في غرفة المكتب الصغيرة ، الأرضية عارية من الفرش وأثاث الغرفة طاولة وكرسي واحد ، حين أدخلني الجندي المرافقى ، أمرني بالجلوس أرضاً وقام زميله بإدخال رجلي في الفلقة ، أمسك الاثنان بطرفي الفلقة وتقدم ( النقيب عبدالله السنوسي ) وباشر نوبة من الضرب بسوط من أسلاك الكهرباء طالباً مني مع كل ضربة أن أعترف :
"اعترف يا كلب ، جماعتك اعترفوا ، من هم أعضاء خليتكم ، من رئيسكم ، من منسقكم مع الخارج ، ما علاقتك بفلان وفلان؟ ".. ويذكر أسماء لا أعرفها ، حين يكل من الضرب يرمي بالسوط ويأمرني بالهرولة ، فيما يقوم الجنديان بضربي بالعصي أثناء ذلك ، ثم يأمراني بالجلوس ويضعان الفلقة مرة أخرى حول رجلي ، ليتقدم ( العقيد حسن اشكال ) وينهال ضربا بالسوط على رجلي : " اعترف خيرلك ، واللهِ ماني فاكك لين تعترف يا هوني يا كلب ، اعترف أنت مانك خير من جماعتك ، كلهم اعترفوا ، احني عارفين كل حاجة ".. ويتواصل الضرب حتى أصل حافة الإغماء ، يسكبون على رجلي الماء البارد ويأمرونني بالهرولة في الصالة حوالي أربع أو خمس لفات ، ثم يعودون بي إلى المكتب ، نفس طقس الفلقة والضرب بالأسلاك .. واعترف أحسن لك .. أسبوع كامل ونفس الممارسة تتكرر ، تحقيق شفوي من قبل النقيب عبدالله السنوسي والعقيد حسن إشكال وأعوانهما من الجنود .. وأنا لم يكن عندي ما أعترف به .. والمكان بدأ يعج بالموقوفين والزنازين تغص بنا ، شخصان في زنزانة واحدة بعرض متر ونصف المتر وبطول مترين تقريبا .. وأحياناً نبيت خمسة أشخاص في الزنزانة الواحدة .. وكنا نفرح بذلك ، حيث نشعر بالدفء وبإمكانية تبادل الأحاديث والمعلومات عن مجرى الاستجواب وما هو المطلوب منّا ، رغم كونهم يحرصون جداً على ألا يلتقي المهتمون في قضية واحدة مع بعضهم.
عبدالله السنوسيفي نوبات الهرولة الجماعية التي يقيمونها لنا عقب وجبة الغذاء في صالة السجن ، كنا نرى بعضنا ونعرف من قدم حديثا .. وأحياناً نستطيع تبادل الكلام المقتضب ، أثناء الهرولة التي تكون مصحوبة بالهتافات من قبلهم ، طالبين منا أن نردد خلفهم الشعارات والمقولات المتنوعة التي كانوا يبتكرونها.
أرضيات الزنزانات كانت خالية من أي فرش.. والفراش لا يُعطى إلا لمن يعترف كميزة له .. ولهذا كان أحد الجنود يردد باستمرار : "اعترف نعطيك متراس ".. الجملة التي أصبحت شبه نكتة عند الموقوفين وانتقلت معنا كذكرى مؤلمة لتلك الأيام في السجن الأبيض أي ( الحرس الجمهوري بنغازي ).
كان إدخال فردتي الحذاء إلى الزنزانة ميزة يُحسد عليها ، حيث أقوم بوضعها تحت عظمتي الورك والركبة في الجانب الذي سأرقد عليه وحيث تكونان فاصلاً لي من لسع برد البلاط .. وفي أغلب الأحيان يفطن أحد الجنود لحيلتي ويقوم بإخراج الحذاء.
حسن اشكال
لشدة الإرهاق بسبب الضرب المبرح والإرهاق النفسي ومنع السجائر فإنه ما أن تتوقف نوبات الضرب والصراخ وما أن يغادر الضباط ، فقد كنت أغرق في نوم غريب تمر فيه أشرطة من الأحلام الغريبة والذكريات الدفينة كما لو كانت شريطاً سينمائياً لا يخرجني منه سوى لسعات البرد المتسلل من أسفل باب الزنزانة ، كان برداً قارصاً ينفذ إلى العظم ويطرد النوم.
الحلقة (2) من كتاب: ( أتذكر ) .. منشورات صفحة ( الثقافة الحرة )
الحلقة(3) من كتاب: #أتذكر.. 🤔👀‼️
✍️الشاعر #السنوسي_حبيب🌹
تقرأون في هذا الجزء:[ الطالبان #عبدالسلام_الزادمة و #عبدالقادر_الهوني قريب سنوسي من #سرت يزوران سنوسي المُعتقَل في #بنغازي ]
✍️تدوين: دار الثقافة الحرة
عنوان هذا القسم من الكتاب: ( #شذرات)
👇😢🌹🌞💦🏝😢👇
في الليلة الخامسة من وجودي في السجن،فتح باب الزنزانة نقيب المباحث #سالم_المقروس وبيده سيجارة كانت مشتعلة، قدمها لي ثم حين هممت بوضعها في فمي سحبها مني قائلاً سأعطيك واحدة جديدة في المكتب - ولازلتُ إلى هذه اللحظة أحس بِلوعةِ فقد تلك السيجارة- ليبدأ في استجوابي بشكل رسمي وتحريري، مكرراً نفس أسئلة الاستجواب الشفوي مضيفاً إليها تلقينات عن التهمة التي يسعى لإثباتها وهي إنني ومجموعتي ومجموعة #عمر_دبوب و مجموعة درنة ، نكون حزباً شيوعياً في بنغازي ودرنة وأن المطلوب مني أن أعترف بهذا الحزب‼️ وتحديد علاقتي بأعضائه، كانت تلك المرة الأولى التي أسمع فيها بهذا الحزب ..وحين رفضت الإذعان لطلبه سجل إسمي في ورقة وتركها في المكتب، ليتولى في اليوم المقبل إقناعي بالاعتراف النقيب عبدالله و العقيد حسن،تلك كانت آلية سير التحقيق،يقوم رجال المباحث، النقيبان سالم المقروس و #علي_هويدي بصياغة الأسئلة والتهم ويقوم النقيب عبدالله والعقيد حسن بإرغام المتهم على الاعتراف بها بفعل الفلقة والسياط.
في اليوم السابع من دخولي المعتقل ..وحين كان الموقوف #سالم_بن_غزي يقوم بتنظيف الصالة بعد نوبة التعذيب الليلية، ألقى إليَّ بدينار ملفوف قال إنه أحضره من #رضا_بن_موسى‼️، مكتوب عليه أنهم أرغموه على تيني اتهامات المحقق سالم مقروس والتي تتلخص في أننا مجموعة من #اليسار_العربي وكنا نتصقف على كتابات غالي شكري و مجلة الآداب #البيروتية ..ونلتقي في بيوت الطلبة.
في صباح اليوم التالي التقيت في الحمامات بالحاج #مصطفى_نصر والذي كان هو الآخر قد عُذِبَ كثيراً ، أشار عليّ أن أعترف لهم وإلا فإنهم سيقتلونني ضربا.
صباح يوم السبت وبعد نوبة الفلقة المعتادة صباحاً أرجعت إلى الزنزانة إلى أن حان دوري في محضر جمع الاستدلال كما كانوا يسمونه حين تناوب استجوابي النقيبان هويدي والمقروس وليوقعاني على اعتراف بالحزب الشيوعي المزعوم بمجموعاته أو خلاياه الثلاث وبلجنة مركزية للحزب، تتكون من عمر دبوب و السنوسي حبيب و #فتح_الله_انديشة.. ولم أسأل أثناء التحقيق التحريري إلا عن أعضاء مجموعتي وهم رضا بن موسى و #منصور_أبوشناف و #مصطفى_بدر و #أحمد_بللو و سالم بن غزي وجميعهم كانوا طلاباً في جامعة بنغازي كلية الآداب.
حاول المحققان معي كثيراً لإقحام صديق سوداني كان طالباً في كلية الحقوق وقد تخرج في العام الدراسي 73-74 هو #بابكر_عيسى ..وقد أُحضِرَ من اجدابيا، حيث كان يشتغل مستشاراً قانونيا، وأمام إصراري وإصراره على أن علاقتنا مجرد صداقة نشأت عن تواجدنا المشترك ببيت الطلبة في جليانة ولم تتعد تبادل بعض الكتب الليبية و السودانية، لذلك لم يلحق بالقضية، بل دل فترة بالسجن ثم طُرِدَ من ليبيا.
بابكر هذا لم يكن معنا في المعتقل نفسه،بل في السجن العسكري القديم، حيث اُعتقل والمرحوم الشاعر حسن صالح وأخبره بتطابق أقوالي وأقواله وربما ذلك ما خلق قناعة لدى المحقق بصحة أقوالنا.. أخبرني بذلك المرحوم #حسن_صالح ، حين التقينا بعد ذلك في سجن الجديدة.
* * *
شذرات: 👇
-أثناء تناولنا الغذاء أحد الأيام وكان بجواري الشاعر المرحوم #علي_الفزاني وأمامه صحن رز وشعره مشوش وكان قد خرج لتوه من نوبة لويذة الاستقبال..وكان العقيد #حسن_إشكال وسط الصالة وقد توجه نحوي..وبطريقته المعهودة في التهكم المر، قال لي:
[قول شعر يا #هوني]‼️
..وحسب ماروى لي الأصدقاء بعد ذلك فقد قلت له:
[غذاء جميل ويوم رائع] 😎 ‼️
في مرة ثانية فتح #العقيد_إشكال زنزانتي وكان فيها معي الأستاذ علي_بوزعكوك وقد كانت رجلاه ملفوفتين حتى الركبتين في شاش طبي بعد نوبة فلقة ..وحين وجدنا معاً قال:
[آهو جبنالك أستاذك بيش يعلمك زين..وان كان عليّ أني يا #هوني توا نعطيك بالزقية ونقولك روح ]‼️..
في إحدى الليالي استدعاني العقيد حسن اشكال إلى مكتب التحقيق :
[ آهم أولاد عمك جايين يزوروك ويسلموا عليك.. كانا #عبدالقادر_مصطفى_الهوني وهو من أقاربي ومن سكان #مدينة_سرت ويدرس في جامعة بنغازي.
أما مرافقه فكان عبدالسلام #الزادمة الذي لا أعرفه ..وكان الزادمة وقتها طالباً بالجامعة وقد اشتهر حينها بإطلاقه للرصاص في أحداث جامعة بنغازي سنة 1976م في شهر يناير ..لم يفصحا عن سبب الزيارة الذي برراه بكونهما كانا مارين من هنا فارتأيا أن يسلما عليّ، ألقيا نظرة متفحصة على رجليّ المتورمتين من الضرب..وأمرني اشكال بالعودة إلى الزنزانة .
حين أتذكر تلك الأيام، حوالي عشرة أيام، أتذكرها كدوامة من الصرخات وصوت السياط وهي تنهال على الأرجل أو تكسّر عصيّ المكانس على الأكتاف والأذرع أو صرخات العقيد حسن إشكال بالشتائم المقذعة والأوامر بالهرولة أو الهتاف بالشعارات.
كان الشيء الأكثر إيلاماً عندما نكون في الزنازين والأبواب مقفله ثم يحضرون قادماً جديدًا ونبدأ في سماع ضربات الصوت على رجليه ثم انَّاته المكتومة إلى أن يضطر إلى الصراخ بأعلى صوته وتشتعل حمية المستجوبين في الإلحاح عليه:
( اعترف أحسن لك )..
ويكون الألم أشد وقعاً حين يكون المعذّب شيخاً كبيراً مثل الحاج عمر الترجمان والد زميلنا خالد😢، لقد سمعت صراخ كثيرين من كبار السن ولم يتسنى لي معرفة من هُم.
_____
رقن إلكتروني وتوثيق دار الثقافة الحرة
المقر الرئيسي #مدينة_هون - ليبيا
قسم الكتب الليبية
👇
ملاحظات :
الشاعر الليبي السنوسي حبيب .. توفي بتاريخ 1 أبريل 2013م
👇💦📺👀🌞👇
صور هذا المحتوى:
١ - مؤلف كتاب أتذكر، الشاعر المرحوم سنوسي حبيب والصورة في شقة الرسام الليبي #عمر_جهان في حي الدقي بالعاصمة المصرية #القاهرة .
٢ - صورة الشهيد #عمر_دبوب
٣- صورة الضابط عبدالسلام الزادمة الذي كان طالباً في الجامعة أثناء قمع النظام لانتفاضة الطلاب في ٧ أبريل ١٩٧٦م







ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق