" سري للغاية "
من بين الصور المؤلمة لسجناء مذبحة أبو سليم، .. معظم الضحايا كانوا شباباً في مقتبل العمر .. إما طلبةً أو خريجين جدد، لا يحملون من الفكر إلا ما تسرب إليهم خفية عبر بعض الكتيبات أو الأشرطة الدينية القادمة من السعودية. لم تكن لهم أحزاب، ولا سلاح، ولا دعوات للعنف، بل مجرد نفوس تاقت للهدى والحق، فكان مصيرها الزنازين والقتل
من هؤلاء الشهداء، رفيق المهدوي، شاب لم يتجاوز عمره 21 عاماً، وتحصيله الدراسي لم يتعدَّ المرحلة الإعدادية. فهل كان يشكل هذا الشاب النحيل، الرقيق القلب، خطراً على نظام بأكمله؟ رحمه الله، ورحم كل مظلوم سُفكت روحه ظلماً.
رفيق، بضعفه الجسدي ونقاء قلبه، وُضع وجهاً لوجه أمام طغيان "الجماهيرية العظمى"، كما كانت تسمّي نفسها، تلك التي زعمت أنها ستتحدى الغرب وتلوّن العالم باللون الأخضر! لكن رفيق لم يكن يملك إلا سلاحاً واحداً... الدعاء. دعاء أمٍ مفجوعة، ودعاء مظلوم نُزعت منه الحياة دون ذنب، وهو الدعاء الذي قال عنه النبي إنه ليس بينه وبين الله حجاب.كان بالحجرة التى بجانبنا كنت انا في حجرة 10 وهو في حجرة 11 في القاطع الرابع كان متضايقا من السجن ، عكس من كان معه في الحجرة ، الصبر درجاته تتفاوت من شخص لآخر ، رفيق كان يشبهني .. بلغ السجن منه مبلغا , كنا دائما نتحدت عبر الفتحة الصغيرة التى في الجدار ، يعرفها زوار دخل السجن .. اخبرني عن كل شيى ، عن حياتنا قبل السجن ، عن الاهل ؛ عن الآحلام والامال ، عن كل شئ .
بعد انتفاضة فبراير .. اقامت الجمعية الليبية لسجناء الرأي معرضا في سجن ابوسليم .. كنت من من نظم ذلك المعرض ;مقتنيات وصور للمساجين .
بعد الافتتاح جاءت شقيقة رفيق ووضعت بوست به صورته واسمه ووقفت بجانبه .. فجاءة انتبهت الي ذلك البوست .. الصورة تذكرني أخي رفيق .. الله علي رفيق من اتي بهذا البوست .. تقدمت مني اخته .، وسألتني : هل تعرف رفيق ؟ قلت لها نعم كان بجانبي في الحجرة ، من انت ؟ قالت انا شقيقته هل انتم باقون الي المساء ؟ قلت لها نعم .. في المساء جاءت بامه وبدأت الاسئلة عن رفيق .. لمن هم آخر من راه .. رفاقه الذين احتجزوا معه في الحجرة .. انا احد الذين كنا بجانبه . بعد سبع سنوات من دخوله السجن .. لقي حتفهم في تلك المجزرة .. لا زيارات ولا اي اخبار .. كم تألمت لأجل والدة رفيق .. لهفتها لمعرفة اي معلومة لها علاقة بأبنها رفيق .. ياويلكم يامن تشككون في المذبحة .. ومنكم من يقول العدد غير صحيح .. ومنكم من يقول يستاهلوا .. غدا سنقف جميعا أمام أحكم الحاكمين يوم العدل والانصاف يوم نختم على افوههم وتكلمنا ايديهم .ولله الحمد
دعاء رفيق وأمه لم يذهب سدى. جاء اليوم الذي تهاوت فيه أركان الطغيان، وانهار معه صرح "الجماهيرية"، وذهب زعيمها إلى مزبلة التاريخ، غير مأسوف عليه. تحقّق وعد الله، وزالت الجماهيرية التي أرعبت الأبرياء، بفضل الله ثم بدعوات المظلومين الذين قضوا في صمت.
وهذه الحكاية، رغم ألمها، ليست إلا غيضاً من فيض، من قصص المآسي والظلم الذي اجتاح تلك الحقبة المظلمة.وما زال في القلب كلام، وفي الذاكرة وجوه... لا تُنسى.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق