رحمهم الله وغفر لهم .. اذكر في ذكرى المجزرة علم 2009 نشرت مقالة من وراء الاستار باسم مستعار .. لتصبح فيما بعد فبراير احدى صفحات فصل من كتابي ( اربع عقود داخل الزنزانة ) عنوان الفصل ( قصاصات قادتني إلى الزنزانة ) نص المقالة
رسالة الى امين عام الأمم المتحدة
سيادة الامين العام
السلام عليكم
جلال الصمت يسود الغاب ، والصخور امامنا ومن حولنا تشكل اسوار العزلة ، قدرنا ولدنا وترعرعنا هنا ، هذه بلادنا ليس لنا مكان آخر نلجأ إليه ، يضيق بنا المكان ويعز علينا هجرانه ، يسكن بين جوانحنا ، لن نبرح المكان ، ولن نتزحزح عنه قيد انملة ، مهما فعلوا بنا .
سيادة الامين العام :
إن خير الرعاة من يقود قطيعه للمروج الخضراء .. فتقبل ان اهمس في اذنك نبض ومعاناة شعب يوسم المنظمة التي تتربعون على عرشها بـ " المنظمة الصماء " . هنا في بلد اقررتم باستقلاله وبحق شعبه في الحرية والحياة . اسمه ليبيا . شعب يتطلع الى معانقتكم وهو يصرخ آلما وحزنا وجهلا وفقرا واستبدادا وقهرا لسنوات وسنوات ، هنا حيث الكلام من المحرمات ، انتهز فرصة تمرير كلمة مكتوبة ، من وراء كواليس الانترنيت ، علها تقع ذات يوم بين ايديكم ، وتلقى قبول إصغائكم . بعد اربعين عاما من الصمت ، والآلم ، والحزن ، والحصار ، والجور، ومرارة علقم العبودية .
سيادة الامين العام :
هنا تزدحم ذاكرة المكان والزمان بروائح الموت ، وبعذابات التخلف والضجر والخوف وانقطاع الأمل ، والمستقبل المظلم . هنا مواعظ تنتشر منها رائحة اللحود . والكل يسأل : أين هي منظمة الأمم المتحدة ؟ ألا تسمع بنا ؟ ألا تصغي للآمنا والآم اطفالنا ونساءنا وشيوخنا ؟ أما ازكمتها روائح المجازر حيث تنحر الافكار ؟ أم ان صمم النفط اصابها كما اصاب الدول العظمى التي تخلت عنا ولا تزال تحتفظ لنفسها بشعارات ريادة العالم الحر !!!!
سيادة الامين العام :
بالامس تم استدعاء والدي الى مكتب المأمور الامني ، وكان لزاما عليّ مرافقتة ، وقد طعنته سنون القهر والمرض ، كما انه ليس لديه غيري فانا اكبر شقيقاتى البنات ، انتظرنا امام مكتبه طويلا ، وازلامه تحدّق بي وتحدجني بنظرات الذئاب المتحفزة للوثوب ، وهي لا تدرى أنها تبصق في وجه الريح . ثم اولجنا الى حجرات وحجرات ، امتثلنا امامه دون شهيق أو زفير . راقبنا بعينان تشعان بالإحتقار ، وشفاه تتبرم بالاشمئزاز ، والزبد يرغي على شدقيه . ارتعش قلبي ، وارتسم الروع على وجهي ، واصطكت رجلاى . وبوجه يتقطب بالحقد وينم عن روح صغيرة ترتجف على قاعدتها ، ودون اكثرات بمشاعر انسان طاعن السن ، قدم لنا ورقة مكتوبة ، عنوانها " شهادة وفاة " من تلك التي توزع بالتناثر على احياء المدن والقرى الليبية مند مطلع العام 2009 . تفيد الورقة بأن نجل الاسرة الوحيد " اخي شقيقي " توفي بالسجن بعد ان قضى أكثر من ثلاث عقود من الزمان داخل اروقته المظلمة التي لم تمنحنا يوما فرصة لزيارة اخي .
كان أخي طالبا بالجامعة عندما أقتيد الى سجن أبي سليم عام 1976 ، وكنت آنذاك طفلة صغيرة ، أعي أن أخي الذى كنت انتظر قدومه بين الحين والآخر قد غاب ، وأن أسرتي لهذا السبب تعيش حالة حزن وآلم واكتئاب لا تنقطع طوال هذه السنين لأجله . والى أن يأتى اليوم الذي يعود فيه .
قرأت الورقة ، وكتمت شهقة في مهدها ، وحسبتني هويت إلى غور بعيد القرار . تنفست بحشرجة المختنق ، ثم جمعت انفاسي بعد لأى ، وتشرّبت اللهب المندلع يصدع احشائي . وقف لساني برهة عن الكلام ، علا وجهي الاغبرار، تذرعت بالحزم الأوفى ، وبوقع الرعد القاصف أخبرت والدي بفحواها . ساد صمتا واسعا كالفضاء ، زلزلت الارض من تحت اقدامنا حتى رغبت ان تفغر فاها لتلتهمنا ، أرخى الليل سدوله مظلم حالك دامس ، نضجت النجوم في وضح النهار ، ولبس الكون أمامنا تاج الآسى والحزن . جررنا اذيالنا عائدين بعد ان سمح لنا بالمغادرة ، نتلمس الطريق بيد مرتجفة ، كاطيار يسودها الذعر ، واثقال الحزن العميق ترهق كواهلنا . أسير بين الناس كأنني أمشي بين أنقاض وأعضاء مبتورة عن أجسادها ، أرى أشلاء مقطعة كأنها بقايا مجزرة هائله ، أصرخ ويذهب صوتي بددا على سطوح المستنقعات ، تتطاير الحصى بخطواتي . وما ان لقيت باكيا إلا رأيت وجهه مقبلا عليّ كأنه يسألني : ترى من أين يذبح الانسان إذا كانت دموعه هي دماء روحه ؟
ويلاه .. ويلاه .. ! ، يا لظلمة شمسي .. كم كانت جدران سجني متقاربة ، ان في داخلي قوة ثائرة تريد اطلاق صوتها . سلبوني ما لا قبل لي بالاستعاضة عنه بشيء ، أخي الوحيد مات بتهمة التفكير ، وبلعنة الليبرالية التي لا افهمها ، فقد علمنا مند وقت مضى ان أخى متهم بانه يفكر بطريقة ليبرالية . وهذا ما حدا بهم إلى التخلص منه دون دليل او محاكمة ، بل ولمجرد وشاية ممن يحسدون تفوقة ، ممن تمرغوا في الاوحال على الشفير ، ووصفوا انفسهم بالثوريين ، يتلهون بالنكايات ، ويترصدون من يتعارج بعلومه . مبتلون بالعقم ويعتقدون ان اقوالهم مستمدة من غور الامور ، يرون الارتقاء في التفوق افتراسا ، فيستقطرون سمومهم ساترين ايديهم بقفازات من زجاج . ينفثون هريرا ودخانا تنزلق على تفاعيله الاشباح ، مرارة الحنضل في ثرثرتهم ، لا تميز في نبرات صوتهم إلا أثر التهاب الحلق . وقد اعتبروا هباء كل حقيقة لم يتلفظ بها صنمهم الذي يعبدون . لقد تركوا على كل معبر اجتازته ارجلهم آثار دماء ، وجهلوا ان افسد شهادة تقوم للحق ، إنما هي شهادة الدماء تقطر السم الزعاف على أنقى التعاليم فتحولها الى جنون واحقاد .
انا الآن ادرك وإن فقدت فكرة الزمن ، ان أخي مات مند عام 1996 م ، في وقعة الابادة الجماعية الرهيبة ، والشهيرة بـ " مجزرة سجن ابى سليم 28- 29 / 6 / 1996م " .
اوآه .. آواه .. ، يا لوقري الثقيل وكربتي المضنية . ذهب زفيرى يجول بين المدافن متراميا على اللحود ، ولاح لي كل شيء ركام وردوم واكوام عظام .
فوآ .. أسفي على أخي .. انا شقيقته التي لا تقوى على السؤال " أين دفن أخي ؟ " !!! . تلك هي آخر هضبة أطمح إلى بلوغ قمتها . ووآ .. أسفي على نفسي أنا التي ادون مأساتي متنكرة ، أنتعل القباقيب العالية لأخفي طول قامتي ، والذعر يسود حولي ويروع قلبي .
ويلاه .. ويلاه .. ! أريد ان اصرخ ، أرهقني سلطان حزني ، من لي بالتعزية ، ومن لي بمن هو أجدر مني تخلصا من الطاعة ، وقد قال كلمته وتحطم . أم سطا الهرم على القلوب الفتية ، وآن للنساء أن تسترجل لقلة ما يتصف بالرجولة الرجال . وان تثير كوامن المستنقعات ، وما الحياة إلا على القمم .
سيادة الامين العام :
لعمرى سيادة الامين إني لاشكو إليك بثي وحزني ، وأناجيك بمشاعر النفس الانسانية ، مشاعر فتاة تصطدم ضلوعها بالجدران التي تطوقها ، وهي تتوق إلى انبلاج الضوء من رحم الظلام ، وانقشاع الحقيقة من بطن الغموض . فهل لك أن تكفكف دموعي ، ودموع شعب ابتلي بالعجز عن مكافأة المستبد . فلربما كلمة تلد تاريخ جيل .
احترامي لشخصكم وللمنظمة
الليبية
قوانتنامو بنغازى - ليبيا – 2009
تعقيب
3 - 14 أغسطس, 2009
صالح الواحي
بخِ بخ .. اليكن ايها الحرائر الماجدات .. اليكن يا منارت الشموخ والإباء .. ومصابيح العزة والكرامة والإنتخاء .. يامن صنعتن من شعاع الشمس اثواب التحدي والرفض .. ومن كبوة الهجير طاقة النهوض لمقارعة الباطل والجور .. ومن رداد امواج بحر بنغازي انسام الظفر وأمال النصر .. ومن رصيف ميناءها قاعدة لانطلاق شعلة العزة والأنفة والانعتاق من الذلة والارتكاس والخنوع .. اليكن يا من جعلتن من خرق البؤس والعوز والحرمان حلل للتألق والرفعة والنيافة ..
بخ بخ .. اليكن من عفن الاغراءات .. وانفن الاطماع .. وسفهّن الترغيبات .. وصممن عن الوعيد .. وهزئن بالترهيب .. وامتشقن همم التأبي .. وعلون مطيئة الرفعة .. وانتصبن بهامة الاعتزاز .. ونقشن انشودة الفخر على متن التاريخ بأحرف من نور .
بخ بخ يا امهات شهداء الوطن .. وأخوات ابطال العزة .. وزوجات جند الحق .. وبنات الرجال الذين لم تمنعهم اغلال السجن وقيوده من الانتفاض والتمرد على جبروت التسلط والطغيان .. لم تمنعهم من الاندفاع نحوا الشهادة بقوة الايمان في موكب عظيم تحفهم ملائكة الرحمن بمشيئته سبحانه وتعالى .. ومرامهم بأمر الله أعلى أعالي الفردوس الأعلى .
بخ بخ .. يا عزيزات اسر شهداء سجن ابوسليم .. ياعزيزات وكريمات الوطن باسرة .. يا من قشعتن غشاوة الذل والمهانة عن وجه ليبيا بوقفتكن العظيمة كل يوم سبت .. باصرار لايعرف التردد .. وصمود لايعتريه التولي .. وتحد لايثنه قمع المستبدين ..
بخ بخ .. اليكن صبيحة كل يوم سبت .. وصبيحة كل يوم يعيشه الوطن متحديا طغيان الظغاة .. وتكبّر البغاة .. وتهوّر الادعياء .. وسفاهات السفهاء .. وحمقات الرعّن اليائسين .
بخ بخ .. لا فث لكن في عضد .. ولا شلت لكن يمين .. ولا وهن منكن ساعد .. ولا انحنى منكن رأس بذل .. ولا بهت منكن جبين ., ولاخار لكن عزم .. ولا شمت فيكن باغض حقود حسود ..
بخ بخ .. يا بشيرات النصر وطلائع العزة .. بذكركن ينساب مداد القلم سخيا .. ويستقيم القول .. وتسترسل الكلمات .. وتحسن العبارة .. ويتسق البيان ..
بخ بخ بنغازي الجميلة .. التي رأيتها يوما من أجمل مدن الدنيا وعرفت فيها ابهى وأجمل جميلات الكون .. ولازالت في خاطري كذلك ، ولكن جمالكن اليوم وفي وقفتكن كل يوم سبت .. جمال لايضاهيه جمال .. وحسن لايباريه حسن .. انه حسن الصنديدات الجواسر.. والفارسات البواسل اللآئي جملن بنورالحق .. وضياء العزة .. وبهجة الوطن بالنصر القريب .. بخ بخ .. بل بخ بخ .. لكن .. وبكن .. وعليكن .. وبكل كلمات الفخر ومعاني الإعتزاز والتبجيل .. محاطة بكل معاني الحب والاعزاز والتقدير .. حبا يذوي في كيان ورحاب الوطن العزيز .. الذي يعلو حبه على كل حب .. كلمات أوجبها واجب .. وأقتضاها موقف عظيم .. ابعثها بها اليكن حيث تقفن في ربوع بنغازي الحبيبة - بين البحر والمحكمة - وامل أن تصل الى قلوبكن تجسيدا لحب الوطن .. الذي جمع قلوبنا في مضمار حبه وأضنانا الحنين والشوق اليه

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق