الكاتب الليبي .. سجين الراي .. وعشرة سنوات خلف القضان .. لمجرد انه كتب مسرحية .. في صباه .. لم يخطر بباله انها ستصل يوما الى خشبة المسرح عندما يصبح طالبا جامعيا .. كلية اداب جامعة بتغازي ..وفي ذكرى السابع من ابريل ، .. عنوان لمسرحية ، بنهش جسد النظام ، وراس الحية ، عنوانها " عندما تحكم الجرذان " ، كان العنوان لوحده كافيا .. الرسالة وصلت ، ومسرحية وجدت لها ممثلين .. ومخرج .. يومها .. غاب في عتمة الزنازين .. " الجرذان " الوصف الذي نال من القذافي وزمرته ، وارعبهم ، وعندما انتفض الليبيون عام 2011 .. اختار السهم الذي اصابه في مكمن ذات يوم ، ليقصم به ظهر الثائرين ، كما قصمه بالامس ، يصف به كل من قال له .. كفى اربعة عقود من عمر شعب .. تبخرت في مجاهل افريقيا وامريكيا اللاتينية ، والمجد الواهي ، رماهم بذات السهم " الجرذان .. شدو الجرذان " ، الهمته قصة ثوار التوتسي .. رواندا ، في 6 أبريل 1994 ، وعلى إثر سقوط طائرة الرئيس الرواندي آنذاك " جوفينال هابياريمانا " الذي ينتمي للهوتو ، بدأت عمليات الإبادة بحق جماعة التوتسي ، بعد مضي أقل من ساعة على حادثة سقوط الطائرة .. ولعبت إذاعة " RTLM " الهوتية دورا كبيرا في نشر الكراهية وتأجيج عمليات الإبادة ، من خلال وصفها التوتسيين " بالصراصير " .
فلا سهم " الجرذان " اصاب ، ولا رمح " الصراصير " بلغ مداه ... وفي لحظة تاريخية فارقة .. زالت سلطة استبداد اعمى دام جاثما على صدر شعب لعقود من الحسرة والالم .. تلك هي قصة الصنم المعبود بعد سنين طوتها الرياح ... وصار الثوار يفتخرون بوصفهم جرذان .. واي جرذان .. جردان اليمن التي حطمت سد مارب .
اما عن حالنا اليوم .. تجده في كلمات الاديب شكري السنكي قبل ايام .. في مقالة له بعنوان : " عار عليك إذا فعلت عظيم ! . مخاطبا ضيف تصدر قناة ليبيا الاحرار .. كان عضو نشط بحركة اللجان الثورية ، ( معرباً عن اعتزازه بانتمائه إليها ، ومؤكداً أنها، من وجهة نظره .. بدلاً من أن يعتذر للشعب الليبي عن انتمائه إلى هذه الحركة الإقصائية الدموية التي قامت على السحق والمحق، وملاحقة أصحاب الرأي ومعارضي النظام، وقتلهم، وهدم بيوتهم، وحرمان ذويهم من كثير من حقوقهم، رأيناه يعلن على الملأ اعتزازه بالانتماء إليها، معتبراً ذلك شرفاً !!.
وكأنه أراد أن يرسم في أذهان الناس صورةً مغايرةً لما كان سائداً في عهد العقيد معمر القذافي ) .
اخيرا .. كتب ابوشناف مقالا .. عنوانه " عودة الابن الضال " ، جميل انه استفز اقلام نيرة .. بكل هذا الفيض الوافر .. هي الاخرى تحسب له .نص المقال :
عودة الإبن الضال‼
ثمة تراجع عن كل ما أنجز العقل والوجدان شعراً ونثراً، تراجع يطوي ما قطع من مسافات وإن كانت قصيرة في محاولات التحديث والتقدم، لم تكن المسافات طويلة ولا بعيدة، ولكنها كانت إلى الأمام على الرغم من كل التشوهات التي صاحبت تلك الخطوات .
كان العقل العربي، وهو يواجه تخلفه عما أنجزه الآخر، قد عانى الصدمة الحضارية، واستيقظ على الكارثة التي حلت به أثناء نومته الطويلة، ليدخل معمعة الصحو ومحاولة اللحاق بالآخر الذي بدأ يكتسح كل شيء، الأرض والثقافة وحتى المعتقدات، صار الأخذ بالأسباب التي جعلت الآخر أقوى وأكثر قدرة على تحقيق الغايات التي يريد أولى حالات الصحو.
شرع المفكرون والسياسيون في محاولات فهم تلك الأسباب التي جعلتنا وجعلتهم هكذا، ضعفاء متخلفون وأقوياء متقدمون.
كان الشك في الميراث وفي الذات «ذاتنا» التي أنتجت ذلك الميراث وذلك التاريخ أول معاركنا مع ذواتنا وتاريخنا، فكانت المعركة بين قراءاتنا للتاريخ وتأويلنا له، بين «اليقيني» وبين المتشكك، كان اليقيني لا يتوقف عن الترديد بأن ما جرى لنا كان نتيجة انحرافنا وابتعادنا عن قيم التراث، ولذا تعسكر وتجمد في درع التراث ونقله كما كان وكما ورثناه، بل إن مواجهة الطوفان القادم من الغرب لن تنجح «حسب ما يرى» إلا بالإحياء والتمسك بذاك الموروث، بينما تعسكر «المتشكك» ضد تلك العودة منقباً عن كل ما في ذلك التراث من قصور وتشوه وأساطير وأوهام.
تلك الصدمة أدت إلى بعض المنجزات، من أهمها طرح مشروع النهضة والحداثة، تحديث المجتمع عبر التعليم وبناء المؤسسات الحديثة ونشر قيم الحداثة، وعلى رأسها «العقل».
ولكن ذلك المشروع لم يستطع إنجاز شيء ذي بال، فلقد أثبتت الأحداث أن أطروحة تيار التحديث قد هزمت تماماً، وأن تيار العودة إلى منجزات السلف والتمسك به حرفياً هو التيار الأقوى الآن، رغم كل الشعارات والجعجعة الإعلامية التي توهمنا بمشاريع النهضة والديمقراطية والدولة المدنية.
إننا نتراجع إلى الخلف في كل شيء، وإن كانت اللافتات الطريق تشير إلى الأمام، إننا ندخل جلباب السواد وإن كان بتصاميم «بيير كردان».
عبر متابعة المنجز الأدبي، وخاصة الشعري، يظهر لنا هذا التراجع واضحاً، فقصيدة العمود الخطابية والمنبرية تطغى على كل المنابر، وتجعل الجماهير تصفق طرباً كما كانت تفعل للخطيب الشعبوي الديكتاتور، إن التفاخر والهجاء يسودان كل البحور والأوزان والقوافي، حتى قصيدة التأمل الصوفية تتراجع أمام مد «سلفية الشعر الآن».
في موسم الثقافة الذي انعقد بطرابلس، كانت الأمسيات الشعرية أمسيات عكاظية بامتياز، كانت أصوات الشعراء عالية متشنجة، تسودها المباشرة الخطابية الشعبوية، تحولت الأوطان فيها إلى حمى قبيلة.
كان مشروع التحديث الشعري الذي يقاوم لقرابة القرن قد تلاشى، ولم يتبقَ منه إلا بعض الأصوات المهمشة الخجولة.
كانت تجربة المصري «أحمد بخيت» مثلاً قد حاولت أن تستعيد «تجربة محمود درويش» عبر استعادة قاموسه الشعري، ولكنها أعادتها لحضيرة السلف الشعري والجعجعة، بالضبط مثلما استولت التيارات الإسلامية على مفردات اليسار «مثقف عضوي، دولة مدنية، ثورة مضادة، إلخ» لتعيدها إلى الحضيرة أيضاً عملاً بمشروعية «الغنائم».
إننا نتراجع ونتخلى عن مشروع النهضة، نسعى بحنيننا الظامئ إلى ذلك الجمود الحضاري الذي أضاعنا وأضاع ابننا «المستقبل» الذي نتوهم أننا نستعيده ونعيده إلى حضننا ابناً ضالاً وقد اهتدى إلى الأمس والجغ مغ.
نشر بصحيفة الوسط
****
تحت عنوان " كتابة الشك بيقين: حول بوشناف : عودة الأبن الضال أم استمرار الأحكام المطلقة؟ .. كتب الاديب الليبي : طارق القزيري:
ليومين تقريبا كنت أقرأ باستغراب مقال الأستاذ منصور بوشناف "عودة الابن الضال" على بوابة الوسط ولكن باهتمام يليق بكاتب مثله، فهو من الأصوات القليلة التي ما زالت تكتب بقلق حقيقي على مصير الثقافة لا بحثاً عن موقع فيها.
وسؤالي كيف كتب منصور هذا حقاً؟، من يعرف منصور يدرك انه شخصية متزنة في أحكامها وهادية كما هو في طبيعة شخصه العادي
ومع كامل التقدير لتاريخه الإبداعي والنقدي، أجدني مختلفاً مع المقال في منهجه وإن اتفقت معه في همّه.
المقال يلتقط ظاهرة حقيقية لا يجادل فيها منصف: عودة الشعر إلى وظيفة المنبر والهتاف، وتحول الأمسيات إلى "عكاظيات" يصفق فيها الجمهور للصوت الأعلى لا للنص الأعمق.
وملاحظته عن استيلاء التيارات المحافظة على قاموس خصومها - "الدولة المدنية" و "المثقف العضوي" - من ألمع ما كُتب في هذا الباب.
لكن صديقنا بوشناف يحمّل هذه الملاحظة الصادقة أكثر مما تحتمل، فينتقل من أمسيات موسم ثقافي واحد في طرابلس إلى إعلان هزيمة مشروع النهضة العربي بأكمله.
وهذه قفزة استدلالية لا يسندها النص؛ فالتعليم الحديث والصحافة والرواية وقصيدة التفعيلة واللغة النقدية التي يكتب بها المقال نفسه، كلها من ثمار ذلك المشروع الذي يُعلن موته.
بوشناف نفسه يبدو مترددا وحتى متناقضا يقول صراحة إن الصدمة "أدت إلى بعض المنجزات" ثم يقول بعد سطور إن المشروع "لم يستطع إنجاز شيء ذي بال".
التناقض داخل النص نفسه. وحتى لو افترضنا ان المشروع لم ينجز واقعيا، فاذا اعترف بوشناف له بالطرح للبديل، فهو إنجاز لذاته وإن كان ناقصا. وفي الحالتين لا يلغي تناقض النص.
كما أن مساواة القصيدة العمودية بالردة الحضارية مصادرة تحتاج إلى برهان، فالوزن والقافية لا يحملان أيديولوجيا جاهزة؛ قد يكون العمود حداثياً في رؤيته، وقد تكون قصيدة النثر شعبوية فقيرة.
والحكم على تجربة أحمد بخيت بأنها أعادت قاموس درويش إلى "حظيرة السلف" حكم كبير جاء بلا شاهد نصي واحد، فبقي في باب الانطباع لا النقد.
المقال يهاجم الخطابية والمباشرة واليقين، لكنه يمارسها: أحكام كلية، نبرة مرتفعة، ألفاظ مثل "الجعجعة" و"الحظيرة"، وتقابل حاد بين التقدم والتخلف.
وبذلك يقترب أسلوبه من الشعر المنبري الذي ينتقده. كان الأجدر بمقال يدافع عن الحس الحداثي أن يظهر التعقيد والشك والتفصيل، لا أن يستبدل يقيناً تراثياً بيقين حداثي مضاد.
لقد كان الأجدر بنص ينتصر للشك أن يمارسه.
أما السؤال الأهم فقد تركه المقال بلا جواب: لماذا تتقدم القصيدة الخطابية الآن؟ ما دور المؤسسات الثقافية واختيارات المهرجانات والمنصات التي تكافئ الصوت الأسرع والهوية الأكثر انغلاقًا؟
المشكلة ليست في عودة العمود والقافية، بل في عودة الشعر إلى إنتاج اليقين الجماعي.
هنا يكمن المقال الأعمق الذي ننتظره من قلم بوشناف تحديداً، لأنه من القلائل القادرين على كتابته.
المقال محق في الإنذار، متعجل في التشخيص. وهذا الاختلاف نفسه تحية لكاتب علّمنا أن النصوص الجادة وحدها تستحق النقاش الجاد.
*****
و من مدينة الخمس .. بقلم :: الاديب علي يونس ، تحت عنوان :
( دولة التنويري الأكبر)
قدّم الأستاذ منصور بوشناف في مقاله الأخير على بوابة الوسط، نعياً حارًّا للردة الحضارية التي منيت بها البلاد بعد المسافات التي قطعتها في طريق التحديث والتقدم.
تحدث في المقال عن العقل العربي الذي استيقظ بعد طول نوم ليرى الكارثة التي لحقت به، ثم شروع هذا العقل في رأب هذا البون الشاسع بينه وبين الآخر، و"تحديث المجتمع عبر التعليم وبناء المؤسسات الحديثة ونشر قيم الحداثة، وعلى رأسها العقل"، لكن هذا التحديث "قد هزم تماماً"، كما يؤكد بوشناف، أما الشاهد على هذه الهزيمة التاريخة لتيار التحديث العربي، فليس إلا: جرأة بعض المثقفين في موسم ليبيا الثقافي على الاستمتاع بالقصيدة العمودية!
"أمسيات عكاظية"، "أصوات عالية متشنجة"، "شعبوية"، "حضيرة السلف الشعري والجعجعة"، " الجمود الحضاري الذي أضاعنا"، "الجغ مغ"، كلمات وصف بها بوشناف الشعر الذي يلتزم القالب العمودي، معتبراً أن مجرد استخدام هذا القالب، حتى مع أسلوب شعر حداثي كأسلوب شعر أحمد بخيت الذي وصفه بأنه يستعير مفردات محمود درويش الحداثية، هو سلفية شعرية تستحق الاستهجان.
نقد طائفي لا نقد شعري
المعارك الأدبية بين أنصار القديم والحديث كانت قائمة على ضيق عطن أصحاب الشعر العمودي، وعدم اعترافهم بالأنظمة الشعرية الحديثة، في مقابل سعة أفق أصحاب المدارس الحديثة، ورفضهم لوصاية المدرسة التقليدية التي كانت ترفض الاعتراف بأي نص شعري لا يلتزم بالوزن والقافية.
تصر المدرسة الحديثة على أحقية الشاعر في اختيار القالب الذي يناسب تجربته الإنسانية، سواء كان عموداً، أو تفعيلة، أو نثراً، ويؤكدون أن الشعر هو حالة وليس شكلاً ثابتاً، ويدعون إلى تأمل المعنى والتعمق في الأسلوب، بدل اشتراط أشكال شعرية محددة قبل التأمل في التجربة الشعرية.
أما لسان حال بوشناف: لا تحدثني عن الصور البيانية التي ابتكرتها، ولا عن المجازات الثقافية التي استعملتها، لا تحدثني عن المفردات العبقرية، ولا الإشارات الفلسفية، ولا الإسقاطات التاريخية، حدثني فقط عن قبيلتك الشعرية، هل أنت من جماعتنا أم من الجماعة الأخرى؟ هل تحاكي درويش أم شوقي؟
بوشناف لا يتقمص معكوس المدرسة التقليدية فقط، ولكنه يزيد على ذلك في تقمص مكارثية شعرية، ليصم كل شاعر يكتب القصيدة العمودية، وكل متذوق مستمتع بهذا الشعر العمودي، بأنه مرتد ثقافيا وجامد حضاريا، فقط لتفاعله مع هذا القالب الشكلي، ويضع على كتفيه كل هزائم الأمة العربية، ويتهمه بالتسبب في الهزائم القادمة عبر "التخلي عن مشروع النهضة، والسعي إلى ذلك الجمود الحضاري الذي أضاعنا".
توائم سيامية
من المفارقات الاجتماعية في حقل الأفكار، أن المتخاصمين أشبه الناس ببعضهما، أشبه الناس بدوغما الستالينية وممارساتها المتطرفة هي المكارثية عدوتها اللدودة، وأشبه الناس بدوغما ثورجيي القذافي وممارساتهم المتطرفة هم ثورجيو فبراير.
وكثيرا ما يشبه التنويري أخاه اليمين الديني، سأطرح على ذلك أمثلة:
الدوغمائية: كلامي لا يحتمل الخطأ.
لا أحتاج بعد أن أقول أي شيء لأبذل أي جهد في الدفاع عنه وتبريره، أو التعامل مع الفكرة المقابلة كفكرة خاطئة وجيهة، لها محل من النظر يستحق الوقوف عنده ونقده نقدا موضوعيا. أنا لا أطرح أفكاراً ولا أناقشها، أنا لا أتحسس مواضع قدمي وأعد كلمات لساني، ما أقوله هو بيانات.
فإذا قال اليميني: إن مكان المرأة هو المنزل فمكانها هو المنزل! وإذا قال الليبرالي: إن شعر شوقي والشابي والجواهري ردة حضارية فهو كذلك.
الشكلانية: تكتسب الأمور صحتها من شكلها لا من معناها.
نحن نصدر أحكامنا القيمية وقبولنا الاجتماعي على الأمور بالنظر إلى شكلها وظاهرها، حتى مع إدراكنا اليقيني لتناقض هذا الشكل مع المضمون.
فإذا أكد اليميني على: أن الحفلات الموسيقية محرمة في الشريعة ومدمرة للمجتمع، فهو صالح حتى إذا ما كان لا يتوقف عن شهود الحفلات الماجنة، وإذا أكد الليبرالي: أنك إذا كتبت شعرك على هيئة النثر فهو أمر كاف للاحتفاء بك، وإذا كتبته على بحور الخليل فهو سبب كاف للاحتقار لك، بغض النظر عما كتبته في الحالين!
الفاشية: ما أريكم إلا ما أرى.
لا مكان لآراء مختلفة، وأنماط متعددة، ومدارس متباينة، هناك فكر واحد، وذوق واحد، وفلسفة واحدة، الرب واحد، والحق واحد، والصواب لا يكون متعددا.
فإذا رأى اليميني: أن تعليم الفلسفة يشكك المرء في دينه وينغص الرتابة الفكرية للمجتمع، فيجب على وزارة التعليم أن تزيلها من المناهج، ووزارة الثقافة أن تمنعها من الندوات، ووزارة الداخلية أن تقبض على من يقرؤها في البيوت، وإذا رأى الليبرالي: أن الشعر العمودي متخلف، فيجب على المثقفين أن يمتنعوا عن قوله والإشادة به، وعلى وزارة الثقافة أن تحظره في مواسمها الثقافية.
الثقافوية: الحل العجيب للمشكلة الكبيرة
كل مشاكلنا الاقتصادية تنتهي إذا فعلنا شيئا واحدا مرة واحدة، كل تخلفنا الاجتماعي ينتهي فجأة إذا قرأنا صفحة ما في عشية ما.
فإذا كنت يمينيا سأقول: ينتهي الغلاء عندما تتحجب النساء، وأقول: تتحرر فلسطين إذا كان عدد المصلين في صلاة الفجر كعدد المصلين في صلاة الجمعة، وإذا كنت ليبراليا سأقول: سنسقط في قاع التخلف إذا كتبنا كما يكتب إيليا أبو ماضي، وسننطلق قدما إذا كتبنا كأدونيس.
الشعبوية: صرخة حاشدة ووصفة بسيطة
لا تعقيد، لا تركيب، لا احتمالات، لا تؤدة، هناك أمور على المحك، أمور واضحة، الحل فيها واضح، والمطلوب الصراخ في الحشود لطلب النجدة.
فإذا كنت يمينيا سأقول: إن نظام الفوائد المصرفي هو مؤامرة يهودية على العالم الإسلامي، من أجل إدخال الربا في قلب كل بيت مسلم، وإذا كنت ليبراليا سأقول: إن استخدام الشاعر أحمد بخيت لمعجم درويش اللغوي وفق القالب العمودي هو غنائم غير مشروعة كاستيلاء الإسلاميين على مفردات اليسار، واستمتاع الجماهير وتصفيقها طرباً للقصيدة العمودية هو كتصفيق الجماهير للخطيب الشعبوي الديكتاتور!
في الواقع هذا الحديث الطائفي السطحي، ليس حديث الأستاذ منصور وحده، ولكنه حديث مجموعة أكبر من المحسوبين على "المثقفين"، وفي منشوره الفيسبوكي لنفس المقال، تجد تعليقات أخرى تصف الشعر العمودي بأنه: خوار، وطنين، ونعيق، وغرابيب سود .. مفردات تنتمي إلى معجم جماعات أيديولوجية متطرفة تدافع عن وجودها ضد جماعات أخرى تتمنى لها التعليق على المشانق وعلى الخوازيق، لا مطارحات نقدية ضمن مجال النقد الشعري! ومرة أخرى ما أشبه التنويري بالإسلامي.
الغريب أن هذه الفئة المتلحفة حول رداء الحداثة، هي من الرداءة الشعرية بمكان، ولا تملك للدفاع عن منتجها الشعري الرديء إلا الاحتماء بأيديولوجيا الحداثة، والاعتماد الدائم على موسيقا مصاحبة للإلقاء الشعري لتغطية عوار المفقود من الموسيقا الداخلية للنص.
****
الاديبة الليبية :عزة المقهور .. تنضم للقافلة ، بدور محامي الدفاع ، ومقالة بعنوان " دفاعًا عن الأستاذ منصور بوشناف "
تحرّك المشهد الثقافي مؤخرًا حراكًا هائجًا، أشبه ببحر الشتاء، فيما كانت البلاد تشهد حركة ثقافية غير مسبوقة في بلد نادر السكان، واسع الجغرافيا.
لكن بدلًا من أن يتحول المشهد إلى دفء وحنو بين المتفاعلين، حدثت أكثر من هزّة، ما كان لها أن تحدث لو ساد الود بيننا، وتقاربت المسافات التي تباعدت بفعل الأزمات المتلاحقة التي شهدها المجتمع الليبي عمومًا.
ولولا الوشائج الاجتماعية التي لم تتمكن الأزمات من إبادتها، وإن تمكنت من تمزيقها، لما انطفأت النيران، ولما عادت العلاقات إلى البناء والتمدد.
وعودة إلى عنوان هذا الإدراج، فإن الأستاذ منصور بوشناف يمثل المثقف الجامع الذي أمسك بأطراف إبداعية عديدة، وغاص فيها، وكتب عنها.
فهو الكاتب والصحفي والمترجم والمسرحي والناقد والروائي والعالم بالشأن التاريخي الليبي، وصاحب الرؤية التي ترى أن هذا البلد، رغم قلة سكانه وترامي أطرافه، يملك تاريخًا عميقًا كفيلًا بأن يحمي ذاته، ويتطور، وينمو كما يجب.
لكن علينا، كشعب، أن نستوعب ذلك، وأن نبدأ من حيث بدأنا، من داخل هذا الإقليم، بوعيٍ لما كان عليه منذ ما قبل التاريخ، بدلًا من أن ينفرط عقدنا ونحن نبحث، في إقليم أوسع، عن هوية ننتمي إليها، وهي فينا ومنا وحولنا؛ كل هذا دون التقليل من المحيط العام الذي ننتمي إليه جغرافيًا أو دينيًا أو إنسانيًا.
منصور بوشناف… هو رواية إنسانية بحد ذاتها.
كتب عن الطغيان، وعاش في كهفه سنوات، وخرج متصالحًا مع جلاده.
تكلم عن حقبة سياسية عاشها بكل أريحية وشفافية، أنصف فيها كل من التقى بهم، جلادين كانوا أم رفاقًا.
يمشي مع رفاقه في أزقة طرابلس، ويبتسم للجميع.
لم يجلس يومًا في الصف الأول، رغم أنه له بلا منازع، ولم يحاول أن يجلس في مقعد غيره، ولم يطالب بمقعد أبدًا.
منفتح على كل الأجيال، منصت بعمق قلّ مثيله في مجتمع يحب الجميع أن يتحدث فيه.
لكنه، حين انفعل وأبدى رأيًا واضحًا منتقدًا ندوة شعرية، لم يتحمله أحد… وهو الذي حمل همّنا وهمّ بلادنا وثقافتنا، ولم يترك يومًا أزقتها وشوارعها ومقاهيها.
يشارك الجميع، ولا يطلب مشاركة أحد. مرحّب بالجميع، دون أن يتوقع ترحيبًا أو تهليلًا.
رفقًا ببعضنا… رفقًا بجيلٍ بمن سبقه، وأعطاه، وكتب له، ونبش ذاكرته، وحاول جاهدًا تحريرها من أدرانها…
منصور بوشناف ما يزال يرتدي بنطاله الجينز، وقميصه، وجاكيتًا في الشتاء… لكنه ينوء بحمل همّ بلادنا، ويحرك أصابعه ليكتب لنا، دون طمع في تصفيق. يرحب بنا، ويبتسم لنا قبل أن نرحب به.
منصور بوشناف مثال للمثقف الليبي المتواضع، وهو يمثل أجيالًا سبقته، عرفناها بتواضعها، ودفء رفقتها، وحنوها على بعضها، وجمال ابتسامتها المشجعة للأجيال اللاحقة.
عاصر بوشناف الكثيرين، ورافق الكثيرين، وما يزال… جزءًا من هذا الوطن العزيز.
رفقًا به، فهو ملك لنا جميعًا، وهو المثقف الجامع الذي نحتاجه ونتعلم منه. رفقًا ببعضنا، فنحن لا نملك إلا بعضنا، على ندرتنا وفي إقليمنا الواسع.
******
الشاعرالليبي المهدي الحمروني .. ينظم للقافلة .. ومقالة بعنوان " على حدود الرأي "
ما تصاعد من سجال مؤخرًا بعد مقال "عودة الإبن الضال" للأستاذ منصور بوشناف Mansour Bushnaf ، حول إشكالية التمشهد الشعري بين مُقفّاه ومُرسَله من جهة، وبين قصيدة النثر من جهة ثانية، لا يؤكد إلا خاصية الأقطاب والتنافر للسيكولوجية الليبية التي تحمل تناسج المتانة في ظاهرها، والمنطوية على النقيض في باطنها، بما تدججته من صراع المشافهة الأزلي، دون الأخذ بالكتابة النقدية وحق الرد عليها؛ على مبدأ "يلعن أبو السلطان في غيبته"، وبنظرة أزلية متصالحة مع النميمة، ومقصية لتداول الرأي المدوَّن بحكم أبدي، بما يبوتقه في ريبة الأرشفة المُدِينة، كما لو أنها مناشير سياسية تحريضية متشنجة، لا تحتمل التداول ثم التناول بالرأي والرأي الآخر.
من هنا تربَّىٰ الصراع خفيًّا أو مفضوحًا، على ركح "كل حزب بما لديهم فرحين"، ليتم التمترس من كليهما بما وسعه من قوى، وبوعي وبدونه، تمامًا ككل حيوات كائنة من أجل الظهور والبقاء والتمشهد، وبما يتاح لهما من رعاة مؤسساتية لا تخلو من الهوى، والتي إذا عازت لأحدهما أو كليهما؛ كانت الشللية دائمًا ملاذها الآمن والحصين، كإثبات وجود مراهن على التمسرح، دون الرهان الحقيقي والجوهري بالنص وعليه.
يقترح د عاشور الطويبي Ashur B Etwebi على المؤسسة أن تمتد بالمصباح على ظلمة الأقاليم أكثر، دون حكر الأضواء على المركز، وهنا سنجدنا يقودنا السؤال: هل يضع القائمون على طاولة مثل هذه الفعاليات خارطة قراءة ليبية واقعية، للأسماء المنتجة للنص الجدير بظاهرة التجربة كمُسمّى صارم النزاهة؟، والتي تحمل سِفارة -معبرة عن طموح المشهد الثقافي-، وذات صدى وهوية راسخة؟، أم أنهم مكتفون كالعادة بإطار الصورة المتكررة بربطات العنق، أو الزوبونات التقليدية الباهظة الثمن. لقد أشار د الطويبي عليهم بتكريس جوائز الدولة التقديرية والتشجيعية، وسأضيف عليه تكريم من رحلوا أخيرًا دون تأبين، وتوسيم من بقى من رواد، لربط حلقات المشهد المتفكك نحو القطيعة المفتتة للسمة والهوية.
ثم علينا أن نتقبل الرأي، والمرافعات المكفولة كحق للرد، بتسامح يمنح أريحية الحوار، بما يُصحح ويُصلح لتحقيق انتباه مرجو، نحو تشكُّل تلقٍّ قادر على الفرز، بكياسة لا يفوتها تشخيص التقصير، والمراوحة، والتكرار، والتقليد الأعمى، وكذلك الاصطفاف بالصمم الأخرس على العتمة.
***
الحالة الثقافية في ليبيا مشوهة للدرجة التي تجعل قامة حقيقية كالأستاذة عزة المقهور تكتب كلمات تدافع فيها عن الأستاذ منصور بوشناف، لأن أشخاصا تجرؤوا واختلفوا معه في فكرة طرحها في أحد مقالاته، لتجد نفسها مضطرة للتنويه بفضل الأستاذ منصور ومزاياه وخصاله، ومطالبة الجميع أن يرفق به ويحترم تضحياته وجهوده! وكأن حشودا من الغوغاء قرروا أن يصلبوه وينالوا منه!
المقال شديد العذوبة الذي كتبته الأستاذ عزة، حصل على عدد هائل من القلوب، وتعليقات تنبض بالعاطفة، تكبر هذا الروح الشفافة التي هالها حصول نقاش ثقافي واختلاف في الرأي، فينهض لإطفاء نار هذا الاختلاف ووأده، لأن الاختلاف شر، ولأن الحالة الثقافية الصحية هي حين يردد الجميع هتافا واحدا، أو حين يختلفون اختلافا شكليا ملؤه "الدفء والحنو"، أو حين يكون عدد المختلفين لا يزيد على اثنين، وزمن الخلاف لا يزيد عن خمس دقائق، وكل ما سوى ذلك هو "بحار الشتاء" و"هزات" زلازل.
لم يكن هناك حشود غوغاء، ولا مطاردو الساحرات، ولا مشاعل نيران، ولا هتافات بالصلب والشنق والطرد .. كتب أشخاص آراءهم، وعبروا عنها بصدق وحكمة وأدب، كما يفعل كل الناس على الكوكب!
وفي حين يستمتع أكثرنا بمطالعة المعارك الأدبية في الأدبين العربي والغربي، ويوافقون على أن هذه النقاشات الحادة والمعارك الكبرى وما ينشأ عنها من ارتدادات مجتمعية، هي من يقوم بهذا الأثر السحري في تحسين النقاش العام، والرقي بالمجتمع، ومجابهة المشاكل المؤجلة بدل كنسها تحت السجاد والادعاء أنها غير موجودة، إلا أنهم هنا حين يكون الأمر داخل الوطن يرددون مع المحافظين "الخلاف شر"!
الكهنوت بألف وجه
للمؤلف والأكاديمي الأمريكي جوزيف كامبل دراسة شهيرة بعنوان: "البطل بألف وجه" استعرض فيها أساطير وأديان شعوب وحضارات مختلفة عبر التاريخ ليخرج بنظرية مفادها أن كل هذه القصص الإنسانية تدور حول بنية هيكلية موحدة ومحورية.
كثيرا ما يتقمص أحدنا وهو في غفلة من نفسه شخصية أعدائه، فنرى مثلا المثقفين حين ينقمون "الكهنوت" على المشايخ، الذين يمتعضون بشدة من مجرد اختلاف فكري لأحدهم مع شيخ ما، ويتصورون أن هذا الاختلاف مسيء للشيخ وطاعن فيه، نرى المثقف يقوم هو نفسه بهذا الكهنوت باقتدار، ويردد مع المشايخ: لنحترم كبارنا، لنتوقف عن انتقادهم، وإذا انتقدناهم فبصوت منخفض، وبإشارات مبطنة! الفارق فقط هو شخصية الكاهن.
الوظيفة الوجودية للمثقف هي إثارة النقاش ومساءلة التقاليد، وهدم أي تقليد خطابي مبني على أسس واهية لا حظ لها من النظر إلا كونها مأثورة ومعتادة، أو تثبيتها بهد إثارتها والتأكد من قوة أسسها. ولا يجرؤ أكبر مثقف على مصادرة العمل الثقافي أو تضييقه، لا لوافر التسامح الذي يتمتع به هذا المثقف الكبير، لكن لأنه بهذا يقضي على وظيفته هو نفسه!
***
تعقيب للاديب منصور حول مقاله [عودة الإبن الضال]‼حمله عنوان " تصحيح "
بداية لابد من التوجه بالشكر لكل من كتب منتقداً أو مسانداً لمقال "عودة الابن الضال" وأسعدتني كل التعليقات والأراء التي طرحت لسبب مهم، هو أنها كانت جميعًا ردود محترمة وجادة ولم تلجأ للشتم والتجريح , بل ناقشت الموضوع بمنتهى العمق والرقي
ولا أريد هنا إلا أن أوضح بأنني لم أكن ولم أعمم نقدي للشعر العمودي كما فهم الكثيرون، بل انتقدت شعر المنبر والشعارات والخطابية المباشرة.
فالشعر العمودي كان ولايزال مرجع ومعين شعرنا ويظل ،المتنبي و ، أبوتمام شعراء العربية الأهم في اعتقادي.. وكان ولا يزال :المهدوي و ، الماجري و ، راشد الزبير ، ثم المزوغي والرياني وحسن إدريس في " التجربة الليبية " من أهم وأجمل الأصوات .
القصة لا تخص الشعر العمودي عامة، بل هذا السطحي الشعاراتي المنظوم والمجعع بعلو الصوت والذي أراه أحد مظاهر التراجع الحضاري الذي يعصف بنا.
الاختلاف لن يفسد مودتي وتقديري وشكري وامتناني لكل من اهتم وأبدى رأيا.
******
بوشناف في «عودة الابن الضال»... هل كان يحاكم الشعر أم يحاكم العقل الثقافي؟
بنغازي 25-7-2026 (علي جابر)
أثار مقال الكاتب الليبي منصور بوشناف «عودة الابن الضال» جدلًا واسعًا، حتى بدا وكأن القضية تدور حول الشعر العمودي والحداثة الشعرية، بينما يبدو أن جوهر المقال كان أعمق من ذلك بكثير.
فبوشناف لم يكتب دراسة نقدية في الشعر، ولم يكن بصدد المفاضلة بين قصيدة العمود وقصيدة التفعيلة أو قصيدة النثر، وإنما اتخذ من الشعر نموذجًا كاشفًا لظاهرة أوسع، هي ما يمكن تسميته تراجع العقل الثقافي العربي عن مشروع النهضة والحداثة، وعودته إلى أنماط التفكير التي تقوم على استعادة الماضي بوصفه الحل الوحيد للمستقبل.
ولهذا فإن الحديث عن الأمسيات الشعرية، وعن الخطابية، وعما أسماه «سلفية الشعر»، لم يكن هدفًا في ذاته، بل كان شاهدًا استدعاه الكاتب لإثبات فرضيته الأساسية: أن الثقافة العربية تعيش حالة ارتداد، وأن مظاهر هذا الارتداد لا تظهر في السياسة أو الدين وحدهما، وإنما تتجلى كذلك في الأدب والفنون والتعليم والوعي العام.
ولعل كثيرًا من ردود الفعل انطلقت من التركيز على المثال، وأغفلت الفكرة. فقد انشغل البعض بالدفاع عن الشعر العمودي، بينما لم يكن المقال في جوهره يحاكم شكل القصيدة، وإنما يحاكم العقل الذي ينتج خطابًا يكتفي بالشعار، ويستبدل التفكير باليقين، والجمال بالهتاف، والأسئلة بالإجابات الجاهزة.
ويؤكد هذا الفهم التوضيح الذي نشره بوشناف لاحقًا، إذ نفى صراحة أنه كان ينتقد الشعر العمودي بوصفه شكلًا فنيًا، وأعلن إعجابه بالمتنبي وأبي تمام، واستحضر أسماء من الشعر الليبي الكلاسيكي باعتبارها من أجمل الأصوات الشعرية. وهو ما يعني أن اعتراضه لم يكن على الوزن والقافية، وإنما على القصيدة التي تتحول إلى خطاب تعبوي يفقد الشعر روحه الجمالية.
غير أن هذا التوضيح يثير سؤالًا آخر: هل كانت المشكلة في فهم القراء، أم في طريقة بناء المقال؟
من المشروع القول إن لغة المقال، بما حملته من تعميمات واستعارات حادة مثل «سلفية الشعر» و«العودة إلى الحضيرة»، فتحت الباب أمام قراءات متعددة، بعضها رأى فيها إدانة لتيار شعري كامل، لا لظاهرة محددة. وربما لو فصل الكاتب منذ البداية بين الشكل الشعري والخطاب الشعري، لكان الجدل أقل حدة.
لكن، في المقابل، لا يمكن إنكار أن المقال نجح في إعادة فتح نقاش طالما تهربت منه الأوساط الثقافية: هل تعيش الثقافة العربية اليوم حالة تقدم حقيقي، أم أنها تكرر إنتاج الماضي بأدوات جديدة؟ وهل أصبح التصفيق للشعارات يغلب الاحتفاء بالإبداع؟
إن قيمة «عودة الابن الضال» لا تكمن في الإجابات التي قدمها، بل في السؤال الذي طرحه. فالنص، في حقيقته، لم يكن محاكمة للشعر، بل كان محاكمة للعقل الثقافي حين يتخلى عن النقد، ويستبدل المغامرة الفكرية بالاطمئنان إلى الموروث، أو حين يرفع أي خطاب إلى مرتبة الحقيقة النهائية لمجرد أنه يحظى بالتصفيق.
ولذلك، فإن اختزال المقال في كونه هجومًا على الشعر العمودي يظلمه، كما أن اعتباره حكمًا نهائيًا على واقع الثقافة العربية يبالغ في تحميله ما لم يقله. إنه، في النهاية، محاولة لإطلاق إنذار ثقافي، قد نتفق مع تشخيصه أو نختلف معه، لكن يصعب إنكار أنه نجح في إعادة السؤال إلى الواجهة: ماذا يحدث للعقل الثقافي العربي اليوم؟
وربما كان هذا هو الابن الضال الحقيقي الذي كان يبحث عنه منصور بوشناف: ليس الشعر، بل العقل الذي غادر مشروع النهضة، وما يزال يبحث عن طريق العودة.
ويبقى سؤال آخر، ربما لا يقل أهمية عن الجدل النقدي الذي أثاره مقال منصور بوشناف، وهو سؤال يفرض نفسه من واقع تجربتنا العملية في قطاع النشر.
فهل ثمة علاقة بين هذا الجدل الممتد منذ عقود حول القصيدة العربية، بين العمود والتفعيلة وقصيدة النثر، وبين التراجع الواضح في إقبال القراء على شراء الدواوين الشعرية؟ وهل أصبحت معارك الشعر تدور داخل الأوساط الثقافية وحدها، بينما غادر القارئ ساحة النقاش بهدوء؟
إن المتابع لحركة النشر يدرك أن الرواية اليوم تتصدر قوائم المبيعات، وأن دور النشر العربية باتت تنظر إليها باعتبارها الرهان الأكثر أمانًا، في حين أصبح نشر ديوان شعر مغامرة ثقافية أكثر منه مشروعًا قابلاً للتسويق. والسؤال هنا لا يتعلق بجودة الشعر أو مكانته التاريخية، وإنما بعلاقته بالقارئ المعاصر: لماذا تراجع جمهور الشعر؟ وهل أخفق الشعراء في تجديد خطابهم بما يحفظ للشعر مكانته، أم أن طبيعة العصر، بما فرضته من إيقاع سريع وسرديات ممتدة، دفعت القارئ نحو الرواية بوصفها النص الأكثر قدرة على احتواء أسئلته وتحولاته؟
لعل هذه الأسئلة لا يجيب عنها مقال بوشناف، ولم يكن معنيًا بالإجابة عنها، لكنها تظل أسئلة جديرة بأن تطرح كلما احتدم النقاش حول مستقبل القصيدة العربية. فربما لا تكون الأزمة في العمود أو التفعيلة أو قصيدة النثر، بل في المسافة التي اتسعت بين الشعر والقارئ، حتى صار الجدل حول القصيدة أكثر حضورًا من القصيدة نفسها، وأصبح النقاد يتجادلون حول الشعر، بينما يشتري القراء الروايات.
*****
هذا ليس منصور بوشناف
جابر نور سلطان
الكاتب الليبي منصور بوشناف (الصورة: تصوير سالم أبوديب)
تربطني علاقة وثيقة وصداقة متينة بالأديب المحترم الأستاذ منصور بوشناف ،وأدرك تماماً سعة أفقه وتقبله للاختلاف، وهو المثقف المستنير المتوازن دائما.
لقد تابعت مقالته الأخيرة التي عنونها (عودة الابن الضال)، ووجدتني أقول :هذا ليس منصور بوشناف الذي أعرفه مرتين : مرةً عبر كتاباته القيِّمة ومرةً عبر صداقة قريبة من شخص جميل ونبيل.
لا يحبّذ منصور الصوت العالي ولا يحبّذ العبارات الرنانة ولا يتسرع في أحكامه ولديه دائماً زوايا في التناول والعرض تغيب عن كثيرين. وهذا ما جعله الأكثر حضوراً وتأثيراً في مدونة الثقافة الليبية.
أما مقالته الأخيرة فقد خرجت عن السياق الذي اعتدناه منه ،فبدا صوته عالياً وبداً متسرعاً في إصدار الأحكام، وماعابه على الآخرين ،وقع فيه من المنبرية والخطابية والتعميم وطرح نتائج مطلقة وكأنها ثوابت .
وهذا لعمري ليس بوشناف الناقد الرصين الذي يتحلى بالموضوعية والتريث والالتزام بمعايير النقد وأدواته وفقاً لتفصيلات وقراءة ثاقبة تخضع القضية المطروحة للبحث والتمحيص والتتبع .هذا هو العمل المنتظر من ناقد بقامة منصور بوشناف، يترفع عن الزج بالسياسة والأيديولوجية والتصنيفات العقائدية، في عمل ثقافي صرف.
ولم يحالفه الصواب في حديثه عن أحمد بخيت واعتباره تكراراً لمحمود درويش .الدارس للنقد الأدبي بأدواته المنهجية ومعاييره العلمية ، يدرك أن بخيت نهج شعري يختلف عن مدرسة درويش ويختلف عن مدرسة نزار قباني ،وهو استطاع -من وجهة نظري- أن يعيد الاعتبار للقصيدة العمودية حين قدّمها بنتاج مغاير وماهية جديدة .
إن التصدي للحكم على أي نتاج ثقافي ،خاصةً من جانب ناقد بارز بقامة بوشناف، يستدعي إخضاع هذا المنتج لعملية نقدية منهجية متأنية وهذا الفارق العميق بين الأحكام الانطباعية للعامة والأحكام الرصينة التي يصدرها المتخصص.
وأقول لصديقي بوشناف إن سوق عكاظ لم يكن مشهداً منبرياً فوضوياً بل كان يحتفي بالنقد والناقد وتُخضع النصوص الملقاة للنقد. وكان للناقد مكانة معتبرة تُقام له منصة عليّة كمنصة الملوك ويأتي محمولاً على الأكتاف ،إلى سوق عكاظ. ليحكم بين الشعراء. ومن أولئك (صناجة العرب) النابغة الذبياني. والمكتبة العربية ضافية بكتب النقد التراثية المعيارية ويكفي أن نشير هنا (للناقد الفذ البارع عبد القاهر الجرجاني).
منصور بوشناف صوت أدبي نقدي رصين ومتوازن لأننا نعتز به لا نريده أن يدخل الخطابات المنبرية والأحكام العامة الانطباعية. وأخيراً أقول :إن المقارنة تكون بين الشعر واللا شعر وليس بين شكل وشكل آخر.
ولابد هنا من تحية منصور الذي جعلنا نختلف حول الشعر بدلاً من أن نظل نختلف حول الوطن.
********
سجين الراي د . عابد الفيتوري .. ينضم الى القافلة .. من باب تلطيف الاجواء ." ، عند محطة الشعر .. كتب بلا عنوان يقول :
اذكر ذات يوم قلت لصديق من تونس ، مهتم بالزجل العامي او الشعر الشعبي كما ينعت احيانا ، انه مجرد كليشهات يعاد تركيبها ، كان مولعا بمسمى الشعر الشعبي ، وضليعا في ملاحقته وتدوينه ، اجابني ، ما رأيك في قول ( الشاعر ) :
( ضوى خذ من هز النسيم قناعه .. استغفرت نحساب القمر في القاعة "
انها لشاعر تونسي من مدينة " دوز " الصحراوية ، ألا ترى كم هو قادر على استدعاء الصور البلاغية .
- نعم بيت رائع وتصوير ابداعي ، يذكرني بابيات لزجال ليبي :
( وتعانقن ارقابنا وايدنا .. كما اتعانقن طيرين بين اغصاني )
( شربنا رحيق الحب لين روينا .. وغبنا من العالم لعالم ثاني )
- ربما أتورّعُ قليلاً في الميل إلى ( الشعر ) العاميِّ خشية أن يصبح هو السمة الغالبة ( للشعر) . ولا يمكنني في الوقت نفسه أن أطمس هذا المنتج الثقافي.
- عادة لا ارى في موضوعات " الزجل " سوى غزل او تجيش وتأجيج احقاد ضاربة في عمق التاريخ ، او شحذ سكاكين جديدة ، فالقائل خريج مدرسة الحياة ، نعم ، لكنه في غالب الاحوال غير قارئ ، وبالتالي كلما خرج عن اوحال الغزل بالأنثى ، او وصف حال تنقلاته ومنغصات حياته اليومية وتجاوز الى الشأن العام ، افسد الطقس ، وجفف الضرع . لذا يبقى " الزجل زجل " لا يرقى لمرتبة الشعر . الذي هو قول موزون مقفّى كتب بالعربيّة الفصحى . بل ان البعض يتحفظ في قبول الشعر الحرِّ نوعًا من أنواع الشعر. فكيف بالزجل.
- الزجل خلق هوة عميقة بين المتحدثين بالعربية ، ضيق النطاق بما لا يتعدى حدود اللهجة التي يتحدث بها أهل المكان . اليست هذه مشكلة كبيرة تتسع معها فجوة التواصل بين متحدثي العربية ، الفجوة المتسعة أساسًا !.. الأهم من توصيل مشاعرنا هو القالب الذي نوصله فيها ، فإن كان القالب لا يقدر أن يسافر عبر الحدود فهو قالب عقيم .. وهذا ما عليه الزجل الملتحف عباءة الشعر




















