اشياء هي من الكثرة تذكرني بسنوات حشرت فيها خلف القضبان ، وقبرت داخل زنازين سجن " بوسليم " سيء الصيت ، ولكم احزنني حال الرفيق " محمد العدل " ، وكم كان يشغله حال شقيقه الاكبر " المهدي " ، المثقف المتنور ، الضليع باللغة ومفرداتها ، وقد دخل في عزلة مع نفسه ، يركن الى سريره طوال الوقت ، لا يتحدث مع احد ، ولا يفضل الخروج من الزنزانة حتى عندما يفتح الباب ، كم كان يؤلمه ان اخيه الحاضر جسدا ، غائبا عنه وعن المحيط .
اشياء هي من الكثرة وكم ستسعفني الذاكرة ، كانت الزيارات ممنوعة .. والجوع اخذ منا حد العظم ، وفي يوم رمضاني ، حدث ما لم نعتاد عليه ، روائح الماكولات الشهية تتسرب ، كان اهل الحي المجاور للسجن قد احضروا تلك الولائم .. كان يوم احتفالي ، فتح باب الزنزانة ، وطلب منا تقاسم الوليمة مع بقية الزنازين ، وان نتولى التوزيع ، كان موعد الافطار يقترب ، وما كان لنا تواصل مع من حشروا في زنازين الاعدام ، لكننا نحن المحكومون بالمؤبد ، طلبنا من الحارس " التواتي " ، ان نتقاسم معهم ما جادت به اللحظة ، لكنه رفض ، انهم ممنوعون من التواصل مع الغير ، بقيت الاكياس المخصصة لهم بحجرتنا .. وموعد الافطار يقترب .. لمحت في عيني الرفيق الشاعر عبدالعاطي خنفر دمعة سخية انحدرت ، ادركت على الفور حجم الاسى والحزن الذي اصابه ، حرمان سجناء الاعدام اقفل شهيته للوليمة ، هناك بالجوار يقبع شقيقه " عبدالغني " المحكوم بالاعدام .. انطلق صوت الاذان فلم يقترب من المائدة ، لكن الفرج قريب ، قدم الحرس التواتي على عجل ، استثمر انهماك بقية الحراس في افطارهم .. وطلب مني تقديم الاكياس المعدة الى سجناء الاعدام ، دون التواصل معهم ، مررت الاكياس من تحت ثقب الزنزانة لاناس لم يسبق لهم ان تذوقوا طعم الاكل من خارج السجن منذ خمسة عشر . احن الى خبز امي .. كان يوم رمضاني مختلف .
من حواديث على هامش امسية رمضانية جمعتنا والرفيق ( صالح القصبي ) ثلاثون عاما خلف القضبان .. (صالح الدعيكي .. ابوبكر الغرياني .. عابد الفيتوري ) .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق