"جبل فراقك ياجبل "
راكمت السجون الليبية عبر تاريخها الماضي, ولا زالت تراكم بالتأكيد, ارثا ثقافيا مهما, هو ارث مسكوت عنه ومخفي في غياهب تلك السجون, " التركية والايطالية والملكية والجماهيرية والفبرارية ", ارث من القمع والالغاء, ظل يتراكم ويتنوع في ظلام تلك المعتقلات والسجون, شعرا ونثرا, قصائدا وحكايات وسيرا, من جب السرايا الحمراء التركي ومعتقل العقيله والبورتو بينيتو الايطالي ثم حصان الملكية الابيض الذي ورثته دولة الاستقلال وحولته سبتمبر الى حصان اسود مع الكويفية والجديده وبوسليم واخيرا ولايبدو انه الاخير معتقلات فبراير التي انتشرت في كل مدينة وقرية وكل زقاق, من رجمة وكلية ومشتركه وردع, واسماء لايمكن حصرها, فقد تحولت بعض البيوت والمزارع والاستراحات الى مسالخ للبشر الليبيين بعد اذلالهم وامتهان كرامتهم ونشر كل ذلك الذل والقهر للاعدام الاجتماعي والمعنوي للضحية وللعائلة وحتى للقبيلة او المدينة التي ينتمي لها .
لقد وسمت ليبيا بظاهرة قطع رؤوس الضحايا وتعليقها على اسوار السرايا " زمن الحضارة التركية " التي حمتنا من التنصير ثم سلمتنا للنصارى, ثم نصب الطليان المشانق لاجدادنا في الميادين العامة, واعاد سبتمبر السنة الايطالية بتعليق احفاد ضحايا الطليان وبنفس الطريقة ونفس الشعارات, لتطور فبراير اساليب الامتهان والاذلال والاضطهاد بقطع الرؤوس وقصف البيوت بالطائرات والمدافع وتقطيع اجساد الضحايا والقاء الجثت في مكبات الزبالة .
ياللميراث المرعب والمخجل الذي تئن تحت ثقله ارواحنا, ويالعارنا التاريخي الاسود.
" الجمعية الليبية لسجناء الراي " تنهض من ركام ضحايا الامس و اليوم, تحاول ان تنقل اهات والآم الاف الضحايا, ان تنشر بين الناس ارث الرؤوس المقطوعة والاجساد التي اكلتها رطوبة الزنازين بعد ان مزقتها سياط الجلادين من ابنائنا, هذا الارث المسكوت عنه, والذي يواجه بالنكران بكل اسف من انظمتنا المتعاقبه, والذي لن ننجح في تجاوز عداواتنا وحروبنا العبثية وتمزقنا الاجتماعي الا بنشره والاعتراف به والاعتذار عن حقبه الطويلة لضحيته الممزقة بسياط ورصاص ومشانق ابنائها اعني الضحية " ليبيا " لعلنا اثر ذلك نعي الكارثة ونتوقف عن هذا العبث المميت , ومن ضمن برنامجها لنشر هذا الارث المسكوت عنه, اقامت الجمعية امسية للشاعر عبدالرحمن الشرع, احد ابرز شعراءالمعتقل الليبي, والذي بدأ يكتب الشعر, ونمت موهبته الشعرية ودوى صوته الشعري داخل المعتقلات, وتدفق هذا الصوت ألما ونزيفا وايضا املا وايمانا بانتصار الانسان على كل ادوات القهر, تدفق صوت عبدالرحمن الشعري كنهر دافق لايعرف الحدود, يتخطى الحواجز والجدران, ويهد جدران المعتقلات لينطلق الشعر والروح الى براحات الحرية, تتحول عبره صرخات المعذبين الى اناشيد مقاومة ووشهقات الموت الى عواصف ارادة وحياة.
في قصائد عبدالرحمن الشرع تخوض الحياة معركتها الملحمية ضد الفناء والعدم, ليخرج " الحي من الميت " و الحديقة والمدرسة من السجن, والزغاريد والاعراس من مواكب الجنازات, والشمس من ظلام المعتقل .
في مراثيه لمن قضوا تحت التعذيب وفي غياهب المعتقلات, يبدو الموت فعل تحرر وكسرا لاطواق الاعتقال وهدما لجدران السجون, فالموت ولادة .
السجن في تلك المراثي, ليس الا مخاضا مؤلما ومعراجا لمستقبل يفيض جمالا وعدلا وحرية, ان فراشات القصائد والارواح, تكابد الآم الخروج من الشرنقة لترف اجنحتها في فضاءالربيع, ومن خلف تلك الجدران والقضبان ومن وسط ضجيج المسيرات وصراخ الجنون والعبث تعلو زغاريد الاعراس, ومن قسوة الزنازين تطير فراشات القلوب العاشقة واغاني الحب والميلاد .
تجربة " عبدالرحمن الشرع " الشعرية والتي تشكل ركنا مهما من ادب السجون الليبية تمثل بعض هذا الارث الذي دونته اقلام شعراء وكتاب خاضوا تلك الملحمة, ملحمة " نزول وطلوع " ذاك الجحيم الليبي العظيم, الذي امتد لقرون طويلة, تنوع جلادوه وسجانوه وزبانيته من ترك وطليان وليبيين, من مستعمرين غزاة عابرين ومن مسوخ وطنية, وظللنا ضحاياه وشهداءه, ظل ارثه ارثنا وان خبأناه في اعماق ارواحنا المتعبة منذ "بوحويش " وحتى اخر النازلين .
منصور بوشناف
( سجين راي زمن القذافي .. لمجرد كتب مسرحية )
نشر ببوابة الوسط

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق