الخميس، 12 يونيو 2025

راشد الزبير السنوسي .. حين صُلب على جدار القسوة

 


 

السيد راشد الزبير احمد الشريف  السنوسي ..  حين صُلب على جدار القسوة

لم يكن راشد الزبير السنوسي رجلاً عاديًا ، بل كان شاعرًا من نسل الملوك ، أميرًا في الدم ، وأديبًا في الروح ، ومثقفًا في الموقف .

حمل الكلمة كما تُحمل الراية ، وتكلّم حين صمت الجبناء ، فصار هدفًا في نظر الانقلابيين الذين ضاقوا ذرعًا بكل نفسٍ أبي، وكل قلب لا ينحني.

وحين سقطت البلاد في يد العسكر ، وبدأت ماكينة القمع تدور دون كوابح ، كان راشد الزبير السنوسي أحد أول من دفعوا ثمن النُبل والمبدأ .

اقتيد إلى سجن الحصان الأسود ، وهناك ، خلف الأسوار التي طُليت بالذل، استقبله أحد أشرس الجلادين .. الملازم مفتاح أحمد رشيد .

كان الملازم مفتاح أحمد رشيد واحدًا من أولئك الذين انقلبوا على بيعتهم ، وخانوا العهد الذي قطعوه أمام الله ، وأمام الراية التي أقسموا أن يحموها .

 لم يكن مجرد تابع ، بل شريكًا في الجريمة الأصلية ، انقلاب على الملك الشرعي، وعلى الدولة، وعلى شعبٍ لم يُستشر ولم يُمهل ...

لم يرَ في راشد الزبير   معتقلاً سياسيًا ، بل فريسة يجب تكسيرها .

 مارس عليه صنوف العذاب، كأنما يثأر من الكلمة، من النسب، من الرجولة نفسها.

انهالت عليه الصفعات والركلات، ذاق الكهرباء والسياط، جُرّد من كرامته كما يُجرد الأسير من سلاحه.

 كانوا يريدون أن يسمعوا منه صرخة استسلام... لكنه لم يصرخ.

في تلك الليالي الطويلة ، لم يُطفئ الألم ضوء القصيدة في داخله. كانت كرامته تنتفض كلما ضربه مفتاح رشيد ، وكان لسانه صامتًا  وقد أفرغ ساديته في جسد راشد الزبير  ، لم ينل لحظة انتصار . فذلك الرجل النحيل، المُنهك، ظلّ ينظر في عيني جلاده بثبات لا يُشترى.

لم يكن الصمت خوفًا، بل ازدراءً. لم تكن الدماء هزيمة، بل شرفًا.

 خرج من الزنزانة أكبر من جلاده .. رجلًا حمَل وجع وطنه في ضلوعه، ولم يخنه حين سقط في قاع المحنة.

أما مفتاح أحمد رشيد ، فقد بَقِي اسمه حبيس سجلات التعذيب، لا يُذكر إلا مقرونًا بالعار.

 وشتّان بين من يُخلد بالكلمة، ومن يُدفن باللعنة.

لكنّه، رغم كل ما مارسه من بطش، لم يُكتب له المجد ، بل خُطّ اسمه في هامش التاريخ، في تلك الصفحة المعنونة بـ"الخونة الذين خانوا الملك والوطن وانقلبوا على البيعة"

سجن الحصان الأسود: حين غيّر الطلاء مصير الأرواح

..........

كان يُدعى "سجن الحصان الأبيض"، لا لبراءته، بل نسبة إلى تمثال نُصِب في ساحته الخارجية، يمثّل حصانًا أبيض شامخًا وسط حديقة صغيرة، تحيط بها الأشجار والنباتات كأنها تحرس سكون المكان. بدا مدخله في زمن ما قبل الانقلاب هادئًا، لا يوحي بالعنف، مجرد مبنى رسمي تعبره نقطتا تفتيش تؤديان إلى ساحة داخلية تتوسطها نافورة مياه، تُحاط بمكاتب الضباط من ثلاث جهات، وتُقابلها بوابة ضخمة تحجب ما خلفها عن أعين الزوار. كان كل شيء يبدو منضبطًا، ساكنًا… إلى أن تبدّلت الألوان، ومعها تبدّل القدر.

فبعد انقلاب الأول من سبتمبر عام 1969، اتُّخذ قرار صامت لكنه كان أشد وقعًا من الصراخ طُلي الحصان الأبيض بالأسود. كانت تلك الطبقة من الطلاء إعلانًا رمزيًا، مشحونًا بالمعنى، بأن ما كان أبيض قد اسود، وأن السجن لم يعد كما كان. سرت القشعريرة في قلوب أهالي المعتقلين، إذ فهموا الرسالة دون تفسير مصائر أحبتهم أصبحت في مهب المجهول.

ومنذ ذلك اليوم، لم يُعرف السجن إلا باسمه الجديد المرعب: "الحصان الأسود".

تحوّلت ساحة السجن، التي كانت يومًا فسحة خضراء، إلى مسرح تعذيب جماعي، يُجبر فيه السجناء على مشاهدة آلام رفاقهم، في استعراض يومي للقسوة. هناك، في حوض النافورة، لم تعد المياه تتدفق ببرودتها المعتادة، بل تحوّلت إلى مرآة دامية، يُغمس فيها السجين لإنعاشه أو غسله من الدماء، قبل أن يُعاد إلى عذابه. وكان الحوض يُترك ملطّخًا إلى نهاية اليوم، حتى تأتي لحظة تنظيفه استعدادًا ليوم آخر من الرعب.

 Naji-al Faitouri


 




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

هرطقات القذافي