الجمعة، 26 ديسمبر 2025

عن العكرمي والبلاد


 

     

      "علي العكرمي" وعبر شهادته التاريخية الهامة عن تجربته السجنية الطويلة " يعيد لسجناء الرأي الليبيين " معنى معاناتهم ومكابداتهم المريرة والطويلة ,  بعد ان غيبتها الصراعات والاحداث ,  بل وجعلت حملات من النكران احيانا تلك الآلام عقابا مستحقا لأولئك الضحايا ,  فقد حمّل الرأي العام الليبي في غالبه ما حصل ويحصل في ليبيا من خراب واقتتال لاولئك المساجين , الى جانب العائدين من الخارج  "كما يسمي الليبيون "  المعارضة  التي كان افرادها مطاردين  برصاص فرق الموت الليبية في كل اصقاع العالم  .

      العكرمي ينقل تجربة اجيال من المقاومة الليبية للقمع والاذلال , والاهم يقدم صورة لما ال اليه مصير نخب في ذلك الوقت من السياسيين والمثقفين والمتخصصين من تدمير وقتل , ليس لهم كأفراد فقط , بل لمستقبل بلاد كانت تسعى كغيرها من بلدان العالم المتخلف للنهوض واللحاق بمواكب العصر .

       ما قدمه العكرمي عن السجون الليبية لم يكن صادقا وشفافا فقط بل كان "واعيا ومدركا" ليس لحجم عذاباته ومعاناته , بل لمعنى تلك العذابات والآلآم , كان قادرا على وضعها في مسارها باتجاه مستقبل افضل للبلاد والعباد , كان راعيا عارفا وعطوفا لحبات بذر بذرها اولئك "الحكماء " كما سماهم , في حقول ليبيا وروتها دماء شهداء , ودموع ثكالى  .

       تجربة العكرمي ومئات من سجناء الرأي الليبيين , كان احد اهم دروسها "حسب ما اورده العكرمي في شهادته " هو " قبول الأخر  المختلف فكريا " بل والنظر اليه كشقيق ولدته الآم ليبيا وشريك في الزنزانة والقسم والوطن وفقدانه يمثل فقدان الشقيق والرفيق .

الاعتراف والقبول والاندماج مع الشقيق المختلف فكريا اهم دروس تجربة السجون الليبية والتي عشتها كما عاشها كثيرون غيري وكما رواها العكرمي والتي وبكل اسف فشلنا في ايصالها الى مجتمعنا الذي كان ولا يزال في امس الحاجة لمعرفتها من اجل سلم وتماسك اجتماعين وهما اهم اركان بناء الدول ونهوضها من كبواتها التاريخية .

الليبيون ورغم تجاربهم التاريخية الثرية والملهمة , ظلوا عاجزين عن استلهام الحلول لمشاكلهم وصراعاتهم وحتى حروبهم الاهلية المنهكة والمدمرة من تلك التجارب , ظلت تلك التجارب احداثا وحتى الآما منسية , ظلت كمثل ثروات ليبيا مهملة ولا يستفاد منها , بل وأحيانا يحولونها الى سلاح دمار, كما يفعلون الآن بثروة النفط .

تجربة الملك ادريس بعد الاستقلال كانت تجربة شديدة الوعي بالماضي , كان ثروة قومية يجب استخدامها لبناء المستقبل , لذا طرح مباشرة مبدأ الصلح الاجتماعي من اجل بناء دولة متماسكة وقادرة على تخطي عقبات ماضيها , كان القبول بالأخر وان اختلف وان اخطأ الخطوة الاولى لبناء دولة المواطنين بمختلف اطيافهم ومختلف اخطائهم , كان الصلح والتماسك الاجتماعي اههم اركان تأسيس الدولة .

       تجربة سجناء الرأي والمعارضين ثم تجربة المتحاربين في كل مراحل تاريخنا الحديث , نحتاج الآن ان نستلهمها وان نوظفها لرتق ما تمزق من نسيجنا الاجتماعي من اجل بناء دولتنا ومستقبلنا , فبدون الوصول لتلك الصيغة , لذلك العقد الاجتماعي الذي وصل اليه الليبيون بقيادة الملك ادريس , ووصل له السجناء الليبيون في معتقلاتهم وجعل الحياة ممكنة مع المختلف , والبناء معا لترسيخ قيم المواطنة , لن تكون البلاد بلادا , ولن تكون الدولة دولة .

      التجربة الليبية المريرة التي وصل فيها الليبيون الى اعتبار الليبي الاخر عدوا واعتبار الاجنبي شقيقا وحليفا , واستعان فيها الليبي بالأجنبي لذبح الليبي الاخر , ليست إلا انتحارا جماعيا لكل الاطراف , انتحار شعب كامل , ودمار مشروع دولة

       الليبيون على شفا العدم , اما نتوقف عن هذا الانتحار وإما ان نسحق ونتناثر نتفا تذروها الرياح , اما ان نستلهم تجربة ادريس والمعتقلات الليبية او تجربة الارهاب وقتل الشقيق ثم الانتحار . 

نشر ببوابة الوسط

منصور بوشناف

نشر ببوابة الوسط


علي العكرمي ثلاثونعاما خلف القضبان



هناك تعليق واحد:

  1. كل الليبيين أبناء ليبيا
    وليبيا لكل الليبيين
    المتدين والذي لا دين له
    المؤلج والبسيط
    التطرف موجود عند الجميع
    وان كان بتفاوت
    لا حل الا بقبول الاخر
    لا حل الا بابعاد السلاح تذكروا
    الآباء المؤسسين لدولة ليبيا

    ردحذف

هرطقات القذافي