الثلاثاء، 11 أغسطس 2026

مذكرات سجين _ 1.. ابوبكر الغرياني




عندما انتصرت عدالة السماء في وكر سجن طريق السكة.. مقر إدارة مكافحة الزندقة في العاصمة، كما كان يسمى حينها. اي "صلاح المشري والبلانكو "


مرت في حياتي أيام  مقفرة، كنت أرغب فيها بشدة أن أكتب شيئًا يعزيني عن وحدتي وانتظاري، وعذاباتي، وأن أهدأ وأستكين بفضل العبارات والكلمات، لكنني لم أستطع أن أكتب سطرًا واحدًا .. كانت القضبان تحاصرني، والانتظار يطوقني.


كنت أطمح إلى كتابة تجربتي كاملة في رواية واحدة، لكنني استصعبت الأمر؛ فالأحداث متشعبة، والمواقف كثيرة، والذاكرة مثقلة بما لا يكاد يحتمل.


لذا اخترت أن اروي  بين الحين والآخر  قصة أو حدث غائر لا يزال عالقا في الذاكرة .


    قصة عدالة السماء في وكر سجن طريق السكة يعود تاريخها إلى عام 1998م، لا يزال المشهد يسعدني حتى اليوم، ويجعل الدموع تفر من عيني وأنا أكتبها.

أبرز ما تحتفظ به الذاكرة .. جملة قالها ضابط الغفر:


«آآه! معاش عرفنا الحق وين... عاود اقرأ الزفت.»

كانت رائحة الخمر  تفوح من انفاسه ، ثم غادر والحسرة تعلو حاجبيه... في تلك اللحظة شعرت برعشة غريبة، وعدت إلى القراءة من جديد، ولكن بصوت جهوري وأكثر خشوعًا .


بدأت الحكاية يوم أن قدم الساعدي معمر القذافي، يمتشق بندقيته «الكروم»، واقتحم سجن عين زارة، وطلب فتح جميع الزنازين، أو بالأحرى زنازين رفاقه في المنهج، ( السلفية ) كما كان يزعم.


أبلغه آمر الغفارة أن الأمر غير ممكن، وأن فتح الزنازين يحتاج إلى أوامر من القيادة العليا.

لكن الساعدي رد بلا مبالاة:

افتحوا الزنازين، ودعوا السجناء يخرجون إلى الساحة.. ولسان حاله يقول: أنا الساعدي معمر ..، وبعد ربكة كبيرة وضجة أحدثها ابن ( الزعيم ) .. حتى أنه أودع حرس الخفارة بالزنازين .. تحققت نزوته .. التقى بالسجناء، وكتائبه الأمنية تحاصر السجن . 

  تم ابلاغ الغرفة الرئيسية ، وأظن أن من كان على الخط الساخن التهامي خالد .. ولا اي اعتراض .

تحول السجن إلى ما يشبه حفل شواء في نزهة.

خراف مشوية جاهزة ، وطعام فاخر، ووليمة على شرف «المنقذ» وولي الأمر.

 الحفلة المؤقتة، بينما حرمت أنا من المشاركة يومها. وتكرر مجيئه مرارا لزيارة الشباب، يخبرهم أن والده ليس بطاغوت ، بل الطاغوت الحقيقي عبدالله السنوسي... ويعدهم  بالافراج عنهم في القريب العاجل ..اما وقد أصبح سلفي المذهب .. فهو يخاطب رفاق  النهج  .. وقد اشترط عليهم الوقوف صفا واحدا لمحاربة الخوارج أعداء العقيدة.

علمت بما حدث من رفيقي الحاج مختار، بعد عودتي إليهم في سجن عين زارة ، وكان وجودي في سجن طريق السكة استدعاء للتحقيق بغية الحصول على معلومات عن أخي وصديقي ( صابر ) الذي تم القبض عليه عند الحدود التونسية ، وقد صادروا منه ( تحويشة العمر )عوضه الله خيرا .. وتلك قصة أخرى قد نأتي إليها لاحقا .


حشرت في زنزانة انفرادية، وفي أثناء ذلك سمعت جلبة غير عادية.


كان أفراد طاقم الحراسة في سجن عين زارة الذين اودعوا الشيلات قد نقلوا حفاة الأقدام .، مذعورين، مكبلين بالأصفاد، تمامًا كما كانوا يكبلوننا ويفعلون معنا الافاعيل.. شاهدت واقعهم المر والبائس..وسمعت ضابط الغفر، الحاج زايد، يقول: «بعد اثنين وثلاثين عام خدمة نتلوّح تلويحة الكلاب... والله ما عاد خادمها.»


أما مساعده، أظنه عبد ال .....فقد كان يبكي بكاء الطفل ، بنحيب متواصل، ويقول: «أولادي... أولادي... منو بيهم؟»


ثم أصبح طلبهم الوحيد : «اقرأ علينا يا شيخ.» .. شرعت في قراءة القرآن بصوت جهوري .. الآيات من سورة إبراهيم : ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. ، ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَا آذَيْتُمُونَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾.


شعرت حينها بانتصار السماء، وبنزول العدل الإلهي علينا.. لكن ما إن أتممت التلاوة حتى اتجه نحونا ضابط الغفر  لتلك الليلة.. سأل معنّفًا:

ـ من الذي كان يقرأ؟ كان مستفزًا.


قلت: ـ أنا من كان يقرأ.


نظر إليّ بعينين تلفها الحيرة، وأطال النظر في وجهي.. ثم هدأ من روعه وقال:


«آه! عاود اقرأ... معاش عرفنا الحق وين؟»


أتممت القراءة ..  وأنا منهك الجسد  من شدة التعذيب . . وكان شاهد على وجعي الرفيقى أيمن وعبدالسلام والدكتور منير الذي أوصل اول رسالة طمأنة إلى أهلي بأني حي ارزق بعد ما أفرج عنه.


بعد تلك الواقعة .. لاحظنا تغير بعض الحراس في طريقة تعاملهم معنا نحو الافضل .. ومنهم من انتقل  إلى أماكن أخرى.


أما الحرس "بحر"، فقد استمر على نمطه وسلوكه الشرس وحقده على الشباب المتدين.. وفي إحدى المرات، قبض على أحد الشباب المطلوبين، وكان الشاب يخفي تحت ملابسه قنبلة يدوية «جلاطينة»، فانفجرت وتناثرت شظاياها على وجهه، ومات رفيقه مع الشاب .


لقد ذاق الساعدي بعد فبراير، طعم مرارة السجن واظنه يستذكر  أفعاله السابقة ..  ويوم ان نكل باللاعب بشير الرياني حتى فارق الحياة.


  اليوم بدأت كتابة الحلقة الاولى من مذكرات سنين الالم ،.. في ليلة صيفية، والقمر في كبد السماء.. ها انا اجلس في الهواء الطلق .. عند قمة الجبل الاشم .. جبل غريان  .. الأفكار  تتزاحم، والفراشات الليلية تحوم حول المصباح.


وفي لحظة هروب الكهرباء، أدركت أن الكتابة بجدية أمر مرهق..كما أخبرني ( عابد  ) وهو يستدرجني للكتابة،. إن لم تشعرك الكتابة بالتعب، فربما تكون تلك علامة سيئة.. ولا انسى جملة يعيرني بها الصديق (  صالح الدعيكي  ) ليحفزني على كتابة تجربتي مع السجن .. كان دائما يقول ؛ «لو تموت بيقولوا مات واحد وخلاص.» .. واذكر قبل ربع قرن ، وبعد خروجي من السجن، كان لي صديق عزيزي، ألح علي لأكتب تجربتي .. وكنت دائما .. متخوف من الكتابة، لأنني أعلم أنها ستخرج ما طمر بزواريب النسيان ..، وتفضح حقيقة الكثير ممن جمعتنا بهم الاقدار ، وقد تضع الأمور في نصابها..


اليوم لم تعد لدي مبررات للقعود عن كتابة كل المحطات والمراحل التي مررت بها والشخصيات التي عايشناها بصفاء وذقنا الحلوة والمرة جميعا.


 لقد ادركت بعد مضي ست عقود من عمري .. أن الحدث إذا لم يُدوّن، يصبح عرضة للضياع.


لا يمكن للكتابة أن تعوض عن كل الحزن، لكنها قد تكون شاهدًا عليه.. لذا ، لا بد من ورقة وقلم، ومناخ يساعد على استذكار الماضي واستدعاء أحداثه، 

لذا ، سأكتب هذه المرة في ليلة صيفية مقمرة عند قمة الجبل  .. انها قصص واقعية .. احتفظت بها لدهر من الزمان ..وللحديث بقية... في قصة أخرى.

بقلم سجين الرأي ابوبكر الغرياني. 

الجمعة 2026/8/7م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قصة من رعب الطغاة

    زمان كنت بمعرض دمشق الدولي للكتاب ايام الهارب بشار.جلست صحبة اصدقاء من الكتاب والناشرين السوريين بمقهى بأرض المعرض قبيل الغروب قالت ناشر...