اسأل أي عابر في مقهى عربي عن البطل، لن يحدثك عن رجل شيد دولة، ولا عن رجل صاغ دستورا، ولا عن رجل ترك خلفه قضاء مستقلا ومدرسة ومصنعا. سيحدثك عن رجل خسر كل شيء ثم وقف فوق المنبر يصرخ، فارتجفت القاعة بالتصفيق. نحن لا نحتمل البطل الناجح لأن نجاحه يعرينا ويكشف خواءنا، ونقدس البطل المنكوب لأن نكبته تشبهنا، تمنحنا عزاء رخيصا بأن الخراب قدر وليس جريمة.
أمم أخرى أنجبت أبطالا من معدن آخر، بسمارك الذي أيقن أن الوحدة تطبخ بدهاء السياسة لا بهذيان المنابر، وجيفرسون الذي استبدل القصيدة الحماسية بدستور يعيش قرونا، وديغول الذي حرر أرضه ثم حرر شعبه من عبادة الفرد، وغاندي الذي قاد ملايين بلا سجن ولا حبل مشنقة، ومهاتير الذي حول حقول المطاط إلى مصانع وجامعات. هؤلاء مملون في مخيلتنا، لا يصلحون للنواح، لا يصلحون للبكائيات، لذلك لا نعلق صورهم.
الحقيقة المرة التي نفر منها أن أصنامنا الحديثة لم تكن أبطالا، كانت انقلابيين، طغاة صغار قفزوا من ثكنة إلى قصر على ظهر دبابة. كبيرهم دجال الهزائم جمال عبد الناصر، ووريث المسلخ بشار الأسد، وبينهما مقامر بغداد صدام حسين ومهرج الخيمة معمر القذافي. هذه العصابة لم تطلق رصاصة واحدة على عدو، كل رصاصها كان في صدر الداخل، وكل معاركها كانت ضد شعوبها، وقدمت لتل أبيب قربانا استراتيجيا مجانيا ما كانت لتحلم به حتى في أكثر أحلامها وقاحة.
جاء عبد الناصر يبشر بالكرامة والوحدة فقرر أن السبيل إليهما هو وأد السياسة وخنق الحريات وتأميم العقول، فحول المجتمع إلى قطيع أخرس يصفق خوفا. أراد نهضة بلا حرية فشيد دولة صماء لا تسمع إلا صدى نفسها. ثم ساق جيش مصر ليذوب في مستنقع اليمن بلا غاية، ثم قذف به عاريا بلا غطاء جوي في محرقة حزيران، فكانت النكبة الكبرى، هزيمة أبدية وهبت لإسرائيل القدس والضفة وسيناء والجولان في ستة أيام، وحولتنا من أمة تتوهم التحرير إلى أمة تحترف تبرير السقوط.
ثم جاء القذافي، بهلوان القومية، ليستكمل مسرحية التفكيك. نصب نفسه وصيا على العروبة فأمضى عمره يمزق كل ما تقع عليه يده. عبث بالسودان حتى انشطر، وفتت الفصائل الفلسطينية حتى صارت دكاكين ولاء، وتآمر على وحدة المغرب، وبدد ثروة نفطية هائلة تقدر بمئات المليارات على مرتزقة وعصابات وانقلابات فاشلة في كل قارة بدل أن يبني وطنا. وحين هوى لم يهو وحده، هوت معه ليبيا كلها لأنه لم يترك وطنا أصلا، ترك خيمة وسركا وشعارات محترقة، فصارت دولة النفط العملاقة جسدا بلا روح، خارج التاريخ وخارج أي حساب للصراع.
ثم جاء صدام، مقامر التاريخ، دخل الذاكرة ليس لأنه ظفر بل لأنه أتقن فن الانتحار الصاخب. ورث جيشا جرارا يهاب فأباده في محرقة عبثية مع إيران ثماني سنوات حتى أكلت الحرب لحم العراق وعظمه وخرج منها باقتصاد محطم ومقابر لا تحصى. وبدل أن يلملم الرماد قفز إلى الكارثة الأكبر فالتهم الكويت في ليلة طيش، فاستدعى العالم كله ليحاصر بغداد ويدكها. انتهى المشهد بشعب محاصر وجائع ومذبوح وزعيم يطل من حفرة مظلمة يلوح بمسدس فارغ كأن الخطب تعيد ما دمرته الدبابات، ونامت إسرائيل مطمئنة بعد أن تبخرت بوابتها الشرقية وتفكك جيشها الرابع إلى الأبد.
وختمت الرباعية ببشار الأسد، وريث المختبر الأسدي للوحشية المطلقة. ورث البلاد كإقطاعية عائلية مبنية على جهاز مخابرات وشعار ممانعة زائف. وحين طالب الناس بنسمة حرية خلع قناع الممانعة وكشف عقيدته الحقيقية، حول الجيش من عقيدة مواجهة إسرائيل إلى عقيدة إبادة الشعب. دك المدن بالبراميل والطيران، وأحرق حلب وحمص ودرعا، واستنزف كل ترسانة السلاح الاستراتيجي في قصف أحيائه، وهجر الملايين وقتل مئات الآلاف ليبقى الكرسي. وكانت هذه هي الخدمة التاريخية العظمى، شطب سوريا من الخارطة العسكرية، وحول سماءها إلى ساحة مستباحة لطائرات إسرائيل، وحول الصراع من عربي إسرائيلي إلى مذبحة طائفية يذبح فيها الأخ أخاه.
لو اجتمعت إسرائيل بكل علمائها وجنرالاتها ومخابراتها وخططت لقرن كيف تمسح القاهرة وبغداد ودمشق وطرابلس من معادلة القوة وكيف تغرق هذه العواصم التي علمت البشرية في مستنقع الفقر والديون والدم، لما بلغت عشر ما أنجزه هؤلاء الطغاة وهم يحصنون عروشهم. لقد سحقوا شعوبهم بالضربة القاضية فربحت إسرائيل بالانسحاب. كل طلقة في صدر معارض، وكل جامعة أغلقت، وكل كتاب أحرق، وكل مصنع بيع خردة، كان يصب مباشرة في مجد تل أبيب. تركوا لنا وهما من ورق، صورا على الجدران وخطبا محنطة، وواقعا من ركام وجماجم وتشرذم، حتى صار الطريق من المحيط إلى الخليج مفروشا بالخراب.
الكاتب عبدالسلام بوقيله

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق