🔴معمر القذافي ولي كوان يو_ مفارقة النفط الضائع والنهوض من العدم...
دار حديث مطول ومفصل مؤخرًا بيني وبين بعض الأصدقاء في مجلسي الخاص حول مقارنة تحليلية تمس واقع الاقتصاد والقيادة، وسؤال يطرح نفسه عند استقراء التاريخ الحديث: ما الفرق بين حكام ورثوا أضخم الثروات ودمروا بلادهم، وبين قادة استلموا العدم وصنعوا منه مراكز قوى عالمية؟ الجواب يتجسد في المقارنة المباشرة بين تجربة الهـ **ـالك معمر القذافي في ليبيا، وتجربة رئيس سنغافورة السابق لي كوان يو، لتفكيك هذا الواقع بعيدًا عن المجاملات وتبيان المفارقة بين الفوضى والعبقرية التنظيمية.
عند قراءة تجربة معمر القذافي بعين المحلل الاقتصادي المجرد، نجد أمامنا واحدة من أبشع حالات إهدار الإمكانيات في التاريخ الحديث. ليبيا قبل وأثناء حكم القذافي كانت تمتلك مقومات تضعها في صدارة دول العالم رفاهية واقتصادًا؛ كانت تتكئ على أضخم احتياطي نفطي في أفريقيا (نفط خام ذو جودة عالية وقريب من الأسواق الأوروبية)، بالإضافة إلى احتياطيات هائلة من الغاز الطبيعي، ومستويات ضخمة من النقد الأجنبي، وسواحل ممتدة على البحر الأبيض المتوسط بموقع استراتيجي يربط أفريقيا بأوروبا، وثروات سمكية وسياحية وآثار تاريخية، وشعب قليل العدد يسهل تحقيق أعلى معدلات الرفاهية له.
ومع كل هذه الموارد الخرافية، اعتمد القذافي على تنظير عقيم، وتسخير ثروات البلاد للهياكل الوهمية، وشراء النفوذ الخارجي، وتأذيث الحروب المغامِرة، والتوزيع العشوائي للمال دون بناء اقتصاد حقيقي. قوض مؤسسات الدولة، وألغى القطاع الخاص، ودمر التجارة بتجارب اشتراكية مشوهة، وترك البنية التحتية من مستشفيات ومدارس وطرق وموانئ في حالة تهالك وتخلف مزرٍ. كانت النتيجة أن حاكمًا أهدر مئات المليارات من دولارات النفط طوال عقود، وترك البلاد متخلفة اقتصادياً، تعاني من الفساد والخراب والمحسوبية، بدلاً من استغلال هذه الوفرة لبناء دولة صناعية أو مالية ذات سيادة.
في المقابل، عندما نضع تجربة رئيس سنغافورة السابق لي كوان يو في الميزان -ونحن هنا نحلل ذكاءه وحنكته التخطيطية والتنظيمية فقط، ، ولا نمدحه ولا نشكره إطلاقًا بل نذكر واقعية ذكائه الاقتصادي فقط- نجد أنفسنا أمام نموذج مغاير تمامًا. ففي عام 1965، بكى لي كوان يو بحرقة في مؤتمر صحفي شهير، ليس لأنه فشل، بل لأن ماليزيا طردت سنغافورة وأجبرتها على الانفصال، في الحالة الأولى والفريدة في التاريخ الحديث التي تُطرد فيها دولة وتُجبر على الاستقلال رغماً عنها.
لقد كانت سنغافورة قبل لي كوان يو عبارة عن مأساة حقيقية وشبه دولة معدومة من الموارد تمامًا؛ كانت مجرد جزيرة صغيرة طينية، ليس بها نفط ولا غاز ولا أي معادن، ولا توجد بها مساحات زراعية تسد رمق السكان، بل حتى المياه الصالحة للشرب لم تكن متوفرة وكان يستوردها بالكامل عبر أنابيب من ماليزيا! كانت سنغافورة بؤرة للمستنقعات المليئة بالبعوض والقمامة والأكواخ الخشبية المتهالكة، وتستشري فيها الأمراض ومعدلات الجريمة والعصابات المسلحة، حاشا القارئين. يضاف إلى ذلك شتات اجتماعي خطير لشعب لا تجمعه هوية، ولا لغة، ولا ثقافة، بل خليط متنافر ومحتقن من صينيين، مالايو، وهنود، يتصارعون في إثنيات ولغات متعددة واضطرابات عرقية دموية بلا أي رابط وطني.
لكن لي كوان يو أظهر العبقرية الحقيقية في التحول الهندسي للاقتصاد عبر اعتماده على أدوات نابعة من الفكر المجرد والتنظيم؛ اعتمد أولاً على بناء رأس المال البشري وتطوير الإنسان كبديل عن الموارد الطبيعية المفقودة، فبنى نظامًا تعليميًا هو الأقوى والأشمل، وفرض اللغة الإنجليزية كبلاتفورم موحد للإدارة والأعمال لربط الجزيرة بالشركات والأسواق الغربية فورًا. واعتمد ثانيًا على موقع سنغافورة الجغرافي واستغله لعبور شبكات التجارة العالمية، فحكّم تحويلها من مجرد ميناء مهمل إلى أكبر وأحدث مركز للخدمات اللوجستية وإعادة الشحن في العالم. واعتمد ثالثًا على فرض سلطة القانون الحازمة واستئصال الفساد المالي والإداري تمامًا وبلا رحمة، مما أوجد بيئة تشريعية ونزاهة قضائية مطلقة جعلت كبرى الشركات العالمية والبنوك تثق في سنغافورة وتُفضلها كبيئة آمنة لإيداع واستثمار أموالها.
والنتيجة اليوم أن سنغافورة تحولت من مستنقع طيني إلى المركز المالي الأكبر والأنشط في آسيا والعالم (متفوقة بحجم تعاملاتها واستقرارها حتى على المراكز الإقليمية)، وأصبح دخل الفرد السنغافوري من بين الأعلى عالميًا (يتجاوز 80 ألف دولار للفرد)، وأصبح جواز السفر السنغافوري يُصنف بانتظام كأقوى جواز سفر في العالم.
إن إبراز الحقيقة يفرض علينا تمييزًا واضحًا، هناك فرق شاسع بين طاغية يمتلك البحر وال بحار من النفط والغاز والمال ثم يدمر بلاده ويتركها خاوية على عروشها، وبين رجل عقلاني يحول القمامة والمستنقعات إلى مركز مالي عالمي يداري به عجز موارده. إن الذكاء الاقتصادي والقيادي الحقيقي لا يُقاس بما تحت يديك من ثروات باطنية أوجدتها الطبيعة، بل يُقاس بما تصنعه لعمارة الأرض وتنظيم الإنسان. المقارنة تتجرد من كل مجاملة لتؤكد أن معمر القذافي دمر ليبيا وأضاع أثمن الفرص التاريخية بديكتاتوريته وجهله الاقتصادي،(لي كوان يو) قدم للعالم درسًا لا يُنكر: أن العقل البشري والتنظيم الصارم والتخطيط هي المورد الحقيقي، وأن النفط في يد الجاهل المستبد لا يجلب سوى الخراب والتخلف.
✍🏻: الكاتب صالح حماد آلنجمية
أتوجه ببالغ الشكر والامتنان لكل من قال كلمة طيبة، وكل من ساند وقدم شهادة حق على كل منشور تحدثتُ فيه عن الأحداث والظلم الذي تعرضنا له إبان النظام السابق الذي ظلم أطفالنا وشبابنا وكبار السن والذي حرمنا من كافة حقوقنا المدنية.
لم نذكر هذه الأحداث يوماً لنكاية أو إثارة للماضي، بل لتوضيح الحقيقة، وإنصاف المعاناة، والتأكيد على أن صوت الحق لا يموت بالتقادم. إن كلماتكم الطيبة ودعمكم المعنوي ليس مجرد تعليقات، بل هو جبر للخواطر ووسام اعتزاز يثبت أن في هذا المجتمع من يزن الأمور بميزان العدل والإنصاف.
دمتم سنداً وصوتاً جلياً للحق، ولكم مني كل التحية والتقدير.



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق