قضيتُ زمن طويل في السجن ، ربع قرن ونيف ليس بالقليل ، كان كل يوم يمثل صراعاً ، وبعد السنوات الأولى ، يصبح المرء غير مبالٍ بتجريده من إنسانيته . إنها فترة مد وجزر بين الأحزان ، بعضها أقل بؤساً من غيرها.
الأمر أشبه بالعيش في عالم موازٍ .. منفصل تماما عن المجتمع ، وبالتالي عن الواقع .. اقضي عقوبة صنفت قانونا بـ " الحرمان من العيش في المجتمع الجماهيري السعيد " .
دعوني أروي لكم قصة سجين حكم بالمؤبد .. إنها قصة حقيقية محزنة عن ضياع حياة .. لا تقرأوا هذا المقال إن كنتم تبحثون عن قصص تُضفي بريقًا على السجناء ، اقرأوه إن كنتم تريدون معرفة حقيقة قضاء عقوبة السجن المؤبد ومواجع اخرى.. " او الحرمان من التمتع بمباهج العيش في المجتمع الجماهيري السعيد ".
من المحزن أن يعيش المرء حياته بعيدا عن عائلة وأصدقائه ، ومن المحزن ان تكون هذه المقالة نعي لرفيق الزنزانة الذي اعدم ونحن ننتظر عودته ، لقد اضاف فقده ثقل اخر ، لا انسى انه تمكن لزمن طويل من تحرير كتاباتي خلف القضبان ، بتمريرها خفية خارج اسوار الزنازين ، وبعيدا عن اعين الجلاد ، لقد تولت المناضلة زوجته بالمهمة اثناء زياراتها له ، لتكون مغامرتها تلك ، اعلانا بميلاد كتابي " كانك معي " حال خروجي من السجن الصغير ، وتحرر الوطن من اصفاد الاستبداد .
اذكر يوم ان ذهبت لاسرته معزيا ، واستلمت رزمة الاوراق التي احتفظت لي بها بمنزل الاسرة ، ذكرت لي ان زوجها هو الاخر ترك كتابات لا تزال تحتفظ بها .
الان وقد طال الامد ، وانقطع الوصل ، لا ادري اين انتهت بصماته ، لكنها بالتأكيد تعد سجل لصفحة مطوية من تاريخ وطن اسير ، اتمنى ان ترى النور ذات يوم . رحم الله الرفيق " احمد الثلثي "

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق