الأربعاء، 18 يونيو 2025

جماليات البناء السردي في رواية طريق جهنم

 


     بعد رحلة بحثٍ طويلة قاربت الأربع سنوات ، تخللتها محطات صعبة مرت بها الباحثة خلال إنجازها لهذه الدراسة كان أكثرها صعوبةً غرق بيتها ، وفقدان جيرانها ، وأقاربها في فيضان مدينة درنة المأساوي ، أتمت اليوم الباحثة دراستها على صورة مرضية جدًا بالنسبة لي بصفتي مشرفًا على هذه الدراسة ، ومتابعا لها.

      هذه المقاربة النقدية ولدت في ظروف استثنائية في نظري ، فقد عرفتُ بطل رواية (طريق جهنم) الأستاذ علي العكرمي الإنسان قبل أن أعرفه بطلًا لهذه الرواية ، وذلك قبيل أن أطلع على متنها السردي ، عرفته أولًا عبر الإعلام عندما سرد حكايات سجنه التي تفوق حكايات ألف ليلة وليلة زمنًا ، وفنتازيا ، وماساويةً وإن شئت ساديةً ، هذه الحكايات المفزعة التي اختلط سردها بدموع السارد والمسرود له في آن واحد قد ألهمت كاتبًا مبدعًا وهو الروائي أيمن العتوم بأن يكتب نصًا حاول من خلاله تصوير مشهدية الرعب في سجن (بو سليم) الرهيب ، وكان بارعًا في تجسيد مأساوية الحكاية ، وبارعًا أيضًا في رسم شخوصها وحكاياتهم المتشظية ، تلك الشخصيات التي لم تبرح مكانها المغلق الذي أجبرت على البقاء بين جدرانه السوداء ، غير أنها حلقت في آفاق بعيدة أكثر رحابةً واتساعًا عبر وعيها ولا وعيها ، وعبر ذاكرتها التي تختزل آلاف الحكايات المتفرقة ، حكايات تعود بتلك الشخصيات إلى حياتها قبل مرحلة السجن ، زمن مراتع طفولتها وأيام شبابها.


 

     رواية تعددت فيها الأصوات ، واختلفت الأفكار ، والرؤى ، والأيديولوجبات ؛ غير أنها اتحدت في قسوة التجربة ، وقهر الواقع ، ووحدة المصير ، وكانت شخصياتها أجسادًا متفرقة تعيش بروح واحدة ، وتجلد بسوط واحد.

      بعدها عرفتُ العكرمي  بوصفه إنسانًا قد حوله الظلم والعسف من حالة الحلم بالمستقبل إلى حالة تذكر الماضي واسترجاع مآسيه ، بعد أن فقد من عمره زمنًا طويلًا في غياهب السجن بين مرحلة الشباب حينما ضمه سجنه لأول مرة ، وفترة كهولته عندما خرج حرًا وقد تسربت أجمل سني عمره من أصابع الزمن الهارب، تجربة إنسانية قاسية تجسدت في شخص العكرمي ورفاقه في الواقع وفي المتخيل السردي أيضًا ، ولكنها لم تكن حكرًا عليهم ، فهي أكثر اتساعًا وشمولًا ؛ لأنها تجربة شعب بأكمله قاساها نصف قرن تقريبًا.

     جميعنا عاش تلك الفترة بمرارتها ، سواء من كان في السجن الصغير بوسليم أو السجن الكبير ليبيا ، معايشة تلك التجربة دفعتني إلى الاهتمام بتلكم الرواية التي تجاوزت واقعيتُها الحدَّ الذي تفقد معه بعدها التخييلي ، فشخوصها ، وأماكنها ، وأزمنتها كانت تصويرًا مرآويًا لما كانت تخفيه جدران السجن خلفها ، هذا الاهتمام انتقل من دائرة الإعجاب بجمالية النص بوصفي متالقٍ محايدٍ له إلى محاولة مقاربتها نقديًا أو قراءته وتحليل بنيته السردية عبر توجيهي للباحثة بأن تفرد دراسةً أكاديميةً لهذه الرواية وقد كان .


Emad Khaled Alhusk

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

هرطقات القذافي