الأحد، 29 مارس 2026

عبدالعزيز الغرابلي .. ذاكرة سجين

 


 

  

دعوني اروي لكم قصة سجين قاوم الاصفاد بابتسامة ، انه الرفيق " عبدالعزيز الغرابلي " ، كنا نلقبه " زيزو " ، لم يكن مجرد رقم في سجل المساجين ، ولا اسير في ذاكرة القمع الليبي ،

بل حالة انسانية نادرة استطاعت الحفاظ على الدفء وسط اكثر الاماكن برودة ، اعتقل بالتزامن مع اعلان القذافي ما سمي بـ " الثورة الثقافية " ، والنقاط الحمراء الخمس ، وما كان ذلك إلا جوقة لتغييب الوعى المجتمعي واستنزاف المثقفين المستقلين ، كان شاعرا بالفطرة ، مبدعا في القوافي ، ونظم الحروف والكلمات ، قصائده عبرات تشاكي حب الحياة  في اصعب الاوقات ، حيث لا يلوح في الأفق سوى الرعب  ، وظلمة الليل البهيم  ، ووطن تنهشه انياب الاستبداد .

     " الغرابلي " احد شموع المشهد الثقافي بجامعة بنغازي ، عندما كانت تتلمس الخطى نحو النور ، وتستشرف افاق مستقبل زاهر واعد  ، الكلمة الصادقة الحرة ، اللوحة التشكيلة الناطقة بما تجيش المشاعر ، القصيدة المثقلة بهموم العصر ، كل ذلك كان شغله الشاغل .

      رغم قبضة الظروف القاسية ، وجدران الاقبية الكئيبة ، لم يجزع ، ظل صابرا كجلمود صخر ،  جمعتني به الاقدار لسنوات طويلة ،  حشرنا سويا داخل زنزانة واحدة ، تحاصرنا قضبان  سجن  " الحصان الاسود " ، في غالب الاوقات اراه منهمكا في قراءة كتاب ، او رسم لوحة ، او استثمار ما جادت به الظروف للخروج بفكرة متفردة ، من بذور الزيتون صنع عقدا ، اهداني اياه ، ويا لها من هدية لا تقدر بثمن ، ولا تنسى مهما طال الزمن .

   " الغرابلي " كما عرفته ، مثقف رصين ، شاعر الخصب ، خفيف الظل ، البسمة لا تفارق شفاه ، بل هي جسره الى التعافي من ارق الاصفاد حوله ، كان البلسم الشافي لرفاق الزنزانة من اوجاع القهر والقمع وعذابات السجن ، مبتهجا رغم صلابة القيد ، واجه محن المرض ، وإهمال السلطات ، والإذلال ، بصبر جلد . محتسبا لم يتوسل ، حتى الرمق الاخير ، ويوم ان رحل ، ودع ليبيا الوطن الذي ناضل من اجل فك اسرة من قبضة الانقلابيين ، بروح هادئة تعتز بالمبادئ التي ضحت لأجلها ، وذاك الحلم البهي بولادة وطن الاحرار .

   اسروه وحشروه خلف القضبان ،  لقد اغتيل الغرابلي على مكث ،  لكنه عاش حرا خلف القضبان ، لقد لقن الجلاد درسا اخر ، الاحرار لا تقهرهم القضبان ، ولا حفلات التعذيب .

   رحل " الغرابلي " الرمز الوطني العصي على الانكسار، شاهدا على زمن اغتيل فيه وطن ، مدشنا طريق الحرية للاجيال القادمة .، سلاما لروحه الطاهرة في يوم ذكراه ، وكل الايام هي ذكرى رحيله ، ودرسا في صون الكرامة .. رحمه الله .


 " من ذكرى الغرابلي "

   مقتطف من مقالة كتبها اخل اسوار السجن ، وعلى صفحات مجلة اخترعها .. مجلة " ابريل " عنوان المقالة : " في السجن يكبر الوطن "

    في السجن بقدر ما يضيقون مساحة الارض حولك ، بقدر ما يتسع الصدر ليسع العالم بأسره ، .. اخوانك الرائعون القابعون في كل سجون العالم ، النازفون من اجل بناء الغد الافضل ، هم رفاقك ، لست وحدك ...  يختلط الحب بالألم ، لتصل الى مشارف بحر من الحزن .

  تكبر وفي داخلك يكبر حب الوطن ، تعشق الحياة كما لم يعشقها انسان من قبل ، أنهم يصطادون الحياة على مدخل الابواب الحديدية ، وتضل ذاك المحارب .. الذي حلم بحياة مشرقة فرحة ، على انقاض سنين الزيف هذه ، والتشوهات وتعفن الحاضر .

    في داخلنا لن يموت الوطن .. نحلم بوجه جديد للوطن ، مع التقدميين في ليبيا .. وفي اعماقنا صورة رائعة مضيئة مشرقة ، نعلم تماما ان تجسيدها واقعا ليس لعبا ولا ترفا ، وليس سهلا ايضا .

   في داخلنا سيزهر الوطن .. فيا ايها التقدميون الوطنيون .. شيئا جديدا سيكون .. اروع مما كان ، بايديكم سيزهر الوطن .

  ابريل   1978

    يوسف العربي ختريش

يوسف ختريش

 سجين راي ( 1 مارس 1973 - 3 مارس 1988 )

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

هرطقات القذافي