشك ان فبراير فشلت فشلا ذريعا في تحقيق ما حلم به الليبيون من استقرار وتنمية ودولة قانون ,ولكن رغم كل ذلك لم يتم التعامل مع جثة المرحوم كما تعامل النظام السابق مع جثة المعارض محمد مصطفي رمضان مثلا الذي اعتاله النظام في لندن ورفض استلام جثته او دفنه في تراب الوطن   ولم تكن تلك الحادثة الوحيدة لمنع الذفن!!,
فشل فبراير  لا يغني ان  عودة النظام الجماهيري هي البديل المناسب , ومن حق انصار النظام السابق الحلم بعودة عجلة التاريخ الى  الوراء لكن ما ليس من جقهم التحدث باسم الليبيين جميعا والادعاء باان الليبيين جميعا --قد منحوا الصقر الوحيد وسلالته صك ملكية ابدي لماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم..
لا يمكنكم ان تنتظروا ممن اثقلت ذاكرته بالتهميش والاقصاء والمشانق والمنافي والسجون ان يلغي نفسه ويشارككم احلامكم الوردية--كما لايمكنه هو بدوره ان يطلب منكم نسيان ( ايام العز ), مشكلتكم التي لا حل لها على مايبدو, هي رفضكم الاقتناع بان فردوسكم المفقود كان جحيما قاسياً لغيركم -
التاريخ لا يعود القهقري وما نراه من خراب وفوضى ودمار ما هو الا مضاعفات وضع مشوه عمره اكثر من اربعين عاما , لكن من وسط هذا الركام ستولد ليبيا الجديدة ليبيا التي لا يمكن احتزالها في سبتمبر او فبراير ولا حتى ديسمبر.
ا .سعد السني

عن الراحل سيف الإسلام القذافي ، وثورة فبراير .
خَطّرْها ،.. على ثورة فبراير عام 2011 م .
هل كانت هذه الثورة ضرورة ، وحتمية ؟ .
الإجابة نعم ،ونعمين ،ومليون ونعم  .                                                                                                                                                                                                                                                              ولِأسباب عديدة لا تُحصى،ولا تعد،فقد كان قيام تلك الثورة امرا لا مفر منه، وإن كانت قد تأخرت طويلا، امتد تأخرها الى اثنين وأربعين عاما عجافا  دفع ثمنها المواطن والمواطنة الليبية اثمان باهضة ،من دمائهم ،وأعمارهم وأحلامهم وحقوقهم ،ولعل من ابرز ملامح تلك الحقبة أنّ الدكتاتور القذافي  أراد لليبيين حين ينظرون الى المَرَايا لا يرو وجوههم ،بل يرو وجهه وحده مُنعكسا في مراياهم الخاصة، فأصبح وطن يختزل في فرد، وشعب يُطلب منه ان يذُوب في ظل الحاكم .
وهُنا اسوق بعض الأمثلة لعلها تسلط الضوء على ما كانت عليه بلادنا في عهد المملكة الليبية تحت قيادة الملك الجليل محمد ادريس المهدى السنوسي قبل ليلة الدسيسة، المشبوهة  .
ففي عام 1967 م كان الجنيه يتمتع بقيمة عالية اذ كان يساوي جنيهين وعشرة قروش بريطانية ،غير أنّ الصورة تبدلت لاحقا، ففي عام 1976 م أي بعد مرور ست سنوات فقط على انقلاب سبتمبر انقلبت الموازين، فأصبح الجنيه الإسترليني الواحد يساوي أربعة جنيهات ليبيّة، في دلالة واضحة على التراجع الاقتصادي  خلال تلك الفترة القصيرة .
في عام 1967 م زار بلادنا الشيخ زايد  بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الامارات العربية المتحدة في رحلة علاجية اجرى خلالها عملية جراحية في مستشفى اندير في مدينة طرابلس، تكللت العملية بالنجاح وفي عام 1977 م،أي بعد ثماني سنوات فقط من الانقلاب،اصبح المواطن الليبي حين يمرض ويقصد المستشفيات الليبية يضطر الى حمل بطانية ووسادة معه ويُطلب منه شراء ادويتة ولوازمه الطبية من الصيدليات على نفقته الخاصة، في صورة بائسة مُتردية تعكس مدى حجم التدهور، والفساد الذى أصاب القطاع الصحي .
وخلال فترة الحكم الملكي وتحديدا منذ عام  1966 م كان الطالب الحاصل على الشهادة الثانوية المبتعث للدراسة في أوروبا يُقبل مُباشرة في الجامعات الاوربية نظرا لقوة المناهج التعليمية آنذاك ،وصلابة مخرجاتها التعليمية ،غير انّ الحال تغير لاحقا في أواخر السبعينات وبالتحديد عام 1979 م  بدأت الجامعات العريقة في أوروبا تتحفظ على استقبال الطلبة المبعوثين بسبب تراجع مستوياتهم التعليمية ومعلوماتهم المعرفية، حيث تفشت مظاهر الغش واتسع باب النجاح بالوساطة والمحسوبية داخل المدارس واروقة الجامعات التي باتت خاضعة لهيمنة سيطرة لجان ثورية همجية لا صلة لها بالعملية التعليمية، فأصبح الولاء يُقدّم على الكفاءة ، والاجتهاد،ومن ثالثة الاثافي، كما يقال ،تردت اللغة العربية وتفشت الأخطاء اللغوية بين طلبة المرحلتين الاعدادية والثانوية  بل وحتى في أوساط بعض طلبة الجامعات،حتى صار الطالب الليبي يكتب اسم حسين على هيئة (( حوسين ))،فى صورة تختصر حجم التراجع والتجهيل الذى اصاب لغة الضاد في عقر دارها  .
فماذا بعد تلك المصائب ؟ .
كان جواز السفر  الليبي يتمتع بقوة وهيبة معتبرة  فى كثير من دول العالم ،فكانت عواصم الدنيا تفتح امام المواطن الليبي دون ريبة اوتعقيدات تذكر ،بل ان المسافر الليبي كان يستطيع الحصول على تاشيرة الدخول الى المملكة المتحدة مباشرة من مطاراتها حيث تُمنح له اقامة لمدة ستة اشهر تُثبت فى جواز سفره فى الحال ،في صورة تعكس ما كان يتمتع به جواز سفر المملكة الليبية من احترام ومكانة دولية آنذاك .
غير انه لم تمض سوى سنوات قليلة على الإنقلاب حتى تحول جواز السفر الليبي الى ورقة شبه فاقدة لقيمتها وأصبح يُنظر اليه في غالبية دول العالم وكأنه وثيقة  مشكوك في امرها،وزاد من تلك الشكوك انّ بيانات الجوازات كانت تُدون  بأقلام الحبر الجاف ،وبصياغة ركيكة ،الامر الذى عمق الريبة وانعدام الثقة  .
ومع تفشي العبث مُنحت جوازات السفر الليبية ،لِأجانب ولعصابات قتله ليبيين وغير ليبيين، فأنسدت في وجوه الليبيين مطارات ومنافذ العالم،وصار المواطن الليبي يُعامل في مطارات الدول، وكأنه يحمل خطرا داهما، لا وثيقة سفر شرعية .
مرة ثانية ، نتساءل : هل كانت ثورة فبراير حتمية وضرورية ؟ .
وهُنا اسمحوا لى ان اضرب لحضراتكم بعض الأمثلة والمقارنات بين حكمة قيادة المملكة الليبية، ونزق وعربدة واستهتار قيادة الجماهيرية ،ففي عام 1964 م نظم اتحاد طلبة ليبيا فرع المانيا وقفة احتجاجية امام سفارة المملكة الليبية في بون بألمانيا " الغربية " آنذاك وقرر الطلبة المحتجون البقاء امام السفارة عدة أيام ، وصادف ذلك الإحتجاج شهر يناير حيث كانت درجات الحرارة متدنية وتحت الصفر في العاصمة الألمانية،..قام سفير المملكة الليبية فى بون بالاتصال الخارجية الليبية واطلعهم على ما يجرى امام السفارة الليبية، ولم تمض فترة طويلة  حتى جاءه الرد من الديوان الملكي عبر وزارة الخارجية الليبية مطالبا باسم الملك محمد ادريس ، بفتح أبواب السفارة للمتظاهرين وتزويد المتظاهرين بالبطاطين وتوفير الغذاء اللازم لهم .. يا إلهي،.. أيّ حكمة ،وأيّ اخلاق دولة  كانت تُدار بها بلادنا في عهد اليُسر، والاتزان ،قبل ليلة الانقلاب الدسيسة .
وهذه مقارنة أخرى بين مظاهرتين الأولى وقعت عام 64 م في بون بألمانيا، ضد العهد الملكي،والثانية جرت ضد نظام الجماهيرية في مدينة لندن عام 1984 م ،لكن الفارق  بينهما كان شاسعا في السلوك، والمعنى،.. ففي يوم 17 ابريل من عام 1984 م وقفت مجموعة من الليبيين في وقفة احتجاجية امام " امام ما كان يسمى بـ " المكتب الشعبي" أيّ السفارة الليبية في مدينة لندن احتجاج على اعدامات السابع من ابريل التي يتعرض لها الشعب الليبي في مثل هذا اليوم من كل عام ، ..وما ان تجمع المتظاهرين امام ذلك الوكر،حتى انطلقت عليهم الرصاصات من نوافذ السفارة الليبية في منطقة سانت جيمس اسكوير في سابقة صادمة انتهكت كل الأعراف الدبلوماسية والإنسانية ،..وقد اسفر ذلك الاعتداء الهمجي عن إصابة الشرطية البريطانية ايفون فليتشر بعيار ناري في الظهر،فارقت على اثره الحياة عند وصولها الى المستشفى، كما أصيب ثلاثة عشرة متظاهرا ليبياً في تلك الحادثة الدموية التي كشفت للعالم الوجه البشع الحقيقي للنظام، حين واجه الكلمة بالرصاص، والاحتجاج السلمي بالقتل .
ومن المواقف والاحداث التي لا زالت عالقة بذاكرتي،وقد كنت احد المشاركين يومها في تلك المظاهرة السلمية امام السفارة الليبية في لندن،..
 كانت تقف في الجهة المقابلة مجموعة من عناصر اللجان الثورية "الطلابية "،..كانوا يصرخون بهتافاتهم (الثورية ) وقد استبد الحماس والتشنج الهستيري  باحدهم ،فراح يصيح عبر مكبر الصوت اليدوى قائلا،.. (( نحن جيل بناه معمر .. واللي ايعَادِيْنا يدمر)) ،.. هُتاف واحد لكنه كان كافيا ليختصر ذهنية نظام دموي كامل،..جيل لم يُبنى على المعرفة والقيم، بل على التبعية والكراهية المُطلقة ،وعلى تقديس الفرد، وتحويل الاختلاف الى عداوة،والعداوة الى تبريرٍ للتصفيات الجسدية ،..وما يدعو الى التقزز، والاشمئزاز ،ان صاحب مُكبر الصوت وصاحب هتاف ( نحن جيل بناه امعمر .. واللي ايعادينا يدمر)،يطل علينا من حين لآخر دون حياء ولا خجل مُرتديا بدلته الانيقة ورباط عنقه الحريري عبر بعض الفضائيات المحلية والعربية مُتقمصا دور المُنظر والمٌحلل السياسي ومعلنا تأييده لثورة فبراير،لقد تخلى عن قائده فى رمشة عين ،بلا مراجعة واعتذار ،وتلون كما تتلون الحرباء،مُتنقلا من الهتاف للجلاد الى الادّعاء بالوقوف في صف الضحيّة،في مشهد فاضح للإنتهازية السياسية ،حيث تبدّل المباديء كما تبدّل الاقنعة ،وتستعمل الثورة سُلّماً بعد ان كانت بالأمس هدفا للرصاص .
ومرة اخرى نعود ونتساءل .
هل كانت ثورة فبراير ضرورة حتمية ؟ .
في  عام 2010 م قبل اندلاع غضب وثورة فبراير بعشرة اشهر فقط ،حل الراحل سيف الاسلام القذافى ضيفا على كلية الاقتصاد" LSE " في لندن ،لِألقاء محاضرة عن الديمقراطية ،ومشروع ليبيا الغد الذى وعد به من عدة سنوات، ذلك المشروع الذى وعد به منذ سنوات طويلة غير ان تلك السنوات مضت دون ان يتحقق من وعوده شيء يذكر بإستثناء الافراج عن المعتقلين من الجماعات الاسلامية ،والاسوأ من ذلك انه اختزل ما سماه "المصالحتة مع الشعب الليبي "في هذه الفئة وحدها  مُتعاميا عن ملايين الليبيين الذين كانوا يعانون القهر والتهميش والإرهاب اليومي المُتعمد،وهكذا  ظلّ الشعب الليبي بكل فئاته ومكوناته رهينة لتجارب الاب ونزقه لأكثر من أربعة عقود، يُدار الوطن خلالها كحقل تجارب ،وتؤجل الحقوق والمطالب باسم وعود ليبيا الغد حتى نفذ الصبر، وكان الانفجار .
فماذا حدث فى تلك المحاضرة التى القاها الراحل سيف الإسلام عن الديمقراطية وحقوق الانسان الليبي التي جاء يبشر بها فى العاصمة البريطانية ؟ .
 هل صمد الخطاب امام الاسئلة ام تهاوى الوعد حين وضع في مواجهة الواقع الليبي المثقل بالقمع والدم والوعود المتكررة المؤجلة ؟ .
أيها الكرام ، اسمحو لي ان اعود بحضراتكم الى محاضرة الراحل سيف الإسلام .
اطل برأسه من خلف الزجاج من الطابق الثاني فى تلك الجامعة وهو يستعد لألقاء محاضرته ،وفى الساحة كان يقف اكثر من مئة وخمسين من ((الذئاب المُروّضة )) التابعة لدهاليز المثابات الثورية ،وما ان اقتربنا نحن المتظاهرين السلميين اللذين لم يتجاوز عددنا عشرين شخصا حتى انفلتوا علينا سباً وضرباً معا ،في مشهد يختصر الفارق بين خطاب يتحدث عن الديمقراطية ،واقع لا يعرف منها سوى القمع، وكان من بين تلك" الذئاب الخضراء المُروّضة" التي اعتدت علينا شخص يُدعى محمد إسماعيل وهو اسم عرف في الاعلام والملفات الأمنية السعودية بوصفه احد المتورطين  في قضية المحاولة الفاشلة لإغتيال الملك السعودي عبدالله بن عبدالعزيز،وقد كان في معية تلك " الذئاب " المنخرطة في العنف والجريمة  شخصٌ من أبناء النيجر يُدعى "مصطفى والُو"،وهو ممن منحوا الجنسية الليبية آنذاك ،في سياق معروف لخدمة مهام غير قانونية ارتبطت باللجان الثورية ،واشهد هنا بوصفى طرفا مباشرا في الحدث ،ان المدعو "مصطفى والو" قد اعتدى عليّ شخصيا اثناء محاضرة الراحل سيف الإسلام،في تلك المحاضرة التي رُفع لها مفارقة عجيبة عنوان الديمقراطية وحقوق الإنسان ، في مشروع ليبيا الغد ! ؟ .
وفى مساء ذلك اليوم وفى احد افخر فنادق لندن، وعلى إيقاع نشيد (( يا قائد ثورتنا .. على دربك طوّالى )) احتفلت تلك " الذئاب المُروّضة " بواحد من  إنجازاتها الثورية "،في قلب ( الساحة البريطانية )، كان الاحتفال على شرف الراحل سيف الإسلام الذي لم يخفِ رضاه فهنأهم على ولائهم الاعمى  للقائد ،وكأن الدم والضرب والشتائم أوسمة شرف،.. ثم في مشهدِ اقرب الى سوق نخاسة جديد، حيث مُنح كل ذئب من ذئاب الحضائر الثورية ،ظرفاً انيقا يحتوى على الف جنيه استرليني ،ثمنا للولاء ،ومكافأة على القذارة والنذالة المُؤداة بإخلاص  .
فيا الهي ..ما اصبرهم على الإهانات، وما أرخصهم  .
 وعلى بعد ثلاثة آلاف ميل من " الجماهيرية الدموية " لم يَقوّ، الراحل سيف الإسلام على وقفة مدنية قانونية تُطالب بحقوق عِباد الله ، غير انّ الراحل سيف الإسلام لم يصبر،على وقفة سلمية احتجاجية لم تتجاوز مدتها ربع ساعة فقط ،فأصدر صاحب محاضرة "الديمقراطية" ومشروع ليبيا الغد أوامره الى محمد إسماعيل لضرب المشاركين بها وتفريقهم ، ،بالقوة فى لندن حيث تحترم الصحافة وتصان حرية التظاهرالسلمي ، عكس ما يحدث  في حضرة جماهيرية الرعب والشطيح الثوري .
ايها الاحبة الكرام .
اسمحوا لي ان انتقل بحضراتكم من لندن الى مدينة الزنتان  .
وبداية لا شماتة فى الموت ،..فالموت كأس وكل الناس شاربه .
وعليه ،فانني لست شامتا فى موت الراحل سيف الإسلام معمر القذافي ،غير انني"بالفم المليان" أقول أنّ سيف الإسلام القذافى كان محظوظا في موته إذ حظي بقبرٍ في موته يضم جسده، وأقيمت له جنازة ،في مدينة بني وليد .
كان الراحل سيف الإسلام محظوظا في موته إذ لم يعامل جسده كما عامل والده معمر القذافى اجساد ضحاياه ،فقد كان يقتلهم ثم يصفهم " بالكلاب الضالة " ويمنع دفنهم في بلادهم ،ويحظر على اهاليهم  نصب خيام العزاء أوتقبل التعازى في أبنائهم، بل كان يرمي بجثثهم في البحار وفى بطون الصحارى بعيدا عن اعين امهاتهم وابائهم وابنائهم، وعن وجع الانتظار الطويل   ..لقد كنت محظوظ يا سيف الإسلام لقد حظيت بقبر وشاهدٍ يقف فوقه،بينما حُرم غيرك حتى من اسم على تُراب .
لقد كنت محظوظ يا سيف الإسلام ، فوالدك اشتهر في نظر كثيرين بإنتهاك حرمة قبور الليبيين ،حتى قبر المصلح الكبير سيدي محمد بن على السنوسي في مدينة الجعبوب تم نبش قبره وقبور بعض أبنائه ومريدية وألقيت بقاياهم في الصحارى الشاسعة ، رغم أن سيدى محمد بن على السنوسى قد واراه الثرى في  الجغبوب منذ اكثر من قرن  .
 أيّ قسوة تلك التي لم تكتفِ بمطاردة الاحياء ،بل امتدت الى حرمة الموتى، وأيّ زمن ذلك الذى صار فيه القبر ميدانا للصراع وتصفية للحسابات مع نبلاء الوطن .
فكم انت محظوظا يا سيف الإسلام حيث حظيت بجنازة وقبر .
فغيرك من ضحايا ابيك كانت تكتب عنهم بالخط العريض صحيفة الزحف الأخضر الناطقة بلسان "جماهيريته"، ( ان ارض الاحرار لا تقبل ان تدفن فيها الجيف النتنة ) هكذا كانت صحف وإذاعات والدك تصف أبناء الوطن أولئك الذين لم تكن جريمتهم سوى أنهم قالوا لا  أو حلموا بوطن لا يُدار بالخوف ،والهتافات الصاخبة  .
ان حكاياتنا وأحزاننا ورُعبنا ودموعنا وحرماننا ومنعنا من إقامة مآتم احبتنا وغوالينا في جماهيريتكم الدموية كانت شاقة وطويلة حزينة ،وهي وحدها التي فرضت عَليَّ هذا " البوح "،يوم رحيل سيف الإسلام الآبدي .
ولا ابالغ ان قلت إنّ آلافاً من ضحايا والده حرموا من  القبور، اكلهم الجوع الكافر وافترستهم الضوارى وهم هائمون على وجوههم في صحارى تشاد وفي مستنقعات وغابات اوغندا دفاعا عن الدكتاتور عيدي امين دادا رفيق السوء والضلال لوالده ،..أو ليس لهؤلاء عندهم أبناء وأباء وأمهات يبكونهم ؟ ،أو ليس لهم اهل يبحثون عن قبورهم ليقرأوا الفاتحة على أرواحهم ويجدوا موضعا يضعون عليه دمعة ودعاء .
ألم اقل لحضراتكم ان سيف الإسلام  كان محظوظا حين وجد قبرا يتسعه ويأوي جسده في وطنه ؟ .
في حين ان والده الذى نصب نفسه ملك ملوك افريقيا ( بالدوغشة) وبأموال شعب مرهق،فقد اصدر أوامره بمنع دفن الملك المُعظم سيدى محمد ادريس السنوسى في مدينة الجغبوب يوم توفاه الله في المنفى بمصر، عن عمر ناهز الثمانين عاما ،وقد كانت وصية الملك محمد ادريس السنوسي ان يدفن في الجغبوب حيث قبور أبائه واجداده الكرام  ،غير ان حتى هذه الوصية البسيطة الإنسانية لم تحترم، في زمن والده الذى كان يعادي الاحياء ويطارد الموتى معاً  .
وحق الله العليّ في سماه ،أن الموت حق ولا شماتة فى الموت  .
لقد كان الراحل سيف الإسلام محظوظا ،اذ لم يوضع جسده في ثلاجات الموتى كما فعل والده بجثمان المناضل الكبير الأستاذ منصور رشيد الكيخيا الذى اغتيل بعد خطفه من مصر واحتجز جسده الطاهر في ثلاجة الموتى، خمْسًا وعشرين سنة كاملة ،ولم يفرج عن جثمانه الا بعد سقوط الظالم المستبد ،.. ولم يكن الشهيد منصور رشيد الكيخيا وحده هناك،بل كانت تلك الثلاجات، تضم عشرات من شهداء الوطن ، حَولهم المستبد الى اسرى حتى بعد موتهم ! ، فأيّ قسوة هذه التي امتدّت من قتل الانسان الى حبس جسده  ؟ .
الم اقل لحضراتكم ان سيف الإسلام كان محظوظا ؟ .
لقد حُظيَ بِما لم يحظى به غيره من معارضي والده : ففي  ذلك العهد البغيض كانت سيارات النفايات تحمل جثامين شهداء الوطن وتطوف بها في الشوارع تخويفا وإذ لالًا  للناس، واستهتارا وشماتة في الأموات ضحايا طغيان والده .
فه كانت ثورة فبراير ضرورة وحتمية  ؟ .
فيا الف الف اه، وآه .
الم أقل لِحضراتكم ان حظ سيف الإسلام يفتت حجر الصوّان الاصم،.. فقد تم اُكرام سيف الإسلام بجنازة ،وقبر بِشاهده، في مدينة بني وليد تلك المدينة التي ذاقت سوط العذاب، وقسوة والده حين اعدم عدد من أبنائها العسكريين عام 93 م فى ما عرف بانقلاب "ورفلة "،حيث نفذ فيهم حكم الاعدام رميا بالرصاص فى محاكمة صوريةٍ لم تستغرق عشرة دقائق فى احد شوارع بني وليد، بل بثت مباشرة عبر فضائية الجماهيرية ،فى مشهد فج من الإذلال، والأغرب  والأقسى ان احد أولئك المعدومين، من أبناء بني وليد كان مصابا بسرطان فتك بكبده، ولم يشفع له داؤه ولا ضعفه، فَـنُـفِذ فيه حكم الإعدام رميا بالرصاص فى مدينته ،بني وليد ، امام كل الناس وخاصة بقية أبناء عمومته الذين رأينا بعضهم بالأمس القريب يتباكون ويلطمون على وفاة الراحل سيف الإسلام .
فيا الف الف آه، وآه .
ايها الاحبة الكرام .
كنت  قد كتبت هذا البوح وهذا الكم الهائل من ( دراه الكبد )التى عاناه وشهدها كل الليبيين، على ان انشره في ليلة 17 فبرير من هذا العام إحياء  لذكرى ثورة فبراير التي خطفت وركب موجتها اللصوص وقطاع الطرق والخونة ،والانتهازيون ،..غير ان رحيل الراحل سيف الإسلام وماشهدناه من مبالغة في العواطف والمشاعر المُتقلبة خلال الايام الماضية  فرض نفسه ،فكان هذا الإستباق فالمعذرة عن هذا لاستباق،ولنا عودة  الى ليلة السابع عشرمن فبراير، ..إن كان في العمر بقية  . 
ومعذرة على الإطالة .
وسلامتكم .. والشفاعة يا رسول الله . 
والبقاء والدوام لله ،وإنا لله وإنا اليه راجعون ..  بقلم الكاتب فتح الله بزيو

ليبيا في عيون سجناء الراي


    عندما يغيب الوعي و تغيب معه ذاكرة شعب ، عاش سنين القهر و الاستبداد و الخوف و الاذلال تحت حكم طاغوت العصر الذي عاث في الارض فسادا هو و ابنائه ، و تغيب معه المحاسبة لعقود مع تزييف الذاكرة ، طبيعي ان تبرز قمة النفاق مع تسامح مريب و يعلو النحيب على رموز الاستبداد في مشهد غريب لا ترى له تفسير متناسين سنوات القمع الممنهج التي لم ترى لها ليبيا مثيل . 

    رغم اعترافنا بفشل من تولى الأمر بعد فبراير و ادانة كل الممارسات التي حدثت بعدها و الفشل الذريع الذي اصاب اركان الدولة ، 
    لكن الاعتراف بفشل ما بعد فبراير لا يعني تبييض صفحة نظام النافق و رموزه ، ولا يبرر إعادة إنتاج الاستبداد تحت اي مسمى  .
    الامر الاخر الذي يدعو إلى الاستغراب هو ما  نشاهده بعد مقتل سيف ، و كل انسان سيموت لا محالة  ، و يعد اكثر ايلاما هو ان إنسانية البعض و وطنيتهم التي ظهرت فجأة من خصوم لمنظومة النافق دموع تذرف و كأن الذي مات لم يكن من رموز الاستبداد الذي خرج عليه الشعب في فبراير . 
   تناسوا فجأة دموع الليبيين الذين عُذبوا، سُجنوا، أعدموا، أو دُمرت حياتهم على مدى 42 سنة ، فلم تكن تستحق منهم هذا الحزن ، ولا هذا الصوت العالي.
اقتبس ما قاله احد المدونين : 
   " إن ليبيا لا تُبنى بالنحيب على رموز الاستبداد، ولا بتزييف الذاكرة، ولا بالهروب من مواجهة الحقيقة .. 
   والحقيقة المؤلمة أن من لا يتصالح مع تاريخه ، سيظل أسيرًا له يكرر أخطاءه، ويبحث دائمًا عن جلادٍجديد يريحه من عبء الحرية."
  بقلم سجين الراي 16 عاما : ناصر زميط



    سالت الذكاء الاصطناعي هذا السؤال (لماذا الشعوب تحب جلاديها )فكانت الاجابة كتالي ..
سؤال موجِع… لكنه حقيقي.. حبّ الشعوب لجلّاديها ليس حبًا حقيقيًا في الغالب، بل نتيجة مزيج معقّد من الخوف، والتكيّف، وكسر الإرادة. ومن أهم أسبابه:
1) الخوف المزمن
    حين يعيش الإنسان سنوات تحت القمع، يتعلّم أن السلامة في الصمت، ثم في التبرير، ثم في المدح. العقل يحاول حماية نفسه: إن أحببته فلن يؤذيني.
2) متلازمة المقهور مع القاهر
   يشبه ما يُعرف نفسيًا بـ متلازمة ستوكهولم: الضحية تتماهى مع الجلاد لتخفيف الألم الداخلي، فتقنع نفسها أن القسوة “ضرورة” أو “حكمة”.
3) تطبيع الظلم مع الزمن
   عندما يطول الظلم، يصبح هو “الطبيعي”، ويُنظر لأي عدل كفوضى. فيُفضَّل الاستبداد المعروف على المجهول.
4) الدعاية وصناعة الرواية
    الجلاد لا يكتفي بالقوة؛ يصنع قصة: “أنا الوطن”، “أنا الاستقرار”، “البديل هو الخراب”. ومع تكرارها، تتسرّب للعقول.
5) تحطيم البدائل
   حين يُقصى الشرفاء وتُشوَّه النماذج النزيهة، لا يبقى في المشهد إلا الجلاد، فيبدو — زورًا — الخيار الوحيد.
6) الإرهاق واليأس
   شعوب أُنهكت بالدم والخذلان قد تختار التعلّق بجلادها لا حبًا فيه، بل هروبًا من ألم المقاومة.
الخلاصة
    ليس كل من يهتف يحب، ولا كل من يمدح مقتنع. كثيرون ضحايا خائفون، وبعضهم مكسورون، وقلة منتفعون.
لكن التاريخ يقول شيئًا واحدًا: الشعوب قد تصمت طويلًا… لكنها لا تنسى.. أليس هذا ما نشاهده امام أعيننا .
  سجين الراي ؛ موسى المقلقل






قصة من رعب الطغاة

    زمان كنت بمعرض دمشق الدولي للكتاب ايام الهارب بشار.جلست صحبة اصدقاء من الكتاب والناشرين السوريين بمقهى بأرض المعرض قبيل الغروب قالت ناشر...